«حجاب مهسا».. هل يُسقط عمامة الملالي؟

‏ /كتب شريف عبد الحميد للرائد نيوز/

يتساءل الكثيرون، داخل إيران وخارجها، عن المدى الذي يمكن أن تصل إليه الاحتجاجات الحالية ضد النظام الإيراني، وهل تكون الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني ذات الـ 22 عامًا، التي لقيت مصرعها بعد القبض عليها بواسطة «شرطة الإرشاد»، هي «القربان» المطلوب لسقوط هذا النظام الذي يحكم البلاد بالحديد والنار؟!


وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال المصيري، ليس لإيران وحدها، بل بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط برمتها، يبدو واضحًا للكافة أن «انتفاضة الحجاب» الأخيرة، هي أخطر انتفاضة تواجه نظام الملالي منذ نحو عقد من الزمان، لأن الفتاة «مهسا» جسدت مشاعر الملايين من الإيرانيين الغاضبين، الذين عاشوا تحت نير القمع والطغيان أكثر من أربعة عقود، منذ ثورة 1977، حتى وصلت الأمور إلى نقطة الغليان.


في بداية الاحتجاجات التي انطلقت يوم 16 سبتمبر/أيلول، ومازالت مستمرة حتى كتابة هذه السطور، ظن البعض أن المظاهرات ستكون محدودة النطاق والأثر، وأنها لن تتعدى البعد الاحتجاجي على مصرع الشابة «مهسا»، ومن ثم ستنتهي، نظرًا إلى القبضة الفولاذية على كل الأمور في جميع أرجاء إيران.


غير أن الرياح أتت بما لا يشتهي ملالي إيران، فقد تحولت الاحتجاجات من مجرد اعتراض على مصرع الفتاة، وعلى أوضاع المرأة الإيرانية تحت حكم الملالي بشكل عام، إلى انتفاضة شعبية ضد النظام نفسه، وضد كل ما يمثله من بطش وتنكيل وتجويع، وأزمات معيشية لا تنتهي. وكان الشعار الذي رفعه الجميع، من طهران إلى أصفهان، ومن تبريز إلى عبدان، هو «الموت للديكتاتور».


و«الديكتاتور» المقصود هنا هو المرشد علي خامنئي نفسه، باعتباره رأس النظام، والرجل الذي يُمسك بيده كل مقاليد الأمور، وصاحب الكلمة العليا في كل شيء داخل إيران، وخارجها أيضًا، ما يعني أن عموم الإيرانيين باتوا في موضع المعارضة لسلطة المرشد ونظامه، وأنهم يرغبون في رحيل رجال الدين عن سُدة الحكم إلى غير رجعة.


ويتزامن مع هذه الانتفاضة العارمة، غموض يكتنف وضع مرشد النظام علي خامنئي صحيًا، والصراع المبكر على خلافته، وعدم تأهل إبراهيم رئيسي للتعامل مع الأحداث الأخيرة. وكلها إشارات واضحة إلى ضعف النظام، وعدم قدرته على مواجهة غضب الإيرانيين الساطع.


ولا جدال أن ثمة شيئًا استثنائيًا يحدث في إيران، التي تعيش حاليًا لحظة تطور سياسي واجتماعي تتجاوز فكرة الاحتجاجات نفسها، قد يكون له تأثير عميق على الإيرانيين لسنوات قادمة. وهذا الشيء الاستثنائي، هو بزوغ الوحدة عبر الانقسامات العرقية والإقليمية والطبقية في البلاد، حيث يتوحد الجميع معًا لدعم حقوق المرأة، فضلًا عن الحق الأساسي لأي إنسان في العيش في سلام وكرامة، وهو أمر ثبت أنه مستحيل في ظل حكم نظام الملالي.


لقد باتت الشابة «مهسا»، بما لقيته من مصير مأساوي، عنوانًا على الثورة من أجل حقوق المرأة الإيرانية. لكن الأهم من ذلك أنها أصبحت رمزًا لثورة شعبية عارمة ذات عناوين متعددة، ثقافية، إنسانية، ودينية. إنها ثورة سياسية ضد النظام برمته، وضد طريقة حكم عفى عليها الزمن. حتى إن الكثيرين ليتساءلون: ‏هل يُسقط «حجاب مهسا» عمامة الملالي؟!


أمّا السر في ذلك، فهو أن نظام الملالي الذي يكافح من أجل البقاء، في ظل ظروف داخلية وخارجية غير مواتية، يندفع منذ انتخاب إبراهيم رئيسي في يونيو/حزيران من العام الماضي 2021، نحو مزيد من التشدد والتطرف، الأمر الذي أدى إلى مزيد من التضييق على الإيرانيين، سواء في حياتهم الاجتماعية، أو في معيشتهم اليومية المتدهورة، لذلك كان حادث مصرع «مهسا» هو القشة التي قصمت ظهر البعير، فلم يعد في القوس متسع لمزيد من المعاناة والظلم والاضطهاد.


وخشية سقوطه المروع، يعتمد النظام الإيراني على مجموعة من التدابير التي نجحت في إنهاء الاحتجاجات السابقة، بما في ذلك قطع شبكات الإنترنت، ونشر قوات «الباسيج» شبه العسكرية في جميع أنحاء البلاد، واستخدام للعنف المفرط ضد المتظاهرين ما تسبب في مقتل العشرات من المحتجين.


وهكذا، يعوّل النظام الإيراني على البقاء في مواجهة حركات التجديد والتغيير، عبر أدواته الأمنية التي تدفعه إلى أن يكون أكثر عنفًا وصرامة. ورغم عدم تهاون الأجهزة الأمنية وعلى رأسها «الباسيج»، في استخدام كل وسائل التخويف والقمع ضد المتظاهرين، فإن هذا لم يعن انتهاء الغضب، فقد طوّر الإيرانيون أشكالًا جديدة من تكتيكات التظاهر، عبر استخدام أسطح المنازل والنوافذ وتكثيف الهتافات في الليل.


وعلى الرغم من تمكن النظام الحاكم من إخماد شعلة الاحتجاجات خلال السنوات الماضية، فإن حجم الانتفاضة الحالية يمكن وضعه إلى جانب «الانتفاضة الخضراء» التي اندلعت عام 2009، كثاني أكبر الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في العقدين الماضيين.


كما أن الحضور النسائي الكبير، يضفي بعدًا أكثر عمقًا على الاحتجاجات، يُشعر النظام الحاكم بتهديد أكبر هذه المرة، يواجهه الملالي بالمزيد من القمع، حيث توفّر آلة القمع الحديدية الضاربة بجذورها في عموم إيران عبر قوات «الحرس الثوري»، إلى جانب «الباسيج»، نوعًا من الحفاظ على استقرار النظام الثيوقراطي الحاكم، رغم الغضب الشعبي وحالة عدم الرضا العام في الشارع الإيراني.


وليس الفشل السياسي وحده هو ما يواجهه الملالي، إزاء الاحتجاجات الدورية في إيران، بل إن الشرعية السياسية للنظام الحاكم هي الموضوعة الآن على المحك، فبتعاقب الأجيال تفقد الثورة الإيرانية شرعيتها بين أجيال أكثر حداثة، لم يعد يجدي معها ذات الخطاب الديني والسياسي المستخدم مع أجيال أكبر سنًا، ما يؤكد أن الأجيال الجديدة في إيران باتت أعدى أعداء النظام.


ومهما يكن من أمر، فإن ما يحدث في إيران الآن إنما هو ثورة شعبية ضد النظام، بمؤسسته الدينية الهرمة التي يتحكم بها رجال دين معظمهم باتوا تجار دين وأصحاب ثروات خيالية، كما أنها ثورة ضد المؤسسة الأمنية والعسكرية التي حولت إيران إلى مملكة صمت، وجعلت من القتل ثمنًا باهظًا للتعبير عن الرأي، وثمنًا للسعي نحو الحرية المُضرجة بالدماء.

اترك رد إلغاء الرد