مارأيكم بانتخاب نعمة افرام رئيساً للجمهورية؟

طرحت على نفسي السؤال قبل أن أطرحه على القراء. لم أطرح اسم الصديق عصام خليفة، لأن لا امل في انتخابه في ظل موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية. ولن أطرح بالطبع الاسمين اللذين يفضّلهما “#حزب الله”، اي #باسيل وفرنجية، لأنهما استمرار لحكم ميشال عون الذي أدى الى خراب البلاد. لن أطرح أيضا اسم قائد الجيش، ليس فقط لأن التجارب السابقة مع قيادات الجيش بعد الطائف، كانت جميعها فاشلة، بل لأني لا اعرف ماذا يمكن ان يقدمه صاحب تجربة عسكرية ولو ناجحة، على مستوى ازمة سياسية– اقتصادية- معيشية مستعصية. كذلك أعتقد ان ترشيح ميشال معوّض سيصبح قريبا طيّ النسيان.

في بدايات طرح أسماء مرشحين لرئاسة الجمهورية، كان اسم نعمة افرام من بين هذه الأسماء، ثم اختفى فجأة مع انعقاد جلسات الانتخاب. ربما لعدم “حرق” اسمه في مستهل المعركة، أو لأسباب لا أعرفها. منذ يومين، وفي زيارة ل#بكركي، بدا لي وكأن الرجل أراد أن يقدّم نفسه كمرشح لرئاسة الجمهورية. ففي اليوم الأخير من عهد ميشال عون، زار #نعمة إفرام بكركي وصرّح بالآتي: “التقيت صاحب الغبطة اليوم تحديداً، لما لهذا اليوم من أهمية على صعيد لبنان، لأنه قد يكون بداية لزمن رديء جديد لا أحد يريد الدخول فيه. فالشعب الذي انتخبنا نحن النواب، حمّلنا مسؤولية تغيير الوضع الحالي، وما نراه اليوم يأخذنا نحو فوضى جديدة ومن نوع جديد. هذه الفوضى قد يعتبرها البعض فوضى خلاقة، ولكن خوفي أن تكون فوضى قاتلة لما تبقى من لبنان الذي نعرفه ولشعبنا الذي يهاجر يومياً والذي بهجرته يغيّر ديموغرافية البلاد”.

وأضاف: “يجب أن ننتخب رئيساً للجمهورية في أسرع وقت ممكن، فهذا واجبنا نحن كنواب، والمحاسبة تحصل من الشعب وليس من الكتل والأحزاب. وأنا أعتبر أن رئيس جمهورية لبنان يجب أن يكون توافقياً بحسب الدستور وبأكثرية 86 صوتاً من أصل 128. وهذا الأمر ليس مستحيلاً فهناك مواضيع أساسية يجمع عليها الكل، وهي وجع الناس والوضع المالي، والوضع المزري للمستشفيات والجامعات، وانهيار مؤسسات الدولة، وحتى نتفق في الطائف على اللامركزية الموسّعة ومجلس الشيوخ. هذه المواضيع تكفي لانتخاب رئيس للجمهورية، وأنا أعتبر ان انتخاب رئيس إنقاذي ورئيس مهمة يعيد بناء مؤسسات الدولة وإحياء الوضع الاقتصادي للبنان ويعمل على اللامركزية، والأهم العمل على مفهوم لبنان بعمقه العربي والحيادي، هو من الأولويات”.

يأخذ هذا التصريح طابع الترشح لرئاسة الجمهورية، من حيث المكان الذي أُطلق منه ومن حيث توقيته ومضمونه. مما جعلني اطرح على نفسي وعلى القراء هذا السؤال: ما رأيكم بانتخاب نعمة افرام رئيساً للجمهورية؟ أعرف تماماً أن لا قيمة لرأينا كمواطنين في انتخاب رئيس لبلادنا. لكنني أحببت، ولو كتمرين ذهني سياسي هادئ، بعيداً من المواقف المسبقة اللاعقلانية، أن أتشارك مع أبناء وطني قضية تعنينا وتؤثر في مسار خروجنا من المستنقع الذي نحن فيه. لا سيما انني وجدت في مضمون تصريح افرام، تحسسا بالمسؤولية الوطنية، ومواقف استحسنها بشكل عام.

المرّة الوحيدة التي تحدّثت فيها مع نعمة افرام كانت عندما جلس الى جانبي معزّيًا بوفاة أبي. وهذا ما ينتقص من معرفتي الشخصيّة بالرجل، ويصعِّب عليّ تقدير صفة شخصيّة أساسيّة لكل من سيُنتخَب رئيسًا للجمهوريّة، ألا وهي القدرة على المواجهة، مواجهة الضغوط غير الدستورية، وأكثرها توقعاً ضغوط “حزب الله”.

رغم ذلك أستطيع الاستناد الى مواصفات أخرى، شخصية، عائلية، مهنيّة، سياسيّة، للاعتقاد بأن الرجل يصلح لأن يكون رئيسًا للبنان في هذه الحقبة التاريخية.

لم أسمع عنه أو عن عائلته أخبار فساد، وهذا نادر جدا في اوساط الطبقة السياسية اللبنانية. أبوه، الوزير السابق جورج افرام، وقف في وجه رفيق الحريري في خططه في شأن الكهرباء، وهذا دليل شجاعة وصدقية في زمن الحريرية السياسية، ممّا اضطرّ الحريري الى إقالته. الأهم من كل ذلك بالنسبة لي، ان العائلة ذات خلفية شهابيّة، لا بدّ أنها تشرّبت نزعة سيادية وحرصًا على دستور البلاد، وميلاً الى العدالة الاجتماعيّة. فضلاً عن انفتاح الشهابيّة على الطوائف الأخرى، ممّا دفع الكثير من الكسروانيين في حينه الى إتّهام شهاب بأنه يعمل لصالح المسلمين على حساب المسيحيين، وقد عاقبوه بإسقاطهم لائحته الانتخابيّة في كسروان.

نعمة افرام نفسه، ورغم تجربته النيابيّة القصيرة، بدا متمسّكًا بالدستور وبأهميّة القانون والتشريع، منفتحًا على نواب الطوائف الأخرى، بعيدًا كل البعد في مواقفه عن أي تحريض طائفي.

على المستوى المهني- الطبقي، الرجل صناعي، يدير مصانع عائليّة في الداخل والخارج، وسبق أن كان رئيسًا لجمعيّة الصناعيين اللبنانيين. هذه المهنة وهذه الطبقة، تؤهّلانه أكثر من غيره للدفاع بقوة عن الصناعة الوطنيّة وللعمل من أجل تحويل الاقتصاد اللبناني الى اقتصاد منتج كما يطالب الجميع. لا سيما انه بعد ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل، ستتّجه البلاد للأسف نحو نموذج اقتصادي ريعي جديد، نفطي هذه المرة.

كذلك عُرف عن الرجل احترامه لحقوق العاملين في مصانعه وإن كانت علاقته بهم اتصفت بحسب بعض الدراسات، بطابع “أبوي”، في غياب النقابات الممثلة لهم. وهذه النزعة “الأبويّة” تبدو لي امتدادا لمفهوم العدالة الإجتماعيّة الذي يقوم على الخدمات الاجتماعية، المدرسيّة والصحيّة خاصة، من خلال مؤسسات بنتها عائلته بنفسها. وإذا كنّا نحتاج في زمن الإنهيار الى أنشطة إغاثيّة في جميع المجالات، لكن هذا لا يعني ان نظرة الرجل الإجتماعيّة لا تحتاج الى تطوير، هو النقابي الصناعي السابق، في اتجاه الاعتراف بأهميّة النقابات العمالية وبحقّها في الوجود في مصانعه، وكذلك بالمفاوضة الجماعيّة وحق الإضراب كوسائل يحتاجها العمّال لتحسين أوضاعهم، حتى ولو كانت في الإجمال أفضل من أوضاع عاملين آخرين في مصانع وشركات أخرى. ولعلّه، إذا انتُخب، يستفيد من التجربة الشهابيّة لاكتساب مفهوم أشمل للعدالة الإجتماعيّة. في جميع الحالات، الرجل ذو خبرة في مجال علاقات العمل والإقتصاد، وهذا ما افتقر اليه جميع الرؤساء بعد الطائف، وأكثر ما يحتاج اليه اي رئيس جديد اليوم.

ورغم عموميّة عنوان مشروعه النيابي الإنتخابي أي “مشروع وطن الإنسان”، الذي قد يعكس هروباً من مقاربة الواقع الملموس، إلاّ أنه تفرّد من بين المرشحين الآخرين في إبراز الإنسان كهدف لجميع المشاريع، فضلاً عن كون هذا الإنسان كما روّج له، مجرّدا من صفاته المذهبيّة والطائفيّة.

أمّا على المستوى السياسي الصرف، فقد دلّ مساره الشخصيّ على أنه انتقل من مرحلة الإلتحاق بزعامات أخرى (كتلة “التيار الوطني الحر” مثلاً) الى بناء زعامته الشخصيّة من خلال تحالفات انتخابية مع شخصيات أقرب الى تيار الانتفاضة. وبالفعل فقد انسحب من تكتّل “لبنان القوي” بعد الانتفاضة تجاوبًا مع الموقف الشعبي المناهض للتيار العوني، كما انه استقال لاحقًا من المجلس النيابي كتعبير عن عدم ثقته بالمنظومة الحاكمة. وهذان مؤشران الى صدقيته مع منتخبيه ونزعته الإستقلاليّة. أهم من كل ذلك، انه كان من بين النواب القلائل الذين تجرأوا على النزول الى الشارع أيام الانتفاضة، والالتقاء بالشباب المنتفضين وتأييد مطالبهم. ممّا عرّضه لانتقادات وجها لوجه، على تحالفاته السابقة، ومطالبته بالاستقالة من المجلس النيابي.

لقد حصلت لائحته في الإنتخابات النيابية على النسبة العليا من الأصوات، ممّا أدّى الى نجاح إثنين منها في كسروان، على عكس اللوائح الأخرى التي استطاعت إنجاح شخص واحد فقط. وهذا يدل على ان للرجل حيثيّة شعبيّة لا بأس بها في الوسط المسيحي، وفي كسروان تحديدا، “عرين الموارنة”، كما يحب البعض أن يسمّيها.

مواقفه السياسيّة بشكل عام، كما ظهر في برنامجه الإنتخابي النيابي، هي أقرب الى مواقف بكركي، في موضوع السيادة والحياد، ولو بصياغة أقل حدة ووضوحا. وهو يحظى باحترام من مرجعيتها، كما لديه علاقات واسعة ومتينة في دول الإغتراب ولا سيما في أميركا، وفي دول الخليج العربي التي تربطها به علاقات اقتصاديّة صناعيّة قديمة.

ربما يتميّز عنه بعض المرشحين القلائل الآخرين في مسائل معيّنة، كتجردهم مثلا من الزعامة العائلية، او تمثيلهم شرائح شعبية من بيئات طائفية مختلفة، أو موقعهم الطبقي الاقرب الى الطبقة الوسطى، أو طرحهم مشاريع اقتصادية تصبو أكثر الى العدالة الاجتماعية. إلاّ أن أهميّة نعمة إفرام الخاصة على ما اعتقد، تكمن في ان مواقعه المتعددة مجتمعةً، التي فصّلناها أعلاه، تسمح له بتلبية متطلبات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة يحتاجها لبنان وشعبه اليوم”

/ النهار /

اترك رد إلغاء الرد