غداً خروج عون “على ألحان” التصعيد

اليوم هو اليوم الأخير الكامل لرئيس الجمهورية ميشال عون في قصر بعبدا وظهر غد تقريبا سيغادر القصر منهيا ولايته ومتوجها امام حشد من انصار”التيار الوطني الحر”، وربما انصار “حزب الله” أيضا، سيتجمع في باحة القصر عائدا الى دارة جديدة له في الرابية ستكون مقر زعامته السياسية ما بعد الرئاسة . في الواقع المبدئي والاجرائي المقرر في برنامج “الخروج” المدوي، لا شيء يبدو خارج اطار التوقعات اذ ان وداعا رسميا بسيطا سيقام لعون، الذي، للمفارقة يغادر من دون تسليم خلف له كما دخل قبل ست سنوات من دون ان يتسلم من سلف له، وسيلقي كلمة وداعية امام الجمع الشعبي قبل ان يغادر بعبدا. اذا هي ولاية رئاسية كاملة تولاها الرئيس الرابع عشر للجمهورية اللبنانية ما بين فراغين رئاسين وكانت سمتها الطاغية ان شهدت مجموعة أزمات وكوارث كان اشدها الانهيار الكارثي المالي والاقتصادي الذي فجر انتفاضة اجتماعية عارمة غير مسبوقة كما شهدت الولاية انفجار العصر في مرفأ بيروت ولكنها في نهايتها قبل أيام شهدت حدثا تاريخيا تمثل في ابرام اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.

ما بين هذه العناوين العريضة الأساسية لا يبدو عون، بحسب “النهار” في وارد الخروج السلس سياسيا اذ انه يمهد لخرق جديد في الأعراف والأصول من خلال اصدار مرسوم بقبول استقالة حكومة تصريف الاعمال برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي مع ان هذه الحكومة لم تتقدم باستقالتها ليتم قبولها بل هي اعتبرت مستقيلة حكما عقب الانتخابات النيابية، وتاليا فان اصدار عون للمرسوم في حال مضى في ذلك يكون من لزوم ما لا يلزم، كما لا يقدم ولا يؤخر في تبديل الواقع الدستوري للحكومة بكونها حكومة تصريف اعمال. وواضح ان اقدام عون على اصدار مرسوم – سابقة من هذا النوع يهدف الى نزع الغطاء الميثاقي – المسيحي عن حكومة تصريف الاعمال من خلال القول ان هذه الحكومة “تنتزع” صلاحيات رئاسة الجمهورية بلا أي غطاء شرعي . وهو ما يفسر حركة رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل نحو بكركي مساء امس عقب الكشف عن لقائه الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله . ولم يتضح بعد كيف سيتولى عون وباسيل إدارة مرحلة التصعيد في مواجهة ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري بعدما بدا واضحا ان عنوان التصعيد العوني عقب خروجه من بعبدا سيتركز على بري وميقاتي تحت شعار انهما يسلبان الرئاسة الأولى صلاحياتها بهدف احراج الافرقاء المسيحيين الاخرين وفي مقدمهم بكركي و”القوات اللبنانية”، وكذلك منافس باسيل الأساسي في خلفية المعركة الرئاسية سليمان فرنجية. كما أفادت معلومات ان باسيل مضى في محاولات تحريض عدد من الوزراء على مقاطعة مجلس الوزراء منعا لممارسة الحكومة صلاحيات رئاسة الجمهورية .

وتعتبر خطوة عون إجراء استثنائياً لم يذهب إليه أي رئيس قبل عون، وسط خلاف دستوري بين فريقين، يعتبر الأول أن ذلك سيمنع اجتماع الحكومة وتولي «مجلس الوزراء مجتمعاً» لصلاحيات رئيس الجمهورية في فترة الفراغ الدستوري، حسبما ينصّ الدستور، فيما يرى آخرون أن الحكومة مستقيلة حتماً وفق الدستور، ولم تتقدم باستقالتها كي يقبلها أو يرفضها.

ورداً على تلويح عون بتوقيع مرسوم استقالة حكومة تصريف الأعمال، أوضح الوزير الأسبق ونقيب المحامين السابق رشيد درباس ل”الشرق الأوسط”، أن «الحكومة لم تقدم استقالتها حتى يقبلها أو يرفضها، بل إن الاستقالة جاءت حتمية وبحكم القانون»، مشيراً إلى أن «المرسوم لن يكون نافذاً إلا إذا تزامن مع مرسوم تشكيل حكومة جديدة». وشدد على أن رئيس الجمهورية «لا ينشئ هذه الحالة (استقالة الحكومة)، إنما يعلنها». وحمّل درباس الرئيس عون ضمناً مسؤولية أي خلل قد يقع بالحكم، وقال إن من ينشئ حالة فراغ يعني أنه تعمد ترك الدولة بلا ربان، ويفترض به أن يعرف أن المرفق العام لا يُترك للفراغ.

وابتداءً من الأول من (تشرين الثاني) المقبل، يصبح البلد أمام فراغين رئاسي وحكومي، لكن غياب حكومة دستورية لا يقيّد حكومة تصريف الأعمال التي تتمتّع بنقاط قوة دستورية، واعتبر الوزير السابق درباس، أن «نقطة قوّة الحكومة الحالية تكمن في ضعف البلد». وذكّر بأن «الدستور شامل والحلول موجودة فيه، وهو أعطى مجلس الوزراء حق تسلّم مهام رئيس الجمهورية في حال شغور موقع الرئيس».

وشدد درباس في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن حكومة تصريف الأعمال «تملك الصلاحية الدستورية، لتحلّ محلّ رئيس الجمهورية، باستثناء صلاحيات محددة هي من اختصاص الرئيس دون سواه». وقال: «ثمة أمور أساسية محصورة برئيس الجمهورية لا يمكن للحكومة القيام بها حتى لو كانت دستورية وتحظى بثقة البرلمان». وعدّد درباس أبرز تلك المهام، وهي «استحالة قيامها بحلّ المجلس النيابي، أو إجراء استشارات نيابية لتشكيل حكومة جديدة، أو اعتماد سفراء، ومنح أوسمة، كما أن أي حكومة لا يوليها الدستور حقّ مخاطبة المجلس النيابي وتوجيه رسائل إليه، ولا أن تمارس صلاحيات الرئيس من مقرّه في القصر الجمهوري».

وقبيل ساعات من مغادرة عون القصر الجمهوري، يتجدد الحديث عن الإخلال بالتوازنات وإضعاف الشريك المسيحي في السلطة، وقد جدّد عون في تصريحه الأخير تأكيده أن حكومة ميقاتي «قاصرة عن تولّي كامل صلاحيات الرئيس، فهي بالأصل لا تستطيع أن تقوم بدورها إلّا بالإطار الضيّق»، لكنّ الوزير درباس (وهو خبير قانوني ونقيب سابق للمحامين)، أشار إلى أن «الحديث عن ممارسة الحكومة دورها بالحدود الضيقة، ليس موجوداً في الدستور؛ لأن الضيق والاتساع مرهون بالحاجة والغرض والأمور الطارئة، ومنها على سبيل المثال إعلان حالة الطوارئ وغيرها». وذكّر بأن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي «ليس مسؤولاً عن تعطيل تشكيل حكومة جديدة، وليس مسؤولاً عن إيصال البلاد إلى الفراغ الرئاسي». وسأل درباس: «لماذا يتباكى جزء من المسيحيين على موقع رئيس الجمهورية؟ من يعطل انتخاب الرئيس وينتخب بالورقة البيضاء؟». وردّ قائلاً: «هؤلاء لا يرون ملامح رئيس جديد، لذلك هم ينتخبون العدم عبر الورقة البيضاء».

والتسليم بحتميّة انتقال صلاحيات الرئيس إلى مجلس الوزراء، يضع رئيس الحكومة أمام مجهر الرقابة سياسياً وقانونياً، مع إمكانية الطعن ببعض الإجراءات التي قد يلجأ إليها، خصوصاً إذا ما دعا مجلس الوزراء للانعقاد. ولاحظ الخبير الدستوري الدكتور عادل يمين، أن «المادة (62) من الدستور أناطت صلاحيات رئيس الجمهورية بمجلس الوزراء مجتمعاً في حال شغور موقع الرئيس وليس بالحكومة، وهناك فرق كبير بين الحكومة ومجلس الوزراء». وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «بما أن الفقرة (12) من المادة (53) من الدستور تجعل الدعوة للاجتماعات الاستثنائية لمجلس الوزراء مناطة برئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، فهذا يعني أنه لا إمكانية لعقد جلسات استثنائية لمجلس الوزراء إلّا بحضور رئيس الجمهورية».

ويشهد لبنان الفراغ الرابع في سدّة رئاسة الجمهورية منذ عام 1988. ويقول يميّن (المقرّب من الرئيس ميشال عون)، إنه «إذا انتهت ولاية الرئيس قبل تشكيل حكومة جديدة، فعلى الحكومة الحالية أن تكتفي بتصريف الأعمال بالحدود الضيقة، من دون أن تمدّ يدها على صلاحيات رئيس الجمهورية؛ أي إن رئيس الحكومة يمارس دوره من السراي الحكومي، والوزراء عبر وجودهم في وزاراتهم، وألّا توقع قرارات أو مراسيم هي من اختصاص الرئيس». وأشار يميّن إلى أن «المشكلات التي نقع فيها الآن تعبّر عن ثغرات في الدستور، الذي يفترض به أن يعالج هذه الثغرات الأساسية، ومنها تحديد مهلة زمنية للرئيس المكلّف بأن يشكل حكومته، لا أن يبقى لأشهر طويلة».

/ الشرق الأوسط /

اترك رد إلغاء الرد