مديحة “صائدة” الصقور

/كريمة ناجي- اندبندنت عربية/

مع بداية كل فجر تبدأ مديحة سعد الجازوي رحلتها نحو أعماق الواحات الصحراوية في مدينة أجدابيا التي تقع على بعد 150 كيلومتراً من مدينة بنغازي شرق ليبيا لممارسة مهنة الرماكة (صيد الصقور) التي ورثتها عن والدها سعد الجازوي.

وتطلق صفة “رماك” على كل من يصطاد الجوارح في ليبيا ويؤكد تاجر الجوارح المعروف على المستوى المحلي محمد السعداوي أن “مديحة الجازوي أول رماكة في ليبيا وفي الوطن العربي”.

إرث عائلي

قساوة المناخ وحرارة الطقس وصعوبة الطريق باتت كلها عوامل مألوفة لدى مديحة التي دأبت على مشاركة والدها طقوس هذه المهنة منذ طفولتها، تقول لـ”اندبندنت عربية” إن “سيارتها رباعية الدفع تساعدها نوعاً ما في التغلب على المطبات الوعرة”، وتضيف، “ابن أخي عبدالفتاح يونس، البالغ من العمر ثماني سنوات هو من يدفعني كل يوم إلى خوض مغامرة جديدة من الكر والفر مع الجوارح”. فهي تتفاءل بوجوده معها حتى إنها تذهب إلى مواقع الصيد التي يختارها.

وجود الرماكة مديحة في هذه المهنة أضحى مألوفاً عند معظم الرماكين، لكنه لا يخلو من طرائف ومواقف صعبة، فتصمت مديحة قليلاً وتضيف بلهجة يغلبها الألم “صيد الصقور ليس أمراً سهلاً، أردت أن أكون امتداداً لولع والدي بهذه المهنة التي تركها بسبب كبر سنه، فاستلمت عنه المهمة منذ عام 2016”.

تقول “في أحد الأيام اقتربت من الإيقاع ببحيرية البحر (أغلى أنواع الصقور ثمناً)، وفجأة باغتتني سيارة مسرعة، صاحبها يخاطبني بلهجة المذكر بحكم أنني ارتدى عباءة سوداء، متسائلاً ’ماذا تفعل هنا هيا غادر المكان أنا من يطارد هذه البحيرية‘، وعندما عرف أنني امرأة اعتذر وقدم لي حمامة كهدية واتفقنا أن نتقاسم ثمن البحيرية في حال أمسك بها أحدنا”.

عدة الصيد

صعوبة مراحل الرماكة ليست أقوى من عزيمة مديحة التي تستمدها من دعوات والدها التي ترافقها عند كل جولة صيد، تشرحها قائلة “بعد اختيار المكان، نبدأ بإشعال النار لنعد القهوة ونتناول فطور الصباح، ثم تمتزج خبرتي بمساعدة ابن أخي كخلية نحل هدفها الوحيد العودة ببحيرية بحر أو صقر شاهين أغلى أنواع الجوارح ثمناً، إذ وصل سعرها الشهر الماضي خلال مزاد علني على تيك توك إلى مليوني دينار ليبي أي ما يعادل قرابة 450 ألف دولار أميركي”.

حركة مديحة لا تهدأ بعد تناول الفطور فتباشر أولاً بلفلفة “أبو شريقة” (نوع من الطيور الجارحة وهي الوجبة المحبذة للصقور) أو كما تسمى بلهجة الرماكين “ترميل عيونه بالكمبيل” وهو عبارة عن قناع يوضع على عيون الطائر، ثم تضع نوعاً من الأوزان في رجليه لتكون حركة طيرانه بطيئة إلى حد ما حتى لا يهرب، ثم تطلقه في الجو ليساعدها على اقتراب الجوارح من المنطقة التي اختارتها كموقع للصيد والتي تكون مجهزة مسبقاً بالسمان أو الحمام الذي يستخدم كطعم للجوارح.

وتضيف مديحة وهي تحاول شرح طريقة وضع الطعم أنها “تضع أسلاكاً حديدية رقيقة الحجم على الحمام والسمان حتى إذا وقع الصقر عليها ليفترسها تعلق مخالبه في السلك ثم يتم التقدم نحوه من الخلف، لا من الأمام لأن الطيور الجارحة لا تحتمل صدمة الإمساك بها ويمكن أن تموت من الغيظ أو تكسر أحد أجنحتها أو تنتف ريشها فتصبح غير صالحة للبيع، ويتم بعد ذلك الإمساك بها جيداً أو كما يقال بلغة الصيادين ’تقميط الطير‘ وبعد ذلك وضع الكامبيل (قناع) على عيونه ورشه بالماء حتى يهدأ تماماً”.

أخلاقيات الصيد

وتشير الرماكة الليبية إلى أن “للصيادين قوانين وأخلاقيات يلتزمون بها وأولها احترام كل صياد لموقع أو معسكر زميله وعدم الاقتراب منه والدعاء له بالتوفيق في الحصول على طائر ثمين، إذ يقول كل زميل لزميله من باب التفاؤل ’فيما يالاك‘ وتعني حظاً موفقاً، أو ’إن شاء الله بالنادرة‘ والمقصود هنا البحيرية أو صقر شاهين لأنهما الأغلى سعراً وإذا وفق أحدهم في الإمساك بأحد الصقور النادرة يقال له ’متبوعة‘ كنوع من التهنئة”.

وفي خصوص أنواع الصقور توضح مديحة أنها “كثيرة من بينها العراقي والقرناص والسقاوة وبحيرية السرير (تعيش في الصحراء) وبحيرية البحر وهي عادة ما تخرج هي والطرشون مع بعضهما بعضاً والسعر يختلف بحسب الوزن والطول واللون، فالبحيرية السوداء التي تعيش على ضفاف البحر ويكون مقاسها 16×16 ووزنها ابتداء من واحد كلغ هي الأعلى سعراً (وتسمى فرخ شاهين) ثم صقر الشاهين حين يكون عمره ابتداء من سنة فما فوق، وتشير إلى أن الطائر الذي يقف على يديها في الصورة وصل سعره إلى 200 ألف دينار ليبي أي ما يعادل قرابة 50 ألف دولار أميركي.

وتؤكد مديحة أنها تحاول استغلال بقية الموسم للحصول على بحيرية البحر أو صقر شاهين للتبرع بثمنه لمرضى السرطان والعائلات الفقيرة.

استغلال الرماكة

ويحاول بعضهم، وفق مديحة، تطويع مهنة الرماكة لأغراض لا تمت بصلة لأخلاق صيادي الجوارح كتجارة البشر وغيرها من النشاطات غير القانونية، لذلك تسعى إلى الحصول على تصريح من الأمن الداخلي كل موسم صيد حتى تكون إجراءاتها قانونية وتحت حماية السلطات المعنية في حال حصل لها أي مكروه.

مديحة حاولت التفرد عن بقية صيادي الجوارح في ليبيا من خلال بعض الطقوس الخاصة بها التي يأتي على رأسها موسم التحرير، إذ تقول “بعد انتهاء كل موسم صيد أذهب برفقة أطفال العائلة إلى واحات أجدابيا وأبدأ بإطلاق سراح الحمام والسمان المتبقي، ثم أفك القناع عن أعين أبو شريقة (طائر يستخدم في الصيد) وأشكره على مرافقته لي خلال فترة الصيد وأطلق سراحه هو الآخر وألتقط صوراً تذكارية لهذا الحدث”.

اترك رد إلغاء الرد