طلاب “الأنطونية” يصلّون في الشارع تحدٍّ للحريات


الحق في ممارسة الشعائر الدينية من عدمه في الجامعة الأنطونية في بعبدا، تحول الى مادة نقاش وانقسام، عندما ظهرت صورة مجموعة من الطلاب المسلمين يؤدون الصلاة في الشارع، كون الجامعة لم توفّر لهم مصلى، واضطروا لتأدية صلاتهم في الوقت المحدد، لتعذّر مغادرة حرم الجامعة لمسافات طويلة، والعودة اليها.

وظهرت الصورة في تغريدة نشرها الناشط حمزة الخنسا، قال فيها: “الجامعة الأنطونية تمنع طلابها المسلمين من الصلاة في الجامعة أو في موقف السيارات التابع لها، مما يضطرهم للصلاة في الشارع”. وأضاف: “الجامعة لا تستطيع تحمّل وجود طلاب من دين مختلف، فيما تتبجح بالحضارة والثقافة، فالأولَى أن تعلن عدم قبولها طلاب مسلمين أساساً.. أم أن فلوسهم حلال ودينهم حرام!”

أشعلت التغريدة مئات التعليقات التي تظهر انقساماً في الرأي بين من يؤيد قرار الجامعة، ومن يعارضه. واشتعلت على إثرها المقارنات: “هل في الجامعات الإسلامية مزارات للقديس مار شربل وقداديس؟”، ودعا مغردون الى احترام خصوصية الجامعة، فيما اعتبر آخرون أن كل مؤسسة لها نظامها. وجاءت ردود أخرى من قبيل: “الطلاب يؤدون الصلاة، ولا يفتتحون حوزة دينية في الجامعة”، فيما تساءل آخرون عن العيش المشترك.

وأوضح الأمين العام للجامعة، الأب زياد معتوق، لـ”المدن”، أن هوية الجامعة كاثوليكية ومستقاة من الانجيل، ولا تميز بين طالب وآخر، وتحترم الجميع من كل الطوائف والمذاهب، لافتاً الى أن الجامعة في الاساس تتضمن كنيسة “لكننا لا نؤمّن خدمة الصلاة للطلاب المسيحيين”، وبالتالي لا نمارس تمييزاً على أساس ديني بين طالب وآخر. وقال: “طلاب السنة الاولى في العادة يكتشفون هذا الأمر، وهي حادثة لا تحصل للمرة الأولى”. وأشار الى أن طلاباً مسيحيين كانوا، في احدى المرات، يوزعون مسبحة العذراء في الجامعة، لكن الادارة طالبتهم بالخروج من حرم الجامعة، وتوزيعها في الخارج، في تأكيد على أن الجامعة لا تميز ولا تمارس سياسة الكيل بمكيالين.

على أن الجدال المستمر حول حق اللبنانيين بممارسة شعائرهم الدينية في سائر المناطق اللبنانية، من عدمه في الـماكن الخاصة التي تفرض قيوداً على بعض الفئات والطقوس، هو بطبيعته جدل مكرر، ويتخذ وجهة دينية ومناطقية واختلافات حول الهويات في معظمه، ويجد من يبرره ومن يتحامل عليه.

لكن النقاش عينه، يكتسب رمزية إضافية حين تصل هذه الممارسات الى الجامعات، كونها المختبر الأساسي لممارسة الحريات العامة وكفالتها، فضلاً عن تطبيق الدستور الذي لا يميز بين اللبنانيين على أسس طائفية، وهي بذلك، لا يمكن أن يتم التعامل معها في النقاش على غرار المسابح، أو الصالات الرياضية، أو صالات الأفراح، أو المحال التجارية في بعض مراكز التسوق، ولا حتى مع حق ممارسة أي هواية بأي شكل ديني أو غير ديني، في الأماكن العامة.

من هذا المنطلق، أخذ النقاش حيزاً مختلفاً. فصورة طلاب يؤدون الصلاة في الشارع في منطقة تسكنها غالبية غير مسلمة، هي صورة نادرة وغير مألوفة، وتتخذ احياناً شكلاً احتجاجياً على قوانين وأنظمة معينة لا تراعي خصوصيات الأفراد وحقوقهم. ومن شأن هذا الاحتجاج السلمي بالصورة بعد خروجه الى الحيز العام في مواقع التواصل، أن يقود الى اعتقادات مسبقة بأن هؤلاء مرفوضين، وهو أمر بالتأكيد لا تمارسه الجامعة، وترفضه بالمبدأ والممارسة.

لم يحصل هذا “الاحتجاج” البصري في جامعات أخرى. ففي الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت على سبيل المثال، يتوجه الطلاب الى “مسجد قريطم” لأداء صلاتهم، بالنظر الى ان المسجد قريب، ويمكن قضاء الأمر بعشر دقائق، بينما يحتاج الأمر في الانطونية الى عبور مسافة طويلة للوصول الى مسجد، وهو جزء من النقاش على تغريدة الخنسا.

غير أن البحث في الحلول العملية، ليس وجهة نظر وحيدة تحاول إيجاد المخارج. رمزية المكان، رفعت النقاش الى مستوى الأسئلة عن الحريات، وهو أمر مألوف في بلاد لا تزال تتشظى بين المذاهب والخيارات الدينية، ويعتنق سكانها نظرية المؤامرة في مقاربة أي ملف.

/المدن/

اترك رد إلغاء الرد