نهايات مختلفة لـ13 عهداً رئاسياً

اكد الرئيس ميشال عون في حديثٍ لـ«الأنباء الكويتية» ان «توقيع مرسوم قبول استقالة الحكومة، أمر لا يتعارض مع مواد الدستور، وقد تم اتباع عرف بوجوب قبول الاستقالة عند تشكيل حكومة جديدة لإصدار مراسيمها، الا ان الأعراف يمكن ان تخرق، فيما لا يمكن المساس بمواد الدستور» .

وقال: ما تشديدي على هذه النقطة إلا للإضاءة على حقيقة مرة مفادها انه في ظل عدم التوافق على شخصية لتخلفني في موقع الرئاسة، لا يمكن لحكومة تصريف أعمال ان تقوم بالمهام المطلوبة منها في ظل الفراغ الرئاسي، وسيكون المشهد سيئا جدا في هذه الحالة.

أضاف: سبق وقلت، احتفظ لنفسي بكل الخيارات المتاحة لتفادي المشهد السيئ الذي ينتظرنا في الآتي من الأيام، وسقف هذه الخيارات هو الدستور بطبيعة الحال الذي أقسمت على الحفاظ عليه، وليس من عادتي ان أخلف بقسمي، منذ كنت شابا في المؤسسة العسكرية التي قضيت فيها معظم حياتي، وحتى ما بعد انتخابي رئيسا للجمهورية، هذه طبيعتي وهذه قناعاتي، ولن أحيد عنها.

وتابع: من الطبيعي بعد انتهاء ولايتي الرئاسية، ان أتحرر من المسؤوليات التي تترافق مع المنصب الرسمي، مع ما اكتسبته من خبرة كرئيس للجمهورية على مدى ست سنوات. بعد الرئاسة، سأعود الى ما كنت عليه قبلها، لقد ناضلت طوال حياتي من أجل بلدي وشعبي، ولن أتوقف، هذا عهد آليته على نفسي وسأعمل به طالما انا على قيد الحياة.

واكد عون ان «لبنان حريص على الإبقاء على بعده وهويته العربيين».

الى ذلك، توقفت مصادر سياسية عند حديث عون عن الفوضى الدستورية وإمكانية تحويلها الى فوضى أمنية وأزمة حكم، وذلك عن طريق طرح فتاوى وأعراف يراد منها ضرب الطائف واختلاق أزمات تعيق انجاز الاستحقاق الرئاسي وتطيل أمد الفراغ الرئاسي الى حين اسقاط العقوبات عن النائب جبران باسيل، ما يسمح له بالترشح لرئاسة الجمهورية. وسألت المصادر عبر “الأنباء” الالكترونية عن الأسباب التي جعلت عون يوقّع على مرسوم استقالة الحكومة، فيما هي مستقيلة حكماً منذ انجاز الانتخابات النيابية، ولماذا رفض التوقيع على الموازنة العامة التي أعدّها رئيس لجنة المال والموازنة الذي ينتمي الى تكتل لبنان القوي النائب ابراهيم كنعان.

من جهة أخرى، أشارت “القبس” الىان وحده من بين رؤساء الجمهورية اللبنانية، حظي الرئيس ميشال عون بنهاية عهد كرنفالية، علما انه الوحيد ايضا الذي خرج من القصر الجمهوري مرتين، الأولى في 1990 تحت وابل القذائف والمدافع السورية، والثانية بمواكبة شعبية كبيرة اقتصرت على أنصاره ومؤيديه.

لم تكن نهايات عهود 13 رئيسا لبنانيا ما بعد الاستقلال متشابهة، فمنهم من مدد ولايته، ومنهم من خرج بشكل طبيعي، ومنهم من سلم الفراغ، ومنهم من انتهى عهده بثورات او بحروب.

ومنذ استقلاله عام 1943، عرف لبنان 8 رؤساء جمهورية قبل «اتفاق الطائف»، و5 رؤساء بعده هم: رينيه معوض، وإلياس الهراوي، وإميل لحود، وميشال سليمان، وميشال عون.

الرئيس بشارة الخوري، أول رئيس للجمهورية بعد الاستقلال، عندما قدّم استقالته إثر تظاهرات واسعة اتّهمته بالفساد وسوء الإدارة ولم يكمل ولايته الثانية. ومثله، غادر الرئيس كميل شمعون «فتى العروبة الأغر» مع قرع طبول ثورة 1958 الدموية. اما الرئيس فؤاد شهاب، الذي أرسى دولة القانون والمؤسسات وبنى النهج «الشهابي»، فرفض كل محاولات التمديد له، وانهى ولايته من بيته في جونيه.

الرئيس شارل حلو انهى ولايته بشكل سلس وطبيعي. والرئيس سليمان فرنجية انتهت ولايته فيما كانت طبول الحرب اللبنانية قد بدأت تُقرع. وكذلك أنهى الياس سركيس ولايته بشكل طبيعي وغادر الى باريس.

الرئيس بشير الجميل تم اغتياله قبل ان يدخل الى القصر الجمهوري بعد 23 يوما من انتخابه. وغادر الرئيس امين الجميل بعبدا مسلما قائد الجيش آنذاك ميشال عون ليترأس حكومة عسكرية.

واستشهد الرئيس رينيه معوض اول رئيس ما بعد الطائف في بداية ولايته. اما الياس الهراوي فغادر القصر الجمهوري بعد ولايتين.

الرئيس اميل لحود غادر قبل دقائق من انتهاء ولايته الثانية مسلما الفراغ. وأنهى ميشال سليمان ولايته بشكل طبيعي ومن دون ان يسلم احدا.

الرئيس ميشال عون غادر مرتين، الاولى في 1990 الى منفاه الباريسي، والثانية، امس، قبل يوم واحد من انتهاء ولايته الى فيلاه في الرابية مع مواكبة شعبية، هي الاولى من نوعها في تاريخ الجمهورية اللبنانية، ليكون صاحب الخروج الاكثر حضورا جماهيرا.

من جهتها، أشارت “الجمهورية” الى ان ولاية الرئيس ميشال عون صارت خلف المشهد، وسنواتها الستّ بكل ما اعتراها، طُويت صفحاتها وصارت من الماضي. والتشفي بإخفاقاتها، والتغنّي بإنجازاتها، كما البكاء على أطلالها، لا يغيّر شيئاً في واقع فُتح اعتباراً من اليوم 1 تشرين الثاني 2022 على مرحلة جديدة مضبوطة من جهة، على عدّاد الفراغ الرئاسي الذي دارت محرّكاته بالأمس، في عملية إحصاء كم من الايام والاسابيع والاشهر وربما السنوات التي ستُهدر من عمر البلد، قبل ان تنضج ظروف تضع حداً للشغور في موقع رئاسة الجمهورية. ومحفوفة من جهة ثانية بأحداث واحتمالات مفتوحة ومجهولة، وتصعيد تبدو مجالاته مفتوحة على كل شيء، وأخطر ما فيه أنّه قد لا يبقى محصوراً في نطاقه السياسي، وفي لغة الوعيد والتهديد باشتباك دستوري وعصيان وزاري تعطيلي لحكومة تصريف الاعمال، بل قد يتدحرج إلى اللغة الأكثر خطورة على البلد، بِبُعدَيها الطّائفي والمذهبي.

الرئيس عون الذي وصل إلى رئاسة الجمهورية في تشرين الاول من العام 2016 على صهوة تسوية سياسيّة متعدّدة الألوان السياسيّة، تشارك فيها أضداد السياسة والوانها المختلفة على ضفتي «8 آذار» و»14 آذار»، لم يسلّم الراية الرئاسية لخَلَفه. كانت لافتة طريقة خروجه غير المألوفة او المسبوقة من القصر الجمهوري قبل انتهاء ولايته بيوم ونص، حيث لم ينتظر حتى نهايتها منتصف ليل امس الاثنين، بل خرج من الرئاسة بلون واحد، وفي احتفالية من لون واحد، ومودَّعاً من جمهور من لون واحد، وممتطياً حصاناً برتقالياً نقله إلى دارته الجديدة في الرابية، التي مهّد الرئيس عون قبل انتهاء ولايته، في مواقفه التي دحرج فيها كرة المسؤولية على كلّ الآخرين، شاهراً سيف المواجهة في كل اتجاه، وما قابل ذلك من ردود عنيفة وجارحة سياسياً وشخصيّاً، إلى أن تُدرج الرابية اعتباراً من يوم امس، كعنوان لجبهة سياسية مصادمة لجبهة عريضة، او بمعنى أدق لجبهات متنوّعة من الخصوم القدامى والجدد.

لا يختلف اثنان من اللبنانيين على انّ البلد منقسم على نفسه إزاء انتهاء ولاية الرئيس عون، بين فريق مغتبط بخروجه من القصر الجمهوري وانتهاء حقبة مؤلمة استمرّت لست سنوات أدير فيها البلد بعقلية التحكّم والإخفاق. وبين فريق مكتئب من هذا الخروج، لا يرى سبيلاً امامه سوى المواجهة الشاملة مع ما يسمّيها «المنظومة» التي أعاقت عهد عون ومنعته من الإنجاز.

على هذه الصورة انتهت الولاية الرئاسية، وعلى هذه الصورة فتحت المرحلة التالية لها. الجميع كانوا مسلّمين بحتمية الفراغ في سدّة الرئاسة وعدم التمكّن من انتخاب خلف للرئيس عون، ولكن لم يكن في حسبان أحد هذا الانتقال الصاخب إلى الفراغ، وفرض وقائع جديدة على المشهد الداخلي المنقسم أصلاً على نفسه، كان من نتائجها السريعة لا بل الفورية، التموضع خلف متاريس الاشتباك السياسي والدستوري. و»الخرطشة» السياسية التي رافقت انتهاء الولاية، تنذر بأنّ الاشتباك حاصل لا محالة، إنما متى وكيف وأين، فالجواب كامن خلف ما تخبئه الايام المقبلة من أحداث وربما مفاجآت.

/ الأنباء الكويتية /

اترك رد إلغاء الرد