معضلات الحوار: قلق مسيحيّ وتراجع سُنّيّ وجاهزيّة “الحزب”

بدءاً من الإثنين تنتقل الأزمة السياسية اللبنانية إلى مرحلة جديدة، البعض يسمّيها حقبة ما بعد ميشال عون، والبعض الآخر يعتبرها حقبة منقّحة من الصراع السياسي الداخلي والإقليمي في لبنان، بينما يراها فريق ثالث فرصة للانتقال إلى معالجة الأزمة الاقتصادية المالية التي يمكن أن تمهّد لمعادلة سياسية جديدة، بعد تراكم سنوات من عدم الاستقرار السياسي الذي تخلّلته اهتزازات أمنيّة أنتجها اختلال ميزان القوى وكسرت التوازن السياسي بين أطيافه.

مرحلة جديدة بمعادلة غير واضحة

الإثنين يكون انتهى عهد رئاسي اختبر خلاله اللبنانيون والخارج نمطاً من ممارسة السلطة يختلف كليّاً عن تقاليد السياسة اللبنانية الداخلية والخارجية القائمة على التسويات الدائمة بين متساويين. سعى “فريق القصر” إلى تغييرات في النظام السياسي القائم على اتفاق الطائف. لكنّه أخذ لبنان إلى انهيار اقتصادي غير مسبوق وإلى المحور الإيراني خلافاً لتاريخ علاقاته الخارجية، ولا سيّما العربية والخليجية.

لكنّ معالم تلك المعادلة السياسية ما زالت غير واضحة، نظراً إلى الغموض الذي يحيط بهويّة الرئيس الجديد للجمهورية، الذي يشكّل ركيزة محورية فيها، سواء على الصعيد الطائفي أو على المستوى الدستوري، مع كلّ ما يُثار حول صلاحيّاته بين من يقلّل من أهميّتها وبين من يقول بقوّتها على الرغم من تشذيبها في اتفاق الطائف والدستور الجديد.

حصريّة الحوار بالرئاسة

تبدأ المرحلة الجديدة بأزمة دستورية بفعل الفراغ في الموقع الأوّل في السلطة. موقع يتّصل ملؤه بتسوية سياسية على اسم الرئيس الجديد. ويفترض الوسط السياسي أنّ دعوة رئيس البرلمان نبيه برّي المنتظرة إلى حوار وطني بين رؤساء الكتل النيابية ستنتهي باتفاق على المعادلة السياسية خلال السنوات الستّ لولايته. ويؤكّد برّي أنّ جدول أعمال الحوار ينحصر بنقطة وحيدة هي رئاسة الجمهورية. فُهِم من هذه الحصرية أنّه لا يريد إقحام الحوار هذا في متاهات اقتراحات التعديلات الدستورية التي يطرحها بعض الأطراف، ومنهم رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل.

ذلك لا يمنع القول إنّ الظروف السياسية التي تحيط بالدعوة ستُلقي بظلالها على هذه الطاولة، سواء كانت في حسابات برّي أم لم تكن، لأسباب عدّة أبرزها:

القلق المسيحيّ المرافق للحوار

– الدعوة نفسها تتمّ في ظلّ عدم حماسة القوى السياسية للدعوات المتكرّرة الصادرة عن الرئيس المنقضية ولايته، خلال السنتين الماضيتين، والتي كان على جدول أعمال آخرها مطلع شهر كانون الثاني 2022، ثلاثة عناوين: اللامركزية الإدارية والمالية الموسّعة، الاستراتيجية الدفاعية لحماية لبنان، وخطة التعافي المالي والاقتصادي. ومع مقاطعة قوى المعارضة كافّة لدعوة عون، لاعتبارها أنّ هدفها تعويم العهد، ألغاها الأخير متّهماً من رفضوا الحضور بـ”المكابرة”. كان برّي ينوي الحضور بروتوكولياً والاكتفاء بالاستماع من دون الإدلاء برأيه لعدم اقتناعه بجدواها. مبادرة بري الراهنة تفهمها بعض الأوساط المسيحية على أنّها استغلال لغياب عون بعد انتقاله نهائياً إلى منزله، وتحيّن ممثّل “الثنائي الشيعي” في السلطة فرصة الفراغ في الموقع المسيحي الأول لأخذ المبادرة. وكان بعض هذه الأوساط أثار حفيظته أن يبقى في منصبيهما الرئيسان اللذان يمثّلان المسلمين الشيعة في رئاسة البرلمان، والسُنّة في رئاسة الحكومة، بينما المنصب المسيحي شاغر، وهو ما يوحي بالنسبة إلى هذا البعض باستضعاف الرئاسة واستسهال الفراغ فيها. وجزء من هذا الوسط المسيحي يتعاطى ضمناً مع الدعوة إلى الحوار وسط حذر من الجنوح نحو تكريس غلبة شروط “حزب الله” على الرئاسة.

على العكس من الحيثيّات المذكورة فإنّ فريقاً وازناً من القوى المسيحية هو “التيار الوطني الحر” يعتبر دعوة برّي فرصة له من أجل طرح وجهة نظره في الرئاسة المقبلة، ومطالبه منها وشروطه عليها. وسبق لرئيسه النائب جبران باسيل أن كرّر مراراً الدعوة إلى الحوار في موضوع الرئاسة، وكذلك حليفه “حزب الله”، على الرغم من اختلاف موقفيهما من ترشيح رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية، الذي رفضه باسيل. وكان الأخير أذاع في 6 تشرين الأول ورقة “الأولويات الرئاسية”، وربط دعم أيّ مرشّح بالتزامها، داعياً الرئيس العتيد إلى إعلان موقفه منها. وهي تنصّ على بنود خلافيّة تحت عنوان “تطوير النظام استناداً إلى تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني، ومعالجة الثغرات والاختلالات في الدستور، وإقرار اللامركزية الإدارية والمالية الموسَّعة، وإلغاء الطائفية وإقرار قانون مدني للأحوال الشخصية، وصولاً إلى الدولة المدنية”، والحفاظ على قانون الانتخاب الحالي، الذي يعارضه معظم الفرقاء الآخرين. كما كرّر اشتراطه أن يحظى الرئيس العتيد بحيثية مسيحية وازنة أو بدعم كتلة نيابية مسيحية تمثيلية للمسيحيين، قاصداً تكتّله النيابي (17 نائباً). لكن خلف كلّ ذلك الهمّ الذي يسكن باسيل وعون يكمن مطلب واحد، وهو كيف ينال الضمانات من الرئيس العتيد لحفظ إرث العهد المنقضي والمكتسبات النفعية والفئوية.

أيّ استعدادات عند الحزب لإنجاز تسوية رئاسية؟

هذا جانب ممّا يحيط بدعوة برّي إلى الحوار في شأن الرئاسة من الزاوية المسيحية. لكنّ هناك جانباً آخر ربّما كان جوهرياً أكثر، يتعلّق بالتسوية التي يمكن التوصّل إليها عبر هذا الحوار مع “حزب الله” حول هويّة الرئيس الجديد واسمه، وملاءمة ذلك مع هدف تقليص مدّة الشغور.

في وقت يأمل برّي ألّا تغرق مناقشات الحوار في المواصفات الرئاسية التي سبق لكلّ الفرقاء أن أدلوا بدلوهم فيها، فإنّها تتطلّب تنازلات من الفرقاء، تلك التسوية الهادفة إلى الخروج من حالة عجز كلّ من الفريقين العريضين – المتنافسين على إنجاح المرشّح المفترض لكلّ منهما – عن توفير أكثريّة الثلثين لنصاب انعقاد البرلمان (86 نائباً)، ثمّ عن ضمان الأكثرية المطلقة (65 نائباً) لضمان هذا النجاح.

في هذا المجال يمكن طرح الأسئلة الآتية عن مدى استعدادات الحزب:

– أيّ تنازل يمكن أن يقبل به الحزب، بعدما ملأ قادته الفضاء الإعلامي باشتراط قبول الرئيس العتيد معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” التي تعني احتفاظ “الحزب” بسلاحه واستمرار استقلاليّته عن الدولة، و”ألا يتآمر على المقاومة”، و”ألا يخضع لأوامر أميركا وإسرائيل والسعودية”… إلى ما هنالك من شعارات ومواصفات مكمّلة. وإذا كان مفهوماً أن يتحمّس الحزب لدعوة برّي، مستبقاً إيّاها بالدعوة إلى الحوار، رافضاً ترشيح القوى السيادية لرئيس حركة “الاستقلال” النائب ميشال معوّض، فإنّ من النتائج التي يتوخّاها الفرقاء الآخرون، وحتى حلفاؤه في “التيار الوطني الحر”، استكشاف مدى استعداده لبدائل عن دعم ترشيح فرنجية على الرغم من أنّه لم يعلن رسمياً بعد تفضيله إيّاه فيما أعلن باسيل رفضه. وكان مصدر قيادي في “التيار الحرّ” قال لـ”أساس” إنّ “الثنائي الشيعي” ما زال واقفاً عند ترشيح فرنجية، ولم يحصل معه كلام مختلف حول البدائل حتى الآن. ولعلّ مبادرة برّي بعد 31 تشرين الأول تتيح ذلك. و”التيار” وغيره من الفرقاء يعتبرون أنّ اسم قائد الجيش العماد جوزف عون سيكون من بين المرشّحين بقوّة بعد هذا التاريخ، وقد رفضه باسيل أيضاً. كما أنّ التسوية التي يتوخّاها السياديون الداعمون للنائب ميشال معوّض لا تقف بنظر معظم هؤلاء عند التفاهم على رئيس إصلاحي وسيادي يحارب الفساد، بل يأملون أن تشمل اتفاقاً جدّياً على مناقشة الاستراتيجية الدفاعية التي يفترض أن تجد حلّاً لسلاح الحزب، وهو الأمر الذي نسف العهد المنقضي أيّ إمكانية للبحث فيه، فيما الترقّب يسود لمعرفة هل تلائم الظروف الإقليمية المعقّدة احتفاظ الحزب بدوره كما مارسه إلى الآن.

أيّ تمثيل سنّيّ في الحوار وأيّ دور في التسوية…؟

– ثمّة جانب جوهري آخر، لا يقلّل من أهمية الجوانب المذكورة أعلاه، لكنّه يرتبط بها مباشرة. فالدعوة إلى الحوار حملت كثراً على التوقّف أمام السؤال عن التمثيل السنّي على طاولته، في غياب الأقطاب السُنّة عن الندوة النيابية، فيما بقي رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، بعد امتناعه عن خوض الانتخابات النيابية، أسير شروط عون، واقتصر دوره على رفض مطالب هذا الأخير وباسيل، وعلى عقد التسويات الظرفية معه أحياناً.

ردهات البرلمان تفتقر إلى دور نواب سُنّة فاعلين ومشرِّعين، وهو ما جعل نائباً يصل إلى استنتاج أنّ الدور السنّيّ ضعيف، على الرغم من المحاولات التي يبذلها بعض نواب الشمال (في كتلة الاعتدال)، فيما بقي تحرّك دار الفتوى في إطار التشديد على المبادئ والثوابت اللبنانية والإسلامية.

مصادر عين التينة تقول أنّه سيتم دعوة ثلاثة نواب سنّة إلى طاولة الحوار الرئاسي واحد من الشمال والثاني من صيدا والثالث من بيروت.

فأيّ تسوية يمكن التوصّل إليها حول الرئاسة في ظلّ تراجع المدعوين السنّة ودورهم؟

/ أساس ميديا /

اترك رد إلغاء الرد