نساءٌ نَدِمْنَ على “الأمومة”

/لبنى الشرفاتي- درج/

“أنا نادمة ٌعلى إنجاب أطفالي، هم كطفيليات، يأخذون منّي دون أن يعطوني أي شيء… أكثر شيء كنت أقدّرهُ في حياتي هو تمضية الوقت مع نفسي في التفكير، القراءة والهدوء، وفجأة فقدتُ هذا الهدوء وهذه الوحدة… أنا أعلم أن حياتي كانت ستكون أكثر سعادة وإشباعاً بدون أطفال”.
في كلّ مرّة يدهشني بعض مقدّمي البرامج عندما يطرحون السؤال- الكليشيه على بعض الفنّانات العربيّات حول ندمهنّ على عدم الإنجاب: ما زال من المُسلّمِ به عند الأغلبية أن عاطفة الأمومة هي غريزيةٌّ عند كل النساء، وأن دور المرأة في المجتمع لا يكتمل الاّ إذا أنجبت، ولا تشفع لها إنجازاتها المهنية وشهرتها، أو الخدماتِ التي قد تكون أسدتْها للمجتمع، بل يضعها الإعلام محطّاً للشّفقة. ولم أسمع أحداً يسأل يوماً فنّانة إن ندمت على انجابها أطفالاً، أو إن أحسّت أن الإنجاب أخّر مسيرتها، أو إن كانت تودّ الانجاب أصلاً، لأن التطّرق بالنقاش لمفهوم الأمومة يعدّ من قبيل تدنيس المقدّسات، ولا يمكن الاقتراب منه إلاّ إذا كنّا مستعدّين لتحمّل إدانة المحافظين من الجمهور. وليس الأمر حكراً على مجتمعاتنا. فعام 2013، ثار الرأي العام ما بين عدم التصديق واللوم حين نشرت البريطانية ايزابيلا ديوتون تجربتها على “الدايلي ميل”:

“أنا نادمة ٌعلى إنجاب أطفالي، هم كطفيليات، يأخذون منّي دون أن يعطوني أي شيء، لم أحس بحنان الأمومة تجاههم، وهاته الأحاسيس لم تتولد نتيجة الإرهاق، أو اكتئاب ما بعد الولادة أو اكتئاب النفاس، وبالرغم من أنّني لطالما كرهتُ فكرة الأمومة الاّ أنّني لم أتوانَ عن الاعتناء بطفلي وطفلتي أكثر شيء كنت أقدّرهُ في حياتي هو تمضية الوقت مع نفسي في التفكير، القراءة والهدوء، وفجأة فقدتُ هذا الهدوء وهذه الوحدة… أنا أعلم أن حياتي كانت ستكون أكثر سعادة وإشباعاً بدون أطفال”.

وبينما تؤكد الطبيبة النفسية باربارا ألموند، أن تضارب مشاعر الكره والحب عند الأمهات تجاه أبنائهن هو أمرٌ شائع، وأنّه في الغالب نتيجةٌ لاستنزاف طاقاتهن الجسديّة والمعنويّة في الرعاية، إلا أن شعور الندم مختلفٌ. ستتاقش في هذا المقال وهو ما تسمّيه عالمة الاجتماع أورنا دوناث: “خطأَ أن تصبحي أمّاً” وتقصد به اللاتي يعتبرْن أنه لو عاد بهنّ الزّمن الى الوراء، بخبراتهن الحالية، لما اتّخذن خطوة الإنجاب وأنّهنّ لا يرَين أي منافع للأمومة أو يعتقدن أن أضرارها أكثر من منافعها.

كيف تُصنع الأمومة؟
تُفنّد المحلّلة النفسيّة نانسي شودرو في كتابها The Reproduction of Mothering: Psychoanalysis and the Sociology of Gender، فكرة أنّ على المرأة أنْ تكون أمّاً نتيجةً لقدرتِها على الولادة والإرضاع، بل تعتبر أنّ النّساء كأمّهات ينتجن فتيات لديهنّ القدرة والرّغبة في الأمومة وذلك نتيجةَ العلاقة بين الأم وابنتها في حدِّ ذاتِها. بينما النساء كأّمّهات يُنتجن فتياناً يقمعون ويحجبون رغباتهم وقدراتهم على الرّعاية. وهو ما يؤهّلهم ليكونوا أكثر فاعليّة في الحياة العامّة من حياتهم الأُسرية، هذا التقسيم في المهمات العائلية والنوعية هو ما يخلق لدى الصبيان والبنات فروقات في القدرات النفسيّة ما يؤهّلهم لإعادة إنتاج تقسيم الأدوار الجندرية نفسه: النساء يجب أن يكنّ أمهات وأن يرغبن في ذلك وينجحن فيه رغم الصّعاب.

تنطلق ن.شودرو من نظرية غايل روبين التي تعتبر أن كلّ مجتمع لديه تنظيم جنسي/ جندري: أي الكيفية التي يعيد بها أفراد المجتمع صياغة عناصر بيولوجية خام كالجنس والتوالد وإشباعه بطرائق يتمُّ وضع قواعدٍ لها، وهذا النظام خاضع للتغير والتطور التاريخي وهو يجدد نفسه بإعادة الإنتاج. وبينما نظريّاً يستطيع هذا النظام أن يتسم بالمساواة، إلا أنّه في الواقع غالباً ما يكون مُهَيْمَناً عليه من الرجال. وميزة هذا النظام الأساسية هي إلزامية النساء بالأمومة وما يترتّب عنها من إعادة هيمنة الرجال: هناك في كل التنظيمات الاجتماعية ما هو عام وما هو منزلي، علاقة الأم بالأبناء تدخل في نطاق ما هو منزلي، وهو ما يُعتبر طبيعياً وبيولوجياً، إذاً فالمكان الأوّلي للنساء هو المنزل، والرجال أيضاً لديهم واجبات منزلية ولكن مكانهم الأولي هو الفضاء العام، وهو ما يجعل المجتمع ذُكورياً، إذ يعطي الرجال السلطة لخلْق مؤسّسات للسيطرة الاجتماعية والسياسية وعلى الزواج كمؤسسة يحصل من خلالها الرجل على حقوقٍ في قدرات المرأة الجنسيّة والإنجابيّة.

عذابٌ في صمت
يُعرّف الأكاديمي دايفيد ماتلي الندم بأنّه: ” إحساسٌ سلبي نشعر به عندما نكتشف أو نتخيّل أن حالتنا الراهنة كان يمكن أن تكون أفضل، فقط لو أّنّنا أخذنا قراراً مختلفاً”. وترى عالمة الاجتماع أورنا دوناث أن المجتمعات الغربيّة تستثني الندم على الأمومة من الندم الذي قد يشعر به أي إنسان، لأنّ المجتمع يُترْجمُ إحساس النّدم بأنّه شرْعَنة لعدمِ حبّ الأبناء والعنف تجاههم وإهمالهم وهو أمر غير صحيح. لذلك فمعظم النساء يُفضّلن عدم الإفصاح عن المعاناة التي يعشْنها، بين عدم الرغبة في الأمومة وواقع أن لديهن أطفالاً، خوفاً من الانتقاد أو الوصم من طرف محيطها.

وعوض التواصل المباشر، تجد النسوة متنفّساً على الانترنت. في دراستِه لمحتوى موقع “مامزنت”، يجد الباحث د.ماتلي أنّ الأمهات يعبّرن عن أحاسيس سلبية تناقض الخطاب السائد عن الأمومة. أوّلاً يشْعرن بضياع الذات وفقدان قيمتها بالمقارنة مع ما قبل الانجاب وعدم الوصول الى إحساس الأمومة الجيّدة كما يتخيّلنها: أي أنّ الأم ينبغي أن تكون قبل كلّ شيء مصدر الرعاية، وأن تبذل جهوداً كبيرةً ماديّاً وطاقةً ومشاعر في تربية الأطفال، وعدم توافقهنّ مع هذا القالب يجعلهنّ “أشخاصاً ناقصين”.

والشعور الثاني الذي يطغى على تدويناتهن هو الإحساس بالذّنب والعار: النساء اللواتي اقتنعْن بالخطاب السائد بأن الأطفال هم “عبء مباركٌ” أي برغم التعب، هم هبةٌ من السّماء يتمنّاها الكثير من الأزواج، هو ما يدفعهن للتكتّم، تفادياً للمحاكمة الأخلاقية. وأخيراً تتخيّل تلك النساء كيف كانت ستكون حياتهنّ من دون أطفالٍ، من خلال تذكّر كيف كانت حياتهنّ قبل الإنجاب. وهذا ما يختلف مع الصورة السائدة عن إيثار الأم لأبنائها على حساب نفسها وحاجياتها وتمحْور حياتها حول أبنائها، وهذا ما يدحضُ الفكرة النمطية عن أن المرأة لا تحقّق ذاتها وهويّتها إلا إذا أنجبت، بل الأمومة دوْر يمكن أن تشعر حياله بمشاعر متضاربةٍ.

الضغوط على المرأة في المجتمعات الغربيّة
ترى عالمة الاجتماع أورنا دوناث أن معظم اللائي ندمن على أمومتهنّ في المجتمعات الغربيّة، لم يكن لهن خيار حقيقي في الإنجاب من عدمه، حيث يمارس المجتمع قوة ضاغطة عليهنّ من أجل الانجاب، عن طريق الخطاب السياسي الرسمي وعن طريق الأسرة، التي تصور الإنجاب كأمر طبيعي، لا بديل عنه.

لذلك فخيار الأمومة يبقى “قراراً سلبياً” تأخذه المرأة، بحيث أنها لا تفكر في نتائجه. لأن النّساء اللواتي لا يرغبن في الأمومة أصلاً منذ صغرهن يخضعْن لفكرة أن هذا الأمر سيتغير عندما ينجبن، لأن الكلّ يقول ان الأمومة تنطوي على الحب وعلى الرغبة في الاعتناء بالطفل بمجرّد قدومه وأنه أمرٌ يستحق العناء برغم الصعاب، وكل ما عدا ذلك سيكون انحرافاً عن معايير المجتمع.

في المجتمعات التي تحث على الإنجاب، تتابع أ. دوناث، تقوم فكرة الأمومة على وعْد بأن حياة المرأة بعد الإنجاب ستكون أفضل. وهكذا تتجه كثيرات إلى الإنجاب للحصول على تقبل المجتمع، أو لمحاربة الشعور بالوحدة والملل، فالاختيار يكون مبنياً على أفضل الأسوأ: إما أن تقبل المرأة أن تصبح أمّاً أو أن تتعرّض للطلاق أو التشرد أو الانتقاد.

ودائما حسب نفس الباحثة، فالخطوة نحو الأمومة لا تعتبر في حدّ ذاتها طبيعية ولكن “السير قُدُماً في الحياة” هو ما يعتبر كذلك. أي أنّ النساء عندما يصرْن أمّهات فهنّ يتقدّمن خطوةً إلى الأمام. هناك خلط بين المفهوم الثقافي للحياة “العادية أو الطبيعية”و المفهوم البيولوجي للأمومة: هناك مسارٌ “طبيعي” على الجميع اتّباعه: من المدرسة إلى الشّغل ومن الزواج الى الإنجاب. وهذا الخطاب يحدّد المسار الجيّد من المسار الرديء لحياة أيّ شخص.

وليست الحتمية البيولوجية وحدها التي تفرض هذا التوجّه بل أيضاً “المنطق الثقافي-الزمني- المعياري” يفترض أن اتباع المسار “الطبيعي” هو الذي يؤدي إلى المشاعر الصحيحة، أي أن المرأة بعد زواجها تحضرها مشاعر الامومة، وكأن رغبة الأمومة تحضر في الوقت المناسب، أي بعد الزواج أو عند اقتراب نهاية الساعة البيولوجية، وهكذا يدور تفكير المجتمع حول متى على المرأة أن تنجب وكم طفلاً، عوض أن يركز على رغبتها في الإنجاب فعلاً وأسباب ذلك.

مفهوم الأمومة في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال افريقيا
عندما كنت أسأل النّساء في محيطي: لماذا علينا أن ننجب؟ ليس بناءً على موقفٍ أخذته بعدم الإنجاب ولكن لأنّني أشعر بالفضول حقاً لأعرف يضغط الأهل والمحيط خصوصاً على الفتيات بالزواج والإنجاب ، كنّ يجبنني بأنّها: “سنّة الحياة” أو لأنّ “الأولاد زينة الحياة الدنيا”، ولأنني كنت ألاحظ أنّهن تعيسات في زواجهن وغير مرتاحاتٍ في أمومتهنّ، لم تكن تقنعني هذه الأجوبة.

أفترض أن وراء هاته العبارات، هناك تفكير أكثر براغماتية: إذا كانت فكرة أن الإنجاب في المجتمعات الغربية هو “إنجاز المرأة الأعظم”، ما زالت قويّة، وتشترك مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معها فيها، فهي تختلف عنها في هشاشة الفرد، في ظلّ غياب الرعاية الاجتماعية وتردي الخدمات العمومية من صحة وضمان اجتماعي، ما يجعل ضمنيّاً الإنجاب استثماراً عقلانياً لتأمين الدّعم: أي أن ننجب أولاداً ليعتنوا بنا في مرضنا وشيخوختنا، خصوصا بالنسبة إلى المرأة، التي كما يقال: “حتى وإن هجرها الزوج ستجد أبناءها بجانبها”.

ولكن في هذا الحساب النفعي الذي يعتبر الأطفال مجرّد كائنات حية ستنمو ببساطة بالطعام والشراب، لا أحد يتكلّم عن المجهود الحقيقي الذي يجب بذله وما إذا كان الأمر يستحق، خصوصاً في واقع أصبحت فيه المرأة تعمل في البيت وخارجه، علماً أن معظم حاجات الطفل تتولاّها المرأة التي لا تحظى بمساعدة الأقارب في ظل الأسرة النووية، هذا الاستثمار طويل المدى وغير مضمون النتائج قد تعيشه النساء على شكل ندم، لأن الحياة اليومية تحبط الفكرة العقلانية وراء الإنجاب، وقد تكون النّتائج النفسيّة وخيمةً بالنسبة إلى المرأة والطفل، وعلى مستوى المجتمع.

وفي انتظار بحوث تؤكد هذه الافتراضات أو تنفيها، يبقى الأكيد أن كثيرات من نساءِ منطقتنا سيجدن أنفسهنّ في تجارب النساء في الغرب اللائي ندمن على الأمومة.

اترك رد إلغاء الرد