قارة معزولة من الأدب اسمها “هاروكي موراكامي”

كتابه المخصص لتقديم أسرار الصنعة يكاد يأتي خالياً إلا من ضرب المثال تلو المثال بنفسه لا بغيره من الكتّاب

/أحمد شافعي_ اندبندنت عربية /مهما تكن خبرتك في قراءة الرواية والأدب، وحتى لو استعنت بالفلسفة أو قراءة النجوم والكفوف، فمن الصعب للغاية أن تعثر على علاقة بين البيسبول والكتابة الروائية، أو بين حمامة مكسورة الجناح وتحقيق النجاح في عالم الأدب الروائي، لكن العلاقة في ما يبدو قائمة.

يحكي الروائي الياباني هاروكي موراكامي أنه في عام 1987 كان جالساً في مدرجات ملعب “جينغو” في طوكيو يشاهد مباراة بيسبول حينما تجلى له خاطر غيّر مسار حياته، ففي اللحظة التي قذف فيها أحد لاعبي فريقه المحلي كرة إلى يسار الملعب فاستثار بهجة الجمهور، بحسب ما يكتب موراكامي، “ودونما أي سبب من أي نوع خطر لي بغتة هذا الخاطر، أن بوسعي كتابة رواية”.

احتاج موراكامي ستة أشهر فقط ليلقي هو الآخر كرته إلى يسار الملعب، أو بالأحرى ليكتب روايته الأولى “اسمعوا غناء الريح” [Hear the Wind Sing] ويبعث النسخة الوحيدة منها إلى مجلة “غونزو” الأدبية اليابانية مشاركاً بها في مسابقتها الأدبية، وسرعان ما تلقى خبراً بوصولها إلى القائمة القصيرة، وهنا تظهر علاقة الحمامة بالرواية.

كان الروائي العالمي باعتبار ما سيكون قد خرج للتمشية رفقة زوجته حين عثر في شارع خلفي على حمامة مصابة، وفيما هو يحضن الطائر الجريح بين يديه حان موعده مع التجلي الثاني “سأفوز بالجائزة، وسوف أصبح روائياً وأنعم بدرجة ما من النجاح”.

هذه الـ “درجة ما” من النجاح لم تكن أقل من العلامة الكاملة، ففي غضون العقود القليلة الماضية منذ وقوع تجليات البيسبول والحمامة سنة 8719، تحول الرجل من محض هاروكي الياباني صاحب نادي الجاز إلى موراكامي صاحب الروايات المترجمة إلى لغات كثيرة يقال إنها تجاوزت الـ 50، والمبيعات المذهلة والحضور الدائم في ترشيحات القراء لجائزة “نوبل” في الأدب أو تمنياتهم الجامحة، وصاحب الوصفة الكتابية التي بات يحاكيها كثيرون، بمن فيهم هو نفسه الذي لم يضجر من تكرارها في الرواية تلو الرواية.

أن تكون روائياً

الآن بلغ الكاتب الياباني من الثقة في صنعته والدراية بها حد أن يصدر كتاباً يوحي عنوانه بأنه يكشف فيه سر الصنعة أو أسرارها.

صدر هذا الكتاب حديثاً بعنوان “مهنة الروائي”، وفيه يجمع هاروكي موراكامي 11 مقالة عن “كتابة الروايات والعمل روائياً”، مستخلصاً ذلك من تجربته الشخصية لدرجة أن يكتب قائلاً “أتخيل أن هذا الكتاب سيقرأ باعتباره كتاب مقالات سيرية، ولكن هذه المقالات لم تكتب بهذا الشكل فقد كان ما سعيت إليه هو أن أكتب بطريقة في غاية العملية والمادية، عن الطريق الذي اتبعته كي أكون روائياً، وعن الأفكار والخواطر التي مررت بها في ثنايا ذلك”.

“بطريقة في غاية العملية والمادية” بحسب تقدير موراكامي، يخصص مقالة من مقالات الكتاب الـ 11 لـ “الجوائز الأدبية”، وهو مدين ديناً واضحاً للجوائز في إطلاق مسيرته الروائية كلها، بل إنه يعترف أن حصوله على جائزة مجلة “غونزو” الأدبية المرموقة كان “علامة فارقة في حياتي، وتذكرة حصلت عليها لكي أكون كاتباً”، ومع ذلك فإنه يذهب إلى أن الجلبة المحيطة بالجوائز الأدبية أكبر مما ينبغي، ويحكي أن إجابته الثابتة كلما سئل عن الجوائز الأدبية أن يقول إن ما يهم بحق هو “القراء الجيدون”، أي العازمون على شراء رواياته بحسب تعليق مايكل أورذوفر في كومبليت رفيو.

يكتب موراكامي “إن للجوائز الأدبية معان مختلفة باختلاف الناس، وأهميتها تعتمد على موقف المرء وعلى ظروف الكاتب والطريقة التي يفكر ويعيش بها، فلا يمكن وضعنا جميعاً في سلة واحدة”، ويحدث أن تجد مجالاً للاتفاق مع موراكامي.

وبطريقة في غاية العملية والمادية يقارن في مقالة أخرى فعل الكتابة بالموسيقى، ولا يخفى على قارئه أن لديه ولعاً أكيداً بالموسيقى في شتى أشكالها.

يكتب “ليس بوسعي أن أعزف على آلة موسيقية أو أنني على الأقل لا أستطيع أن أعزف بالقدر الكافي من البراعة لأن أتوقع إصغاء الناس إليّ، غير أن لدي رغبة قوية في عزف الموسيقى ولذلك عزمت منذ البداية على أن أكتب كما لو كنت أعزف على آلة، ولم يزل هذا هو شعوري إلى اليوم، أجلس وأنقر على لوحة المفاتيح باحثاً عن الإيقاع الصحيح، وعن أنسب المقامات والنبرات، وهذا ما كان وما لم يزل أهم عنصر في أدبي”.

“وبطريقة في غاية العملية والمادية” يكتب في مقالة عن القارئ “كثيراً ما يسألني المحاورون أي نوع من القراء يكون في ذهنك وأنت تكتب رواياتك؟ ودائماً ما أحار في الإجابة، وسبب ذلك أنني لم أشعر قط أنني أكتب لشخص آخر، وليس لدي هذا الشعور حتى الآن. صحيح بمعنى ما أنني أكتب لنفسي، وبخاصة روايتي الأولى التي كتبتها على مائدة مطبخي، ولم يخطر لي مطلقاً أن قراء عاديين سيرونها”.

وفي مقالة أخرى عن شخصيات رواياته يكتب “كثيراً ما يطرح عليّ سؤال حول ما إذا كانت في رواياتي شخصيات مستلهمة من شخصيات حقيقية، وإجمالاً تكون إجابتي هي لا. لقد كتبت روايات كثيرة ولم يحدث غير مرتين أو ثلاثاً أن كان في ذهني عن قصد شخص حقيقي حينما ابتكرت شخصية (في كل حال كانت شخصية ثانوية)، وفي المرات التي فعلت فيها ذلك كان ينتابني شيء من التوتر خشية أن يكتشف قارئ أن الشخصية بنيت على أساس شخص ما، بخاصة لو أن من اكتشف ذلك كان هو الشخص الذي استلهمته، لكن لحسن الحظ لم يضبطني أحد متلبساً ولا لمرة واحدة”.

الرواية نفسها تقريباً

ويضيف “في معظم الأحيان تنشأ الشخصيات التي تظهر في رواياتي من تدفق القصة. أكاد لا أقرر مسبقاً على الإطلاق أن أقدم نوعاً معيناً من الشخصيات، لكن فيما أكتب ينشأ ما يشبه محوراً ييسر ظهور شخصيات معينة”.

وهكذا يمضي موراكامي في حديثه عن مهنة الروائي، وهكذا هي الطريقة العملية المادية، وخلاصتها أنه لا يكاد يتحدث إلا عن تجربته، ضارباً المثال تلو المثال بنفسه لا بغيره من الكتاب، مقدماً آراء وملاحظات حول ما يصنع الروائي وما يستلزمه أن يكون المرء روائياً، وهو على رغم كتابته عدداً من القصص القصيرة التي كثيراً ما تنشر ترجماتها الإنجليزية في “ذي نيويوركر” وهي كبرى المجلات الأميركية، فضلاً عن شيء من المقالات والكتابات غير التخييلية، يظل يعد نفسه في المقام الأساس روائياً.

يكتب مايكل أورذوفر في استعراضه للكتاب، “كومبليت رفيو” الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أن “كون المرء روائياً وحسبانه ذلك مهنة له، أمر يتجاوز [في نظر موراكامي] محض كتابته رواية، فهو يكتب في المقالة الافتتاحية للكتاب أن كثيراً من الناس بداخلهم رواية، وقد ينجح بعضهم في إخراجها ولكن “الأمر العسير بحق هو الاستمرار في كتابة الروايات العام بعد العام”.

يرى أورذوفر أن هذه نقطة خلافية لأن من القضايا الكبيرة في عالم الكتابة والنشر أن “معظم الناس في ما يبدو لا يعرفون متى يتوقفون، وأن كثيراً من الكتّاب يستمرون في تكرار كتبهم حتى بعد وقت طويل من جفاف آبار مواهبهم، مستمرين في تأليف الكتاب نفسه مراراً وتكراراً، فقد لا يكون هؤلاء روائيين حقيقيين بالمعنى الذي يقصده موراكامي، لكن نسبة كبيرة من الروايات التي تظهر من عام إلى عام إنما يؤلفها أمثال هؤلاء الكتاب”.

ويبدو أن أورذوفر يمسك نفسه قبل أن يقول ما أتجاسر وأقوله أنا، وهو أنا موراكامي نفسه أحد أولئك الكتّاب الذين لا يتوقفون عن تأليف الرواية نفسها، ولعله حين ينزع صفة الروائي إلا عمن يصدر الرواية تلو الرواية بلا كلل وكأنه خط إنتاج روائي، فإنما يقول هذا صادقاً، فهذه تقريباً هي تجربته الفعلية في كتابة الرواية.

في مقالته عن الكتاب، “نيويورك تايمز” نوفمبر 2022، يكتب تشارلز فينتش أنه “بعيداً من لحظات الكتاب الغرائبية كلحظتي الحمامة والبيسبول، فإن الكتاب كله غريب تركز فصوله على مواضيع ينبغي أن تكون مفيدة لأي كاتب ناشئ أو راسخ، مواضيع مثل الأصالة والجوائز الأدبية والنشر في الخارج، لكن كل فصل في نهاية المطاف يتحطم على صخرة تجربة موراكامي، غير متسع إلا لقليل من النصائح العملية، ولراو يبدو في آن واحد فخوراً ومطمئناً وعديم الأذن الموسيقية وشاعراً بالظلم”.

بهجة الكتابة وعذابها

تتفق جياني واشنطن في استعراضها للكتاب، “شيكاغو رفيو” الـ 10 من نوفمبر، مع فينتش، إذ تستهل مقالتها قائلة إنه “لو التقط حكاء مبتدئ كتاب موراكامي متوقعاً منه أن يكون دليلاً تفصيلياً لتأليف رواية، فلعله سيشعر بالخيبة”.

لكنها تسارع فتقول عن الكتاب الذي تصنفه مصداقاً لتخوفات موراكامي ضمن أدب “السيرة الذاتية”، إنه “يقيناً ذو قيمة مساوية للدليل التفصيلي، فهو عن روائي واحد يرجع النظر إلى حياته ومسيرته في محاولة لفهم أفضل الشذرات التي يتألف منها إجمال نجاحه، مع قدر كبير من الاستبطان وتقييم الذات وتبديد الأساطير على طول طريقه، ويبذل موراكامي جهداً مضنياً ليضمن أن نفهم موقفه من كل شيء، بدءاً بالجوائز الأدبية التي لم يحصل عليها (وسر عدم مبالاته بذلك قياساً إلى ما يبدو أن الآخرين يتصورونه) إلى السياسة ووضع التعليم في بلده اليابان”.

يكتب تشارلز فينتش أن “أول درس يريد موراكامي أن يلقننا إياه هو أن الكتابة سهلة، يقول الحق أقول لكم، أنا لم أجد الكتابة صعبة قط. وما جدوى الكتابة أصلاً إن لن تكن تستمتع بها؟ أنا شخصياً لم يدخل دماغي قط فكرة الكاتب المعذب، وأرى أساساً أن الروايات ينبغي أن تنبجس من تدفق عفوي”.



قارة معزولة من الأدب اسمها هاروكي موراكامي
كتابه المخصص لتقديم أسرار الصنعة يكاد يأتي خالياً إلا من ضرب المثال تلو المثال بنفسه لا بغيره من الكتّاب

أحمد شافعي كاتب ومترجم @AhmedSh52065034 الثلاثاء 15 نوفمبر 2022 22:57


“لم أشعر قط أنني أكتب لشخص آخر وبخاصة روايتي الأولى التي كتبتها على مائدة مطبخي ولم يخطر ببالي أن قراء سيرونها” (أ ف ب)

مهما تكن خبرتك في قراءة الرواية والأدب، وحتى لو استعنت بالفلسفة أو قراءة النجوم والكفوف، فمن الصعب للغاية أن تعثر على علاقة بين البيسبول والكتابة الروائية، أو بين حمامة مكسورة الجناح وتحقيق النجاح في عالم الأدب الروائي، لكن العلاقة في ما يبدو قائمة.

يحكي الروائي الياباني هاروكي موراكامي أنه في عام 1987 كان جالساً في مدرجات ملعب “جينغو” في طوكيو يشاهد مباراة بيسبول حينما تجلى له خاطر غيّر مسار حياته، ففي اللحظة التي قذف فيها أحد لاعبي فريقه المحلي كرة إلى يسار الملعب فاستثار بهجة الجمهور، بحسب ما يكتب موراكامي، “ودونما أي سبب من أي نوع خطر لي بغتة هذا الخاطر، أن بوسعي كتابة رواية”.

احتاج موراكامي ستة أشهر فقط ليلقي هو الآخر كرته إلى يسار الملعب، أو بالأحرى ليكتب روايته الأولى “اسمعوا غناء الريح” [Hear the Wind Sing] ويبعث النسخة الوحيدة منها إلى مجلة “غونزو” الأدبية اليابانية مشاركاً بها في مسابقتها الأدبية، وسرعان ما تلقى خبراً بوصولها إلى القائمة القصيرة، وهنا تظهر علاقة الحمامة بالرواية.

كان الروائي العالمي باعتبار ما سيكون قد خرج للتمشية رفقة زوجته حين عثر في شارع خلفي على حمامة مصابة، وفيما هو يحضن الطائر الجريح بين يديه حان موعده مع التجلي الثاني “سأفوز بالجائزة، وسوف أصبح روائياً وأنعم بدرجة ما من النجاح”.

هذه الـ “درجة ما” من النجاح لم تكن أقل من العلامة الكاملة، ففي غضون العقود القليلة الماضية منذ وقوع تجليات البيسبول والحمامة سنة 8719، تحول الرجل من محض هاروكي الياباني صاحب نادي الجاز إلى موراكامي صاحب الروايات المترجمة إلى لغات كثيرة يقال إنها تجاوزت الـ 50، والمبيعات المذهلة والحضور الدائم في ترشيحات القراء لجائزة “نوبل” في الأدب أو تمنياتهم الجامحة، وصاحب الوصفة الكتابية التي بات يحاكيها كثيرون، بمن فيهم هو نفسه الذي لم يضجر من تكرارها في الرواية تلو الرواية.

أن تكون روائياً

الآن بلغ الكاتب الياباني من الثقة في صنعته والدراية بها حد أن يصدر كتاباً يوحي عنوانه بأنه يكشف فيه سر الصنعة أو أسرارها.

صدر هذا الكتاب حديثاً بعنوان “مهنة الروائي”، وفيه يجمع هاروكي موراكامي 11 مقالة عن “كتابة الروايات والعمل روائياً”، مستخلصاً ذلك من تجربته الشخصية لدرجة أن يكتب قائلاً “أتخيل أن هذا الكتاب سيقرأ باعتباره كتاب مقالات سيرية، ولكن هذه المقالات لم تكتب بهذا الشكل فقد كان ما سعيت إليه هو أن أكتب بطريقة في غاية العملية والمادية، عن الطريق الذي اتبعته كي أكون روائياً، وعن الأفكار والخواطر التي مررت بها في ثنايا ذلك”.

اقرأ المزيد

هاروكي موراكامي يروي غرائبيا وقائع التاريخ والعولمة

طوكيو تفتتح مكتبة باسم موراكامي الذي قد “يرتكب جريمة”

هاروكي موراكامي يشرع أبواب الرواية اليابانية على الحداثة الغربية

هاروكي موراكامي بين قدرية التراجديا الإغريقية ومصادفات شكسبير
“بطريقة في غاية العملية والمادية” بحسب تقدير موراكامي، يخصص مقالة من مقالات الكتاب الـ 11 لـ “الجوائز الأدبية”، وهو مدين ديناً واضحاً للجوائز في إطلاق مسيرته الروائية كلها، بل إنه يعترف أن حصوله على جائزة مجلة “غونزو” الأدبية المرموقة كان “علامة فارقة في حياتي، وتذكرة حصلت عليها لكي أكون كاتباً”، ومع ذلك فإنه يذهب إلى أن الجلبة المحيطة بالجوائز الأدبية أكبر مما ينبغي، ويحكي أن إجابته الثابتة كلما سئل عن الجوائز الأدبية أن يقول إن ما يهم بحق هو “القراء الجيدون”، أي العازمون على شراء رواياته بحسب تعليق مايكل أورذوفر في كومبليت رفيو.

يكتب موراكامي “إن للجوائز الأدبية معان مختلفة باختلاف الناس، وأهميتها تعتمد على موقف المرء وعلى ظروف الكاتب والطريقة التي يفكر ويعيش بها، فلا يمكن وضعنا جميعاً في سلة واحدة”، ويحدث أن تجد مجالاً للاتفاق مع موراكامي.

وبطريقة في غاية العملية والمادية يقارن في مقالة أخرى فعل الكتابة بالموسيقى، ولا يخفى على قارئه أن لديه ولعاً أكيداً بالموسيقى في شتى أشكالها.

يكتب “ليس بوسعي أن أعزف على آلة موسيقية أو أنني على الأقل لا أستطيع أن أعزف بالقدر الكافي من البراعة لأن أتوقع إصغاء الناس إليّ، غير أن لدي رغبة قوية في عزف الموسيقى ولذلك عزمت منذ البداية على أن أكتب كما لو كنت أعزف على آلة، ولم يزل هذا هو شعوري إلى اليوم، أجلس وأنقر على لوحة المفاتيح باحثاً عن الإيقاع الصحيح، وعن أنسب المقامات والنبرات، وهذا ما كان وما لم يزل أهم عنصر في أدبي”.

“وبطريقة في غاية العملية والمادية” يكتب في مقالة عن القارئ “كثيراً ما يسألني المحاورون أي نوع من القراء يكون في ذهنك وأنت تكتب رواياتك؟ ودائماً ما أحار في الإجابة، وسبب ذلك أنني لم أشعر قط أنني أكتب لشخص آخر، وليس لدي هذا الشعور حتى الآن. صحيح بمعنى ما أنني أكتب لنفسي، وبخاصة روايتي الأولى التي كتبتها على مائدة مطبخي، ولم يخطر لي مطلقاً أن قراء عاديين سيرونها”.

وفي مقالة أخرى عن شخصيات رواياته يكتب “كثيراً ما يطرح عليّ سؤال حول ما إذا كانت في رواياتي شخصيات مستلهمة من شخصيات حقيقية، وإجمالاً تكون إجابتي هي لا. لقد كتبت روايات كثيرة ولم يحدث غير مرتين أو ثلاثاً أن كان في ذهني عن قصد شخص حقيقي حينما ابتكرت شخصية (في كل حال كانت شخصية ثانوية)، وفي المرات التي فعلت فيها ذلك كان ينتابني شيء من التوتر خشية أن يكتشف قارئ أن الشخصية بنيت على أساس شخص ما، بخاصة لو أن من اكتشف ذلك كان هو الشخص الذي استلهمته، لكن لحسن الحظ لم يضبطني أحد متلبساً ولا لمرة واحدة”.

الرواية نفسها تقريباً

ويضيف “في معظم الأحيان تنشأ الشخصيات التي تظهر في رواياتي من تدفق القصة. أكاد لا أقرر مسبقاً على الإطلاق أن أقدم نوعاً معيناً من الشخصيات، لكن فيما أكتب ينشأ ما يشبه محوراً ييسر ظهور شخصيات معينة”.

وهكذا يمضي موراكامي في حديثه عن مهنة الروائي، وهكذا هي الطريقة العملية المادية، وخلاصتها أنه لا يكاد يتحدث إلا عن تجربته، ضارباً المثال تلو المثال بنفسه لا بغيره من الكتاب، مقدماً آراء وملاحظات حول ما يصنع الروائي وما يستلزمه أن يكون المرء روائياً، وهو على رغم كتابته عدداً من القصص القصيرة التي كثيراً ما تنشر ترجماتها الإنجليزية في “ذي نيويوركر” وهي كبرى المجلات الأميركية، فضلاً عن شيء من المقالات والكتابات غير التخييلية، يظل يعد نفسه في المقام الأساس روائياً.

000_Hkg10092847.jpg
وفي ما هو يحضن الطائر الجريح بين يديه حان موعده مع التجلي الثاني “سأفوز بالجائزة وسأصبح روائياً” (أ ف ب)


يكتب مايكل أورذوفر في استعراضه للكتاب، “كومبليت رفيو” الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أن “كون المرء روائياً وحسبانه ذلك مهنة له، أمر يتجاوز [في نظر موراكامي] محض كتابته رواية، فهو يكتب في المقالة الافتتاحية للكتاب أن كثيراً من الناس بداخلهم رواية، وقد ينجح بعضهم في إخراجها ولكن “الأمر العسير بحق هو الاستمرار في كتابة الروايات العام بعد العام”.

يرى أورذوفر أن هذه نقطة خلافية لأن من القضايا الكبيرة في عالم الكتابة والنشر أن “معظم الناس في ما يبدو لا يعرفون متى يتوقفون، وأن كثيراً من الكتّاب يستمرون في تكرار كتبهم حتى بعد وقت طويل من جفاف آبار مواهبهم، مستمرين في تأليف الكتاب نفسه مراراً وتكراراً، فقد لا يكون هؤلاء روائيين حقيقيين بالمعنى الذي يقصده موراكامي، لكن نسبة كبيرة من الروايات التي تظهر من عام إلى عام إنما يؤلفها أمثال هؤلاء الكتاب”.

ويبدو أن أورذوفر يمسك نفسه قبل أن يقول ما أتجاسر وأقوله أنا، وهو أنا موراكامي نفسه أحد أولئك الكتّاب الذين لا يتوقفون عن تأليف الرواية نفسها، ولعله حين ينزع صفة الروائي إلا عمن يصدر الرواية تلو الرواية بلا كلل وكأنه خط إنتاج روائي، فإنما يقول هذا صادقاً، فهذه تقريباً هي تجربته الفعلية في كتابة الرواية.

في مقالته عن الكتاب، “نيويورك تايمز” نوفمبر 2022، يكتب تشارلز فينتش أنه “بعيداً من لحظات الكتاب الغرائبية كلحظتي الحمامة والبيسبول، فإن الكتاب كله غريب تركز فصوله على مواضيع ينبغي أن تكون مفيدة لأي كاتب ناشئ أو راسخ، مواضيع مثل الأصالة والجوائز الأدبية والنشر في الخارج، لكن كل فصل في نهاية المطاف يتحطم على صخرة تجربة موراكامي، غير متسع إلا لقليل من النصائح العملية، ولراو يبدو في آن واحد فخوراً ومطمئناً وعديم الأذن الموسيقية وشاعراً بالظلم”.

بهجة الكتابة وعذابها

تتفق جياني واشنطن في استعراضها للكتاب، “شيكاغو رفيو” الـ 10 من نوفمبر، مع فينتش، إذ تستهل مقالتها قائلة إنه “لو التقط حكاء مبتدئ كتاب موراكامي متوقعاً منه أن يكون دليلاً تفصيلياً لتأليف رواية، فلعله سيشعر بالخيبة”.

لكنها تسارع فتقول عن الكتاب الذي تصنفه مصداقاً لتخوفات موراكامي ضمن أدب “السيرة الذاتية”، إنه “يقيناً ذو قيمة مساوية للدليل التفصيلي، فهو عن روائي واحد يرجع النظر إلى حياته ومسيرته في محاولة لفهم أفضل الشذرات التي يتألف منها إجمال نجاحه، مع قدر كبير من الاستبطان وتقييم الذات وتبديد الأساطير على طول طريقه، ويبذل موراكامي جهداً مضنياً ليضمن أن نفهم موقفه من كل شيء، بدءاً بالجوائز الأدبية التي لم يحصل عليها (وسر عدم مبالاته بذلك قياساً إلى ما يبدو أن الآخرين يتصورونه) إلى السياسة ووضع التعليم في بلده اليابان”.

يكتب تشارلز فينتش أن “أول درس يريد موراكامي أن يلقننا إياه هو أن الكتابة سهلة، يقول الحق أقول لكم، أنا لم أجد الكتابة صعبة قط. وما جدوى الكتابة أصلاً إن لن تكن تستمتع بها؟ أنا شخصياً لم يدخل دماغي قط فكرة الكاتب المعذب، وأرى أساساً أن الروايات ينبغي أن تنبجس من تدفق عفوي”.

35286321.jpg
“ما سعيت إليه هو أن أكتب بطريقة في غاية العملية والمادية عن الطريق الذي اتبعته” (غلاف الكتاب- جود ريدز)


ويتساءل تشارلز فينتش “ما الذي يمكن أن يخرج به كاتب شاب من هذا؟ إن موراكامي يلح على هذه الفكرة مراراً وتكراراً، ومن المؤكد أنها تفسر غزارة إنتاجه، لكن الحقيقة هي أن الكتابة كثيراً ما تبقى لكل كاتب، تقريباً في ما عداه هو، عملاً رهيباً وجهداً كبيراً طويلاً ونوبة أمراض أليمة على حد تعبير بروست”.

والحق أنني لا أعرف هل يصح أن تكون صعوبة الكتابة أو سهولتها مسألة خلافية، فقد تبدو الكتابة على طريقة بروست أو جويس أو وولف عملاً رهيباً وشاقاً، وقد تبدو على طريقة أليندي وموراكامي وستيفن كينج عملاً يسيراً، فأي كتابة نعني؟ وكيف لنا نحن القراء أن نحكم بأنها كانت صعبة على وولف ويسيرة على أليندي؟ وإلى أي مدى ينبغي أن نثق في صدق الكتّاب أنفسهم في ما يقولونه في هذا الصدد؟ وما يدرينا أن بروست لم يكن يبالغ في صعوبتها لنزداد احتراماً لجهده؟ وما يدرينا أن موراكامي لا يبالغ في وصف سهولتها ليبهرنا بغزارته؟ وحتى لو أن هذا الأمر يعني الكاتب الناشئ، فإن عليه أن يخوض تجربته بنفسه ويرى مباشرة إن كانت الكتابة صعبة عليه أم يسيرة، أما نحن القراء فما الذي يعنينا غير النص الذي ينتهي بين أيدينا؟

لعل من الدروس التي قد يستخلصها كاتب مبتدئ من كتاب موراكامي هو ما يحكيه عن تجربته في كتابة روايته الأولى التي أوحي إليه بها في ملعب البيسبول، فهو يحكي عن طريقته في كتابتها قائلاً إنه ألفها أول الأمر باللغة الإنجليزية على رغم تواضع معجمه فيها، لكن ذلك أفضى به إلى إدراك أن بوسعه “التعبير عن أفكاري ومشاعري بعدد محدود من الكلمات والتراكيب النحوية ما دمت جمعتها على نحو فعال وربطت بينها ربطاً بارعاً”. ويوجز منهجه في كتابة تلك الرواية قائلاً “إن ما كنت أسعى إليه بتأليفها أولاً بالإنجليزية ثم ترجمتها بعد ذلك إلى اليابانية لم يكن أقل من خلق أسلوب محايد غير مزخرف يتيح لي حركة أكثر حرية”.

درس “غناء الريح”

في حين يستبعد أورذوفر أن يستخلص معظم الكتّاب المبتدئين أي درس من هذه التجربة، أو يستطيعوا تبني “هذا التكنيك المثير للاهتمام” على حد تعبيره، بخاصة لو أنهم كُتاب أميركيون لا يجيدون غير لغة واحدة، فإن شين أوهاغان في مقالته عن الكتاب، “الغارديان” السادس من نوفمبر، يروي الحكاية بما قد يعين على استخلاص شيء منها.

يقول أوهاغان “بعد أن مني بفشل ذريع في محاولته الأولى لكتابة (اسمعوا غناء الريح) بدأ من جديد من الصفر كاتباً إياها لا بلغته اليابانية وإنما بالإنجليزية، وعندما عاد يترجم كلماته إلى اليابانية فإن الجمل القصيرة البسيطة التي أبدعها ذلك القيد الذي فرضه على نفسه بدت منطوية على إيقاع فريد”.

لعل الدرس الذي يشير إليه أوهاغان هنا هو ضرورة أن يستحدث الكاتب لغة له داخل لغته، حتى لو توصل إلى ذلك من أبعد الطرق.

ويمضي أوهاغان مسهباً في الأسلوب الذي استحدثه موراكامي لنفسه في اليابانية فيقول إن “شتى الوقائع الغريبة التي يسردها موراكامي في كتابه هذا إنما يسردها بنبرة باردة هادئة واقعية مثل التي يتردد صداها في رواياته من خلال سرد خادع البساطة، ينتقل من العادي إلى المفارق دوماً أي تغيير في النبرة، ولعل هذه السمة الأسلوبية في كتابة موراكامي جديرة حقاً بلفت نظر القارئ أو الكاتب لمن شاء أن يحاكي بدلاً من أن يعثر على نبرته وصوته، فمن سمات موراكامي أنه لا يغالي في تأطير المفارق كأنما ينبه القارئ إليه، وإنما يحرص على أن يقدمه كأنه من طبائع الأمور، فربما يكون بهذا ذا تأثير أعمق”.

لا ينبغي في تقديري أن يكون اتكاء كاتب على تجربته الشخصية المباشرة في كتابة الرواية لاستخلاص دروس قابلة للتطبيق من لدن غيره من الكتّاب مأخذاً عليه، فما الذي يبقى بحق لكاتب إن أهمل ذاته وتجربته؟

لكن الغريب هو أن ينحصر كاتب في ذاته إلى هذا الحد، فالكتّاب الكبار غالباً قراء كبار قادرون على رؤية ما لا نراه نحن القراء البسطاء في أعمال قرئت مراراً، وهم قادرون على استخلاص دروس من تجارب غيرهم من الكتاب، وقادرون أيضاً على التتلمذ على أيدي أساتذة لم يقابلوهم إلا في كتبهم، وقادرون ثالثاً على الجمع بين التقدير العميق للأساتذة والاجتراء على نقدهم وتفكيك أعمالهم وشخوصهم، لكن موراكامي يوشك أن يكون متخصصاً في موراكامي، ومع أن في كثير من رواياته إشارات إلى كتاب وروايات وموسيقيين وسيمفونيات ورسامين ولوحات ونوادر عن هؤلاء جميعاً، لكن كتابه المخصص لتقديم أسرار الصنعة ونقل تجربة الحرفة يكاد يأتي خالياً إلا منه، أو أن هذا ما بدا مما كتب عنه من مقالات وما أتيح منه من مقالات، ومن يدري فلعل الكِتاب حينما يتاح لنا كاملاً يكشف عن غير ذلك أو عن أي شيء بجانبه.

اترك رد إلغاء الرد