الخوف على الهوية أنتج محاكم التفتيش ولاحقاً داعش
من أين أنت؟؟




/علاء مهدي الشهاب- الرائد نيوز/


يقول أمين معلوف في كتابه الهويات القاتلة “منذ أن غادرت لبنان عام 1975 للاستقرار في فرنسا، كم من مرةٍ سألني بعضهم عن طيب نيةٍ عن شعوري هل أنا “فرنسي” أم “لبناني” وكنت أجيب سائلي على الدوام: “هذا وذاك!”، لا حرصاً مني على التوازن والعدل بل لأنني سأكون كاذباً لو قلت غير ذلك. فما يحدد كياني، وليس كيان شخصٍ آخر، هو أنني أقف على مفترق طرق بين بلدين، ولغتين أو ثلاث لغات، ومجموعة من التقاليد الثقافية. وهذا بالضبط ما يحدد هويتي. فهل أكون أكثر أصالةً لو استأصلت جزءًا من كياني؟”.

“هل أنا فرنسي، وبالتالي، نصف لبناني؟ لا أبداً! فالهوية لا تتجزأ، ولا تتوزع مناصفةً أو مثالثةً، ولا تصنف في خاناتٍ محددة ومنفصلة بعضها عن بعض. وأنا لا أملك هويات متعددة بل هوية واحدة مؤلفة من العناصر التي صنعتها وفقاً “لجرعةٍ” خاصة لا تتطابق مطلقاً بين شخص وآخر.”

حال أمين معلوف هنا مشابه لحال الكثيرين ممن يعيشون أزمة هوية نتيجة لتغير موقعم الجغرافي، حيث يطلب منهم البعض التعريف عن هوياتهم من خلال سؤال بسيط – “من أين أنت؟” – وطبعاً هذا السؤال ليس بريئًا ويهدف إلى التعرف على البلد أو المنطقة التي ينتمي إليها الآخر فقط، وإنما لمحاولة معرفة الدين والطائفة والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها هذا الآخر من أجل رسم وتأطير الطريقة التي يجب أن يتم التعامل معه على أساسها.

وفي الحقيقة هذا أسلوب في التفكير سطحي ومتخلف ويؤدي إلى إضعاف الروابط الاجتماعية وأبعد ما يكون عن مفهوم المواطنة القائم على الاعتراف بالآخرين كشركاء في الوطن ولهم حقوق وواجبات متساوية، فالهوية مزيج معقد من عدة سمات ومكونات كلون البشرة، والعرق، والدين، والثقافة، والجنسية، والدور أو الوظيفة، وأسلوب التعلم، والمنظومة القيمية، والمستوى العلمي، والمهارات، والوضع العائلي وغيرها الكثير، فلا يمكن للإنسان فهم هويتة إن لم يكن لديه وعي كافي بذاته فمن الظلم تقزيم الهوية وتلخيصها بمكوّن واحد.

ويضيف “لا أعتقد أن هذا الانتماء الإثني أو الديني أو القومي أو ذاك يحمل نزعة إجرامية كامنةً أصلاً. ويكفي أن نستعرض أحداث السنوات الأخيرة لنرى أن كل جماعة بشرية، إذ تشعر ولو قليلاً بالمهانة أو بوجودها مهدداً، تنزع إلى إنتاج القتلة الذين سوف يقترفون ابشع الجرائم، وهم مقتنعون أنهم محقون ويستحقون البركية الإلهية وإعجاب إخوانهم. هناك مستر هايد يرقد في أعماق كل واحد منا، والأهم هو الحؤول دون توافر الظروف الملائمة لخروج الوحش القابع في قرارة نفسنا.”

ببساطة تحدث النزاعات بشكل عام نتيجة لتضارب المصالح، وتتعدد أنواع النزاعات من نزاع العلاقات القائم على سوء التواصل أو الصور النمطية والأحكام المسبقة، إلى نزاع المصالح القائم على التنافس على الموارد وتصوير الآخر على أنه خصم وعدو بلاً من حليف وشريك في الوطن والإنسانية، أو نزاع القيم القائم على اختلاف العادات والإيديولوجيات وتبني معايير مختلفة لتقييم المواقف والأفكار، وصولاً إلى نزاع البنية والذي يمثل أخطر أنواع النزاع حيث أنه ينبع من وجود قوانين غير عصرية أو توزيع غير عادل للثروة أو غيرها من الأسباب الهيكلية والبنيوية التي تحمل في طياتها بذور النزاع ومن شأنها أن تحول النزاع الكامن أو الضمني إلى صدام مباشر.

في عام 1975 تندلع الحرب الأهلية بين المسيحي الخائف، والمسلم المحروم والفقير في وطنه. وهذا ما أشار إليه أمين معلوف في كتابه “كوني عشت في بلد خاض حرباً أهلية، وفي حي تعرض للقصف من حي مجاور، وأمضيت ليلة أو ليلتين في قبو قد تحول ملجأ مع زوجتي الشابة الحامل وطفلي، نسمع دوي الانفجارات في الشارع، ونصغي داخل ملاذنا إلى آلاف الشائعات حول هجوم وشيك بالإضافة إلى أقاويل عديدة عن عائلات ذبحت، فأنا أعرف حق المعرفة أن الخوف قد يدفع أي إنسان نحو الجريمة.”

دائماً ما تمنعنا النزاعات العنيفة التي يسودها الخوف من الآخر، من إدراك مكنونات هوياتنا المشتركة، وغالباً ما ترتبط هذه الهويات بقيمنا وتطلعاتنا الأساسية، حتى لو كانت الجوانب الموروثة أو الثقافية من هويتنا مختلفة. وكما أنتج الجهل والتطرف الديني في القرن الواحد والعشرين داعش وأخواتها، فإن الفكر الديني الغربي أنتج محاكم التفتيش “The inquistion” في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، والتي تعتبر الوجه المقابل لنفس القطعة النقدية أي دواعش العصر، حيث أن محاكم التفتيش كانت تقوم باتهام أي معتقد أو رأي مخالف للعقيدة الدينية بالهرطقة “Heresy” ومن ثم يصار إلى إحراق أو إعدام “المتهمين”.
إنّ هوياتنا معقّدة واختزالها في أمرٍ واحد – خلفيتنا الدينية على سبيل المثال – لا يقلّل من الشأن فحسب، بل يمكن أن يكون خطيراً أيضاً وهذه طريقة مجرَّبة لتقسيم الشعوب وحتى التسبُّب بصراعات دموية.

من الواضح أن الهوية حاجة إنسانية ملحة، نحن نحتاجها كوننا أفراد في مجتمع بحاجة للشعور بالاعتراف والقبول والتقدير. كثر هم المستعدين لتقديم تضحيات كبيرة، وحتى التضحية بحياتهم من أجل حماية هويتهم، في حال شعروا أنها مهددة، لذلك ينبغي تسليط الضوء على الجوانب المشتركة من هوياتنا لزرع بذور التعاون، ووجوب الابتعاد عن النهج العدائي والدفع باتجاه اعتبار الآخر حليفاً وليس خصماً، فعلى سبيل المثال كلنا نعيش تبعات الأزمة الاقتصادية عينها ونتشارك نفس المخاوف بشأن مستقبل أطفالنا.
فهل لدينا ما يكفي من الفكر والنخب والمخزون الثقافي والتاريخي لبناء مجتمعات متماسكة وحضارية مع الاحتفاظ بخصوصيتنا الثقافية؟.

اترك رد إلغاء الرد