“الورقة البيضاء” رئيسةً لجمهورية لبنان

/ميريام سويدان- درج/

لا مؤكد سوى أن ظرف التسوية الخارجية لم يحن بعد، والانسداد السياسي متواصل، طالما أن بري اختصر عملية انتخاب الرئيس “الديموقراطية”، بعد إفقاد الجلسة النصاب، مطالباً النواب بـ”اتفاق الـ128 نائباً خارج المجلس على اسمٍ”، ناسفاً كل منطق الديمقراطية والمنافسة الانتخابية ومبطلاً دور مجلس النواب، لمصلحة “ديكتاتورية” الديمقراطية التوافقية.

أُسدِل الستار على نهايةٍ مُتوقّعة. اكتمل النصاب بعدما شارك 122 نائباً من أصل 128 في الجلسة، شارك النوّاب في العملية “الديمقراطية” على وقع فوقية رئيس المجلس واستخفافه. توزّعت الأصوات بين ميشال معوّض وسليم إده و”لبنان” مع صوتين لكل من “نهج رشيد كرامي” ومهسا أميني، أو “مها أميني”، كما لفظها نبيه بري، في حادثةٍ تشي إما بجهل بما يحدث في إيران، أو بتقصّد متعمّد كما حدث في جلسة انتخاب رئيس المجلس، حين تلفّظ الرئيس نبيه برّي باسم لقمان سليم خطأ (سلمان سليم)، وكأنه لم يسمع باسمه من قبل. وكان “الفراغ” سيّد الموقف، إذ صوّت 63 نائباً بورقة بيضاء.

لبنان العامة، حيث يُشارك الجميع في فلكلوريات يعمل “حزب الله” ونوابه على إنهائها كما حدث في الجلسة مع انسحاب كتلة الحزب النيابية لإفقاد الجلسة النصاب، فإن هذه الجلسة لم تختلف عن سابقاتها من جلسات شكليّة لما تستدعيه “الديموقراطية اللبنانية”.

فعلى مدى سنوات، ما بعد اتفاق الطائف، كان انتخاب رؤساء جمهورية لبنان بيد القوى الإقليمية والخارجية، انطلاقاً من الياس الهرواي مروراً بإميل لحود، الذي كان انتخابه بيد الطرف السوري، نظراً للدور الذي كانت تلعبه حينها في لبنان، وصولاً إلى ميشال سليمان الذي انتُخب بعد غزوة السابع من أيار التي نفذها “حزب الله” وما تلاها من اتفاق في عاصمة قطر الدوحة بقرارٍ عربي، وميشال عون الذي أتى بعد تفاهمٍ إقليمي ودولي ليمثل عهده أسوأ العهود في تاريخ لبنان.

لم تكن الجلسة سوى اختبار للنيات والنصاب، ولرسم اتجاهات المأزق السياسي والدستوري المُرتبِط بهذا الاستحقاق، فضلاً عن أنها تحمل رمزية إلى انتهاء عهد عون الذي بقي له من ولايته شهر واحد، حتى نهاية تشرين الأول.

أما في قراءة نتائجها، فيبدو واضحاً أن إصرار حلفاء السعودية على اختيار ميشال معوّض (36 صوتاً)، له رمزية سياسية وهي أنه ابن رينيه معوّض، أول رئيس للجمهورية بعد الطائف (اغتيل بسيارة مفخخة بعد أيام من انتخابه)، وهو ما يتطابق مع رغبة السعودية والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا بتطبيق اتفاق الطائف.

من جهة أخرى، أصبح من الواضح أن مجلس النواب غير قادر على انتخاب الرئيس، فيما لا يملك حلفاء السعودية الثلث المعطّل للإطاحة بنصاب أي جلسة انتخاب لاحقاً، إذ لم يجمع نوّاب السّنة على معوّض، فصوّت البعض بـ”ورقة بيضاء”، فيما ذهب آخرون للتصويت لـ”لبنان”. وبالتالي لا ثلث معطّلاً لمنع “حزب الله” من فرض مرشحه عندما يُقرر ذلك.

فتحت الجلسة مساراً جديداً للمعركة الرئاسية، ليس بالضرورة لانتاج رئيس قريباً، إلا أنها ستفتح الباب لمشاورات جدية بين الكتل للبحث عن قواسم مشتركة للاتفاق على شخص الرئيس. علماً أن عدم التوافق المتوقّع يُحتم الذهاب نحو الفراغ، ما يُرجّح اقتراب قائد الجيش جوزيف عون من القصر الجمهوري.

في الجلسة، أسقط نبيه بري المسؤولية عن كتفه. دعوته المباغتة للجلسة الأخيرة كانت بمثابة قوله، “أنا أطلقت الدعوة وأنتم من فشل بتأمين فوز أي مرشّح”، كما أنها كانت ردّاً على الأطراف السياسية، لا سيما البطريرك الماروني بشارة الراعي، الذي أعلن في عظته الأخيرة أن “تأجيل انتخاب الرئيس بانتظار التوافق يؤدي إلى تقويض دور المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً، وتقويض موقع رئيس الجمهورية ودوره”. وفي جميع الأحوال، فإن المعضلة الأساسية تبقى بالوصول إلى “اليوم الطبيعي” الذي سيغادر فيه ميشال عون القصر. 

إلى ذلك الحين، لا مؤكد سوى أن ظرف التسوية الخارجية لم يحن بعد، والانسداد السياسي متواصل، طالما أن بري اختصر عملية انتخاب الرئيس “الديموقراطية”، بعد إفقاد الجلسة النصاب، مطالباً النواب بـ”اتفاق الـ128 نائباً خارج المجلس على اسمٍ”، ناسفاً كل منطق الديمقراطية والمنافسة الانتخابية ومبطلاً دور مجلس النواب، لمصلحة “ديكتاتورية” الديمقراطية التوافقية.    

اترك رد إلغاء الرد