مؤتمر الـ”FIJ” الـ٣١ والاوركسترا السلطانية

مسقط التي تستضيف بدعوة من جمعية الصحافيين في سلطنة عمان المؤتمر الحادي والثلاثين للاتحاد الدولي للصحفيين الـ”FIJ”، والذي يضم ما يزيد على الستمئة الف اعلامي من دول العالم كافة، فتحت قلبها والذراعين لاستقبال ما يربو على المئتي وخمسين صحافية وصحافي يمثلون نقاباتهم واتحاداتهم المهنية، وهم يتوزعون على تسعين دولة من مختلف القارات.

مسقط المدينة التي تمازجت فيها الأصالة والحداثة في تناغم انيق، ماثلت حرارة استقبالها لفرسان السلطة الرابعة، حرارة طقسها. فلم يغب سخاؤها، ولا حرصها على توفير سبل الراحة للوافدين اليها، ومتابعة التفاصيل الدقيقة الخاصة بخدمتهم، لتأتي الحفاوة بحجم هذا الحدث الكبير الذي شهد استحقاقا انتخابيا، خاضته النقابات العربية موحدة، وكان فوز مرشحيها ثمرة هذه الوحدة والتوافق في ما بينها. وللمرة الأولى تحتل نقابة محرري الصحافة اللبنانية موقعا في الاتحاد منذ انتسابها اليه عبر مرشحها علي يوسف (أمين صندوق النقابة، نائب رئيس لجنة الحريات في الاتحاد العام للصحفيين العرب)، وهو منصب عضو في لجنته التنفيذية. وقد دعمت المجموعة العربية داخل المؤتمر ترشيحه مع زملاء آخرين من المشرق العربي ومغربه.

لن اتحدث عن المؤتمر والموضوعات الخطرة والحساسة التي تطرق اليها، لأن الحديث يطول، ويستحق حلقات خاصة، ساعود اليها لاحقا.

ما اريد الإشارة اليه الحرفية التي تعاملت بها جمعية الصحفيين العمانيين برئاسة الدكتور محمد العريمي، القامة الاعلامية والثقافية المعروفة في السلطنة ودول مجلس التعاون الخليجي، ورفاقه أعضاء مجلس إدارة الجمعية مع الحدث، فجاء التنظيم رائعا، والافتتاح مميزا بنوعية الحضور والرعاية السلطانية المباشرة. ويمكن القول أن يوم الحادي والثلاثين من حزيران، من ايام مسقط المشهودة.

تنتثر دور عاصمة السلطنة البيضاء، كعقد لؤلؤ يطوق منها الجيد. وتنبسط كالاشرعة البيض على أديم مساحتها المترامية، تنشر الفرح والأمل في سلطنة الاستقرار، والاعتدال، ورعاية الانسان، كل الانسان، بتأمين فرص الحياة الكريمة لكل فرد من دون تمييز طبقي او مناطقي.

وكان للوفود المشاركة في المؤتمر، موعد مع الاوركسترا السمفونية السلطانية العمانية، في الأوبرا السلطانية: دار الفنون الموسيقية، حيث عزفت الاوركسترا بقيادة حمدان الشعيلي عشر مقطوعات ترواحت بين الكلاسيكي ومنوعات من موسيقى البوب وموسيقى الافلام، ومنوعات موسيقية عربية وعمانية، وهي: أنا لحبيبي للاخوين رحباني، و مطرحك بقلبي لاحسان المنذر، وكلاهما من توزيع الشعيلي. وحلوه عمان وهي من تراث السلطنة وتوزيع قائد الاوركسترا نفسه. وقد تفاعل الحاضرون مع الفرقة التي قدمت عرضا رائعا، وهي مؤلفة من كبار العازفات والعازفين. ارتدت العازفات الزي العماني الفولكلوري الاحمر والاخضر الموشى بخيوط مذهبة، فيما ارتدى العازفون السموكنغ الأسود. جميلة كانت الأمسية، وزاد من رونقها مبنى الأوبرا المبني على الطراز العماني، وفيه لمسات من العمارة الاسلامية، عدا السقوف المقطعة بأشكال هندسية شتى، أو الملبسة بخشب الموغونو الذي داخله البرونز المعتق. كما لم تخل واجهات الشرفات والجدران المطلة على باحة داخلية ارضيتها من أفخر بلاط ترافيرتينو الايطالي، من لوحات خشبية تحتضنها باناقة وسط ثريات مدلاة من السقوف، أو مثبتة على الاعمدة من نوع سواروفسكي، وقد صنعت خصيصا للاوبرا، في النمسا. وهناك متحف موسيقي يصل اليه زائروه عبر جسر زجاجي معلق، بعد اجتياز صف من محال الجواهر والساعات الأغلى ثمنا، والاشهر عالميا، وسلسلة من المطاعم الاوروبية، ولاسيما الفرنسية مثل (FAUCHON).

في هذا المتحف حدوات تضم آلات موسيقية تراثية. ومنها ما هو مصنع من عاج أو فضة خالصة، أو اجود انواع الخشب. كما هناك حدوات تحتضن صورا لفنانات وفنانين عرب واجانب في أطر زجاجية وفي استطاعة اي زائر أن ينقر زرا في اسفل اي صورة، لسماع اغنية لصاحبتها أو صاحبها. وعندما ضغطت على صورة فيروز انبعث صوتها الرائع يشدو: “اعطني الناي وغني”.

اعود إلى الاوركسترا السمفونية السلطانية، لاشير إلى أن صاحب فكرة اطلاقها كان السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيب الله ثراه- في العام ١٩٨٥ ، ووفر لها كل اسباب الدعم وتولى مواكبتها شخصيا ومتابعة تدريبات افرادها عن قرب. ولهذه الغاية تلقى الطلاب تدريبهم النظامي في حرم القصر السلطاني بالسيب في ضواحي مسقط .ويتذكر هؤلاء، وفق ما جاء في منشور وزع على وفود الإتحاد الدولي للصحفيين : “انه لم يكن من غير المألوف أن يظهر جلالته أثناء التدريبات للتعبير عن سعادته بتقدمهم ويثني عليهم.وفي الأول من تموز ١٩٨٧، وتحت رعاية السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيب الله ثراه- قدمت الاوركسترا حفلها الافتتاحي في قاعة المحاضرات بقصر البستان”.

لا شك أن المؤتمر العام للاتحاد الدولي للصحافيين كان حدثا احتضنته السلطنة بحفاوتها، وسخائها. لكن هذه الأمسية ستظل منطبعة في ذاكرة من شارك فيها لأنها تعكس أصالة الشعب العماني، وتوقه إلى التقدم وتسجيل النجاحات، والنقاط في الطريق إلى الريادة التي امسك زمامها عن جدارة. ولن يتراجع.

/النشرة /

اترك رد إلغاء الرد