سلامة والمصارف يسطون على أموال العجزة والأيتام و”الاحتياجات الخاصة”

بلغت وقاحة وإجرام المصارف أن تسطو على أموال العجزة والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى وسواهم من الفئات الأكثر حاجة إلى دعم الجمعيات الخيرية.. وليس أكثر إجراماً من المصارف سوى مصرف لبنان، الذي يؤمن لها التغطية لانتهاك واستباحة ما أمكن من أموال تلك الجمعيات، ضارباً عرض الحائط كل المعايير القانونية والإنسانية.

سجال نشب بين وزارة الشؤون الاجتماعية ومصرف لبنان في اليومين الماضيين، على خلفية احتجاز أموال الجمعيات الخيرية، وعددها يقارب 320 جمعية متعاقدة مع وزارة الشؤون الاجتماعية، تُعنى بالمسنّين والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة وسائر الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. احتجاز الأموال ليس جديداً على المصارف ولا على مصرف لبنان، فالملايين من المودعين والعملاء المصرفيين محتجزة أموالهم من دون وجه حق. لكننا اليوم أمام جريمة من نوع آخر، جريمة تقوم على تعريض حياة نحو 60 ألف مستفيد من الجمعيات الخيرية للخطر، ودفع نحو 25 ألف موظف للعوز.

نفاق” المركزي
ادّعى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بأنه سبق أن وافق على منح 40 في المئة؜ من مستحقات الجمعيات الخيرية التي تم تحويلها عن العام 2021 وبشكل نقدي، وأنه أوعز بإمكان حصول الجمعيات المتعاقدة على هذه النسبة نقداً من حساباتها، مصّراً بذلك بأنه لبى مطالب وزارة الشؤون الاجتماعية، ما ينسف بالتالي أسباب اعتراضها واحتجاجها أمام مقر مصرف لبنان.

حاكم مصرف لبنان أورد ادّعاءه في بيان صدر ليل الأربعاء استباقاً للتحرّك الاحتجاجي الذي نفذته الجمعيات الخيرية ظهر أمس الخميس أمام مصرف لبنان، غير أن ما ادّعى به سلامة لم يكن إلا “نفاقاً” من نوع إبراء الذمة. فالمعنيون بالجمعيات الخيرية يؤكدون خلاف ذلك، وهم الأدرى بالأحوال المادية للجمعيات، والمصارف لم تصرف لها أي حوالات مالية حتى اليوم. علماً أن الحوالات لا تتعدى قيمتها 12 مليار ليرة شهرياً.

منسق الاتحاد الوطني لشؤون الإعاقة اسماعيل الزين، يجزم في حديث لـ”المدن” بأن المصارف لم تسمح منذ أشهر وحتى اللحظة للجمعيات الخيرية بسحب حوالاتها المالية الواردة من الدولة ومن المساعدات، ما يثبت زيف ادعاء سلامة. وهو ما يؤكده أيضاً وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال، هيكتور حجّار، الذي يرى أن لا قيمة لبيان مصرف لبنان، طالما أنه غير ملزم للمصارف ولا يتمتع بصيغة تنفيذية.

مطالب الجمعيات و”تهديدها”
يوضح الوزير حجّار في حديث إلى “المدن” مجريات المفاوضات التي جرت بينه وبين مصرف لبنان والوعود التي تلقاها من سلامة ونائبه، والتي تثبتها التسجيلات الصوتية، أخلّ فيها سلامة بوعده الذي قطعه بالسماح للجمعيات الخيرية التصرف بنسبة 40 في المئة من عائداتها المالية وحساباتها المصرفية، شرط أن يكون ضمن سقوف محددة. ويذكّر بسلّة مطالب كانت قد رُفعت للمركزي ولم يكترث لها سلامة وتتلخّص بـ: رفع السقف للسحب الشهري بما يوازي 25 في المئة من إجمالي الحوالة المصرفية من وزارة المالية لهذه المؤسسات أو الجمعيّات بالليرة اللبنانية، ودفع الرواتب الموطّنة في المصارف مباشرة من هذه الحوالات. عدم تقييد حركة سحوبات هذه المؤسسات/الجمعيّات بالـfresh دولار التي تأتي عبر متبرّعين لمشاريع تخدم مختلف فئات المجتمع، وإقرار تسهيلات خاصة لهذه المؤسسات/الجمعيّات تتعلّق بقيمة سقف السحوبات الشهرية بالدولار

هذه المطالب ما لم يتم التعامل الجدّي معها وتلبيتها لصالح الجمعيات الخيرية، والإفراج عن أموالها، يقول حجّار، فإن الجمعيات ستتجه إلى تنفيذ تحرّكات احتجاجية، قد تكون مُحرجة لمصرف لبنان ومسيئة لصورته أمام المجتمع الدولي. فلن يثنيهم أحد عن استحضار مرضاهم والمستفيدين من خدماتهم من مسنين وأطفال ومرضى وتنفيذ اعتصام مفتوح في باحة مصرف لبنان.

إجراءات المصارف بحق الجمعيات
بدورها، تمارس المصارف إجراءات “خبيثة” بحق الجمعيات الخيرية لا تعكس سوى لؤم تلك المؤسسات المصرفية. فهي تتعامل مع الجمعية الخيرية كما الفرد، فتضع لها سقفاً للسحوبات المالية كما الأفراد. تسطو على أموالها وتبتزّها كما سائر العملاء المصرفيين، غير آبهة بما ترتّبه إجراءاتها من ظلم على فئات اجتماعية ضعيفة ومخاطر على الأمن الاجتماعي.

ويؤكد الزين عدم صدقية ادعاء سلامة، مشدداً على أن المصارف تحجب عن الجمعيات الخيرية الحوالات المالية الواردة من الدولة، وكذلك المساعدات الواردة من الداخل والخارج. لافتاً إلى أن المصارف تمنع منذ قرابة 3 اشهر تحويل رواتب الموظفين في الجمعيات بشكل كامل.

وتحدّد المصارف سقف السحوبات للأفراد العاملين في الجمعيات الخيرية كما الجمعيات تماماً، ولا يتجاوز 8 مليون ليرة، حتى الحسابات بالدولار المصرفي (اللولار)، فلا تسمح بالسحب منها بأكثر من 8 ملايين ليرة. وهذا الأمر ينطبق على المؤسسة كما الأفراد، وضعت المصارف كافة الجمعيات الخيرية بين خيارين لا ثالث لهما “إما السحب من الحوالات الواردة بقيمة 8 مليون ليرة أو من الحسابات المصرفية (اللولار) بالقيمة نفسها”. بمعنى أنها تمنع الجمعيات والافراد من السحب من الحسابات والحوالات في الوقت نفسه. وطبعاً مع تحديد سقوف متدنية.

ولا تقتصر إجراءات المصارف وانتهاكاتها بحق الجمعيات الخيرية على خفض سقوف السحب فحسب، بل أيضاً تقوم بتعليق الحوالات كلياً ورفض صرفها من دون أي مبرر. أما فيما خص الفريش دولار فتشترط المصارف على الجمعيات تقديم مستندات تبرر فيها أسباب السحب. وهي أموال للجمعيات أصلاً، مع فرض عمولات كبيرة جداً على السحوبات بالدولار. كما تعمل المصارف على مفاوضة الجمعيات على حسم 15 إلى 20 في المئة من الحوالة، كشرط للسماح بسحبها نقداً.

انتهاكات كثيرة غير مبررة وغير منطقية، تتم من خلالها استباحة أموال الجمعيات الخيرية. ويصف الزين تعامل المصارف بـ”اللؤم الكبير كما أنه حقد على الإنسان”.

/ المدن /

اترك رد إلغاء الرد