لبنان يبحث عن توافق لاختيار رئيس
كلٌّ يريد شخصية على مقاس أهدافه

/ترجمة زائدة الدندشي_ الرائد نيوز/

أدى اتفاق الطائف 1989، إلى تغييرات دستورية جوهرية في لبنان، وتقليص صلاحيات رئيس البلاد. ومع ذلك، فإن للمؤسسة الجمهورية أهمية كبيرة.

ووفقًا للدستور، يوصف الرئيس المسيحي الماروني، بأنه رمز وحدة الأمة، وهدفه الأهم هو حماية الدستور واستقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه.

وفي حين أن هناك الكثير في هذه الصياغة يجب تفسيره، إلا أن هناك أيضًا وضوحًا يتمثل في أن الرئيس يتحمل مسؤوليات يمكن، أو ينبغي، لجميع الطوائف والفصائل اللبنانية أن توافق عليها. كنا لنظن ذلك، على الأقل.

لكن في الأيام العشرة الأخيرة، سعى عدد من ممثلي الطوائف، وتحديدًا الأمين العام ل “حزب الله” حسن نصر الله وثلاثة رؤساء وزراء سابقين، إلى تحديد نوع الرئيس الذي سيعتبرونه مثاليًا. فقد أصبح لبنان في خضم فراغ رئاسي، بعد انتهاء ولاية ميشال عون، ولم تتفق القوى السياسية في البلاد على خليفة له بعد.

إرث الطائف عند 30 عامًا: لبنان يدفع لعدم مواجهة ماضيه
وفي حين أن المبادئ التوجيهية التي تم الإعلان عنها لا تتعارض بالضرورة مع الدستور، إلا أنها تكشف عن أنه لا يزال يتعين على الجميع تحديد دور الرئاسة، وهو ما يتجاوز في بعض الأحيان ما ينص عليه الدستور. وإذا كان ثمة ما يوضح مدى ابتعاد القوى السياسية في لبنان عن وثيقة ينبغي أن تعكس توافقًا وطنيًا، فإن الطريقة الخلافية التي تواصل بها فرض شروط على أحكامها الأساسية هي تلك التي تسبب انقسامًا.

ففي خطاب ألقاه في الحادي عشر من تشرين الثاني، أعلن نصر الله أن حزب الله سعى إلى الحصول على رئيس “يطمئن” أولئك الذين يدعمون المقاومة. ولا بد أن يكون شخصًا “لا يبيع” المقاومة، أو “يخيفها، أو يتآمر عليها”. فحزب الله يريد رئيسًا “شجاعًا”، ولن يرتعش إذا “صرخت عليه” سفارة الولايات المتحدة، أو وزارة الخارجية، أو القيادة المركزية الأميركية.

كانت تعليقات نصرالله جزءًا من عملية أكثر تعقيدًا تهدف إلى تعزيز حظوظ المرشح المفضل للحزب – بحسب كل المقاييس سليمان فرنجية – في وقت يسعى فيه حليفه المسيحي، جبران باسيل، إلى الحصول على تأييد حزب الله لترشحه. ولكن الأمر أكثر من ذلك أيضًا. ما فعله نصر الله فعليًا هو فرض “فلترة” شبه دستورية على جميع الرؤساء المحتملين، ما يؤدي فعليًا إلى تغيير معنى الدستور.

ولم تتصرف القوات اللبنانية، المنافس الرئيسي ل “حزب الله”، بشكل مختلف تمامًا. فقبل أسابيع، أعلن رئيس الحزب سمير جعجع أنه سيدعم “رئيس مواجهة” يعارض “كل من دمر حياته”. بيد أن جعجع أوضح عدة مرات منذ ذلك الحين أن الهدف الرئيسي “مواجهة” حزب الله وحلفائه”.

وإذ أكد نصرالله وجعجع نهجهما المتباين، لم يعيرا لهتمامًا كثيرًا للدور المحوري للرئيس باعتباره “رمزًا لوحدة الأمة”. ولن يساعد أي من المشروعين على الوحدة، بالرغم من إيمانهم بعكس ذلك. ويرى كثير من اللبنانيين أن مشروع مقاومة “حزب الله” ليس أكثر من واجهة لضمان استمرار السيطرة الإيرانية على بلادهم. أما بالنسبة إلى جعجع، فإن معظم اللبنانيين سيعتبرون طموحه وضع لبنان على طريق الحرب الأهلية.

في أعقاب خطاب نصر الله، اجتمع ثلاثة من رؤساء الوزراء الحاليين والسابقين، بشكل متكرر لتنسيق مواقفهم، في 14 تشرين الثاني في منزل رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي، وأوجزوا رؤيتهم للرئيس. وأعربوا عن دعمهم لرئيس “قوي بحكمته، يتمتع بدعم وثقة جميع اللبنانيين، وليس فقط مجموعة واحدة محددة”. وتابعوا القول إن على الرئيس “احترام الدستور، واتفاق الطائف، وقرارات مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية”.

جميع رؤساء الوزراء ينتمون إلى الطائفة السنية، وجهودهم للدفاع عن إتفاق الطائف الذي رعته السعودية وقرارات مجلس الأمن وجامعة الدول العربية كانت بوضوح ضربة لخطاب نصر الله، على الرغم من نفي أحد المشاركين الثلاثة،”فؤاد السنيورة”.
لطالما كان التأكيد على هوية لبنان العربية ركيزة أساسية للطائفة السنية، في الوقت الذي سعى فيه “حزب الله” إلى الحد من روابط لبنان مع دول الخليج على وجه الخصوص.

إلى أي مدى يبقى باسيل على استعداد لخوض غمار الانتخابات الرئاسية؟

وفي ضوء هذه التصورات المختلفة لما ينبغي أن يكون عليه الرئيس، ليس من المستغرب أن ينقسم الرؤساء في مرحلة ما بعد الحرب إلى فئتين: شخصيات اضطرت إلى إرضاء جميع الجهات السياسية الفاعلة الرئيسية، وتركهم بلا أي مجال لوضع جدول أعمال خاص بهم؛ أو سعوا إلى إرضاء “حزب الله” (وسوريا سابقا) ضد شريحة كبيرة من اللبنانيين المعادين، ما أدى إلى تقسيم البلاد أكثر.

والحقيقة البسيطة هي أن لبنان شديد الانقسام بشأن الجوانب الأكثر جوهرية في عقده الاجتماعي، حتى أن رئيس الدولة، أيًّا كان، لا يستطيع أن يكون فعالاً كزعيم. وهذا ما يجعل المرء يتساءل لماذا يرغب عدد كبير من الموارنة في تدمير البلاد فعليًا للحصول على المنصب. ولكن بشكل أعمق، ينبغي على الدولة التي لا يمكنها الاتفاق على دور الرئيس أن تسعى إلى التوافق على عقد اجتماعي جديد، ثم تعدل دستورها وفقًا لذلك.

لكن لبنان اليوم ليس بلدًا عاديًا، ولا يبدو أن هناك توافقًا وطنيًا جديدًا ممكنًا. ولهذا السبب فإن الرئاسة، التي يتطلع إليها كثير من اللبنانيين، أصبحت عرضًا لأمراض البلاد أكثر من كونها مؤسسة قادرة على المساعدة في حلها.

/مايكل يونغ- ذا ناشونال نيوز/

اترك رد إلغاء الرد