طرابلس ”المتناثرة”: أزمة الهويّة… والقيادة

حجب سقوط فيصل كرامي الضوء عن التحوّلات التي أفرزتها الانتخابات النيابية في دائرة الشمال الثانية، أكبر دائرة انتخابية سنّيّة. اختفت ثنائية الحريري – ميقاتي التي كانت مهيمنة على المناخ السياسي لعقدين تقريبًا ، ولم تتمكّن الحالة التي يمثّلها تحالف كرامي – جهاد الصمد – جمعية المشاريع من التوسّع. بل على العكس تعرّضت لنكسة معنوية كبرى بهزيمة الأوّل وتراجع الثاني بشكل غير متوقّع.

اللوائح الستّ التي تمكّنت من اجتياز العتبة الانتخابية، عكست حجم الانقسام وضياع البوصلة السياسية. وهو ما ظهر بشكل جليّ في الجلسة الأولى للبرلمان الجديد، حيث بدا نوّاب طرابلس والضنّية والمنية من دون وزن سياسي.

إنّهم 11 نائباً بينهم 8 يمثّل كلّ واحد منهم حالة مستقلّة لا رابط سياسيًا يجمعه بالآخرين، على الأقل حتّى الآن. فيما ثلاثة نوّاب التحقوا بكتل لا يبدو أنّها تضع طرابلس على خارطتها السياسية.

ريفي والعزف المنفرد

مع نجاحه في الفوز وحصوله على المركز الأوّل في دائرة الشمال الثانية، كان النائب أشرف ريفي يحدوه الأمل بتشكيل كتلة طرابلسية. بيد أنّ ذلك لم يحصل، فقد التحق النائب إيلي خوري بمكانه الطبيعي في كتلة القوّات اللبنانية. وحتّى النائب جميل عبود، الفائز بأصوات غيره، التحق بالنائب نعمة افرام. فبقي ريفي وحيدًا محاذرًا الذوبان في بحر القوّات المتلاطم، مع غياب أيّ إمكانية لتجسير العلاقة مع النوّاب الجدد بسبب ارتفاع حدّة خطابه السياسي، الذي يجعله يبدو كَمَن يغرّد وحيدًا أو يعزف لحنًا يطرب له الجمهور، لكنّه لا يسمن ولا يغني من جوع سياسي.

فمن الصعوبة بمكان أنْ يقبل أيّ نائب الانضواء إلى ريفي في كتلة لعلمه المسبق أنّه بذلك سيلغي نفسه سياسيًا. فريفي قادر على خطف الأضواء في أيّ تجمّع سياسي من هذا النوع بخطابه ‘العنتريّ’ وعراضاته على حساب الآخرين، ولن يقبل بأنْ يكون نائبًا عاديًا.



إيهاب مطر اللغز

يُعدّ إيهاب مطر النائب الأكثر غموضًا ليس طرابلسيًا فقط، بل على مستوى الوطن كلّه. يرفع لواء التغيير، لكنّ خطابه السياسي هادئ وتغلب عليه العموميّات متقصّدًا الابتعاد عن الجدل مع أنّه ‘كسّيب’ جماهيريًّا. لم يشارك في أيّ لقاء، سواء كان مع التغييريّين أو المستقلّين، ويبدو أنّه سيحافظ على استقلاليّته التامّة، ولن يقبل الانضواء إلى كتلة طرابلسية أو تكتّل سنّيّ أو سياديّ.

بيد أنّ ذلك لا يعني أنّه سيكون على هامش السياسة، بل لديه مشروع سياسي خاصّ به لم يظهر تفاصيله بعد. وما تبرُّعه براتبه النيابي كلّ 6 أشهر إلى جهة مختلفة، وزيارته اللافتة لضريح الرئيس رفيق الحريري، ثمّ زياراته لرؤساء الحكومات السابقين، وهو أمر غير مألوف في القاموس البرلماني المحلّي، ويقتصر هذا التقليد على رئيس الحكومة المكلّف فقط، إلّا خطوات تمهيدية نحو إبراز هذا المشروع بشكل هادئ بعد أنْ يستويَ على عودِه.



مشاريع كتل غير ناضجة

في الفترة الفاصلة بين النتائج وجلسة البرلمان الأولى، عُقِد الكثير من الاجتماعات في محاولات لم تنقطع لتطريز تكتّل يجمع المستقلّين أو أكثرهم. وقد شارك فيها بعض النوّاب الطرابلسيين. من هذه المحاولات الدفع إلى تأليف كتلة من السُنّة المستقلّين كي تشكّل توازناً سنّيّاً مع اللقاء التشاوري، علماً أنّ الأخير لا يزال في إجازة ربّما تطول.

وهناك سعي لتشكيل كتلة شمالية يعمل عليها النائب طوني فرنجية عبر جمع وليم طوق وجهاد الصمد.

لنصل إلى كتلة ‘إنماء الشمال’ أو ‘اللقاء الشمالي’ ونواتها نوّاب عكار الأربعة: البعريني ومحمد سليمان وأحمد رستم وسجيع عطيّة، ومعهم نائب المنية أحمد الخير ونائب الضنية عبد العزيز الصمد، ونائب طرابلس كريم كبارة. على أنْ يبقى الباب مفتوحاً لِمَن يشاء الانضواء إليها.

هذه الكتلة الأخيرة هي الأكثر جدّيّة حتّى الساعة، وفي حال نجاح الجهود في إخراجها إلى العلن فإنّها ستكون ممثِّلة بشكل رئيس لثلاث مناطق لا تزال ريفاً في أدبيّات الدولة أو ريفاً متمدّناً، وتشترك ثلاثتها في معاناة أزليّة مع الحرمان: عكّار والمنية والضنيّة.

الفكرة الأساس التي يتمّ العمل عليها لقيام هذه الكتلة هي الضغط للحصول على حقيبة وزارية لعكّار وبعض المشاريع الإنمائية الحيوية لمناطق عطشى، والابتعاد عن الاصطفافات السياسية. إذ يشترك جميع أعضائها في كونهم ليسوا أصحاب مشاريع سياسية بقدر ما هم حالات شعبية كلٌّ في منطقته.

يضاف إلى كلّ ذلك الجهود التي يبذلها النائب ميشال معوّض لقيام تجمّع سياسي نيابي موسّع يضمّ كلّ المستقلّين. لكنّ الأمر دونه صعوبات، أبرزها رفض الجميع الذوبان في جسد سياسي يتمّ استغلاله من قبل حزب الكتائب حليف معوّض.

الجدير ذكره أنّ الفكرة التي يطرحها الأخير هي تكتّل من دون رئيس، يجتمع فيه الكلّ إلى طاولة مستديرة وتؤخذ القرارات بالتصويت، وقد يضمّ حوالي 16 نائباً مستقلّاً يمثّلون أغلب الدوائر الانتخابية. نقطة قوّة هذا التكتّل أنّه يحوّل المستقلّين إلى قوّة سياسية وازنة يُحسب لها حساب في الاستحقاقات الدستورية المقبلة.



طرابلس خارج المعادلة

الجامع المشترك بين كلّ هذه الأفكار المتداولة هو غياب أيّ فكرة لتجمّع سياسي طرابلسي النكهة والهويّة. بل من الواضح أنّ التمثيل السياسي الطرابلسي الذي أفرزته الانتخابات آيلٌ إلى التسييل والذوبان. وهذه نتيجة طبيعية لغياب أيّ طرح سياسي متماسك لدى جميع نوّاب دائرة الشمال الثانية المستقلّين. فجلّ ما يحملونه هو مجموعة من الأفكار والشعارات.

وبشكل أدقّ، عكست صناديق الاقتراع في الشمال الثانية الواقع السياسي السنّيّ، فلا هويّة سياسية واضحة بل صراع هويّاتي بين أقلّيّتين:

– واحدة آفلة تمثّل القوى والشخصيات السياسية التقليدية.

– وثانية ناشئة تتقدّم باطّراد على حساب الآفلة، تمثّل القوى والشخصيات التغييرية والمستقلّة.

أمّا الأكثرية من الناخبين فتراجعت عن تأييد الأوّلين، لكنّها لم تقتنع بالآخرين فعزفت عن الاقتراع. وقد تجسّدت هذه الصورة مرّة جديدة في انتخابات نقابة الأطباء في طرابلس منذ أيّام قليلة، فالأصوات كانت متقاربة جدّاً بين الأقلّيّتين، في حين كان الممتنعون عن المشاركة هم الأكثريّة.

نجاح ائتلاف ‘انتفض’ في الفوز بمقعد نيابي في طرابلس لرامي فنج هو خرق نوعي للمشهد السياسي في المدينة، وسيشكّل حافزاً للقوى الناشئة لإبراز مشاريعها السياسية بالارتكاز على مراكز القوى الجديدة في طرابلس.

وكما يدلّ اسمه فإنّ ‘انتفض’ هو ‘ائتلاف قوى التغيير’، وداخله مجموعة من التيّارات التي جمعتها معارضة السلطة.

غير ذلك فإنّ لكلّ تيّار طرحه السياسي الخاصّ به. فهناك تيّارات سياسية صوفية راغبة في تطبيق نموذج ‘حركة الخدمة’ التركيّة لفتح الله غولن، كنموذج للإسلام السياسي الأكثر مدنيّة وانفتاحاً. وتيّارات على النقيض لها تريد تطبيق الدولة المدنية بكامل مندرجاتها وفق الوصفة التي تروّج لها منصّات التغيير، للتخلّص من النظام الطائفي ومن بوّابة السُنّة بالذات لأنّها الحلقة الأضعف.

في الخلاصة، فقدت طرابلس مشهد ‘الزعيم’ أو ‘المشروع’ الذي كان فائضاً فيها، من ميقاتي إلى الحريري والصفدي وغيرهم… وباتت متناثرة، بلا قائد أو كتلة أو حتّى مشروع واضح.

/سامر زريق- أساس ميديا/

اترك رد إلغاء الرد