على خط عكار- أوروبا… شبكات لتهريب البشر والإتجار بالأحلام

/ابراهيم الغريب_درج/

طليقي وابني في عداد المفقودين، أخاف أن يكون عامر قد مات قبل أن أسمعه يقول لي ماما، أو قبل أن أضمه إلى صدري وأخبره أنني أحبه”… المعاناة واحدة بين طرابلس وعكار، حيث يوضب المواطنون أمنياتهم بحقائب غير شرعية ويستقلّون مراكب الموت دون التفكير في النتائج.
على معبر العريضة الحدودي بين لبنان وسوريا تقف أمل مكسورة الخاطر بانتظار خبر عن طليقها وسام الزيان وابنها عامر (6 سنوات) والذي حرمت من حضانته مذ كان رضيعاً، “طليقي وابني في عداد المفقودين، أخاف أن يكون عامر قد مات قبل أن أسمعه يقول لي ماما، أو قبل أن أضمه إلى صدري وأخبره أنني أحبه”.

وضمن الفجيعة ذاتها إثر غرق المركب الذي انطلق من طرابلس وغرق في طرطوس، التقينا بابو علي التلاوي في بلدة القرقف- عكار، وكان قد انتهى من دفن حفيدتيه مي ومايا وسام التلاوي بعدما أتى بجثتيهما بسيارته من طرطوس إلى القرقف لأنه لم يستطع انتظار الصليب الأحمر اللبناني، “لقد أحضرت جثماني مايا ومي معي بالسيارة لأنني لم أعد أحتمل انتظار الصليب الأحمر وها أنا أنتظر أن نستلم جثة شقيقهما عامر، وشقيقهم محمود في عداد المفقودين وأمهم أيضاً، فيما نجا والدهم بأعجوبة”.

وفي باب الرمل في طرابلس تنتظر أم مصطفى عودة جثامين كل من ابنها مصطفى مستو وزوجته وأولاده الثلاثة، تقول إنهم غادروا من دون إبلاغها، “لم يقل لي إنه ذاهب ولم يودعني”، ربما تعمد مصطفى أن يتهرب من وجه أمه كي لا يجبره شيء على العزوف عن قراره.

لقد تعددت قصص الموت، والمعاناة واحدة بين طرابلس وعكار، حيث يوضب المواطنون أمنياتهم بحقائب غير شرعية ويستقلون مراكب الموت دون التفكير في النتائج، وأياً كانت النتيجة فإنها قد باتت بنظر أهالي الشمال أجمل بكثير من الواقع الحالي، فالمخاطرة في قارب غير شرعي يبدو أكثر رحمة من البقاء تحت رحمة الجوع والعوز والبطالة، فيما لا تلتفت الدولة اللبنانية لأحوال طرابلس وعكار، حيث أفقر الأحياء والمناطق.

وفي الرواية فإن مركباً غير شرعي يتسع لـ40 شخصاً قد غادر يوم الثلاثاء 20 أيلول/ سبتمبر من شواطئ منطقة المنية نحو قبرص، وعلى متنه 150 مهاجراً غير شرعي من الجنسيات اللبنانية والسورية والفلسطينية. وكان من المتوقع أن ينتقل المهاجرون بعدها من قبرص إلى اليونان عبر مراكب أخرى أو باستخدام جوازات سفر مزورة، لكن المركب غرق بعد عبوره 46 كيلومتراً من نقطة انطلاقه، أي قبالة السواحل السورية، وتحديداً قبالة جزيرة أرواد، يوم الأربعاء (21/9). وهرعت فرق الإنقاذ السورية لانتشال الجثث التي بلغ عددها يوم الجمعة بحسب وزارة الصحة السورية 86 جثة فيما تم إنقاذ 20 شخصاً والعمل جار للكشف عن مصير المفقودين، في حين تم نقل الجثامين والناجين إلى مستشفى الباسل في طرطوس وتم التواصل مع عدد من الأهالي للمجيء إلى المستشفى والتعرف إلى جثامين ابنائهم، في حين أكدت مصادر أمنية أن غالبية الضحايا هم من الجنسية الفلسطينية وهم من سكان مخيم نهر البارد في المنية وقد تجاوز عدد الضحايا الفلسطينيين على متن القارب الـ50 ضحية.

يقول بعض أقارب الضحايا إن المهرب وهو من المنية، استلم الأموال من المهاجرين وسلم القارب لشخص آخر وولى هارباً، فتاه “القبطان” الجديد قرب المياه السورية، فاتصل بصاحب القارب وأخبره بأنه تائه قبالة طرطوس ولا يعرف كيف يتجه فأرسل إليه صاحب القارب شخصاً آخر تبين أنه لا يملك الخبرة أيضاً فانقلب المركب بسبب حركة الموج والرياح. وفر المهربون بزروق صغير ليبقى المهاجرون بمفردهم، بعضهم يصارع للبقاء وبعضهم طفت جثته على سطح المياه وعاد إلى البر بصندوق خشبي فيما غرقت أحلامه بالوصول إلى أوروبا. وقد نشرت قيادة الجيش بياناً قالت فيه إنه، “بتاريخ 21 /9 /2022، أوقفت دورية من مديرية المخابرات في طرابلس- الميناء كلاً من المواطنين: (أ. ر)، (م. ر)، (م. م) و(م. غ. م) لوجود سوابق لهم في عمليات التهريب ولمحاولتهم شراء مركب للقيام لاحقاً بعملية تهريب أشخاص عبر البحر بطريقة غير شرعية، وضُبط بحوزتهم مسدسٌ حربي”.

وأضاف البيان: “كما أوقفت دورية أخرى من المديرية في محلة دير عمار المواطنين (ع. ر)، (م. ع)، (ب، ع)، (خ. ع) للاشتباه بقيامهم بأعمال التهريب عبر البحر ومراقبة دوريات القوات البحرية”.

ووفق البيان، “سُلّمت المضبوطات وبوشر التحقيق مع الموقوفين بإشراف القضاء المختص”.

وقد سلم الهلال الأحمر السوري يوم الجمعة 9 جثامين للجانب اللبناني عن طريق الصليب الأحمر اللبناني، 7 منهم من الجنسية اللبنانية توزعوا بين طرابلس وعكار و2 منهم من الجنسية الفلسطينية، على أن تستأنف عمليات تسليم الضحايا يوم السبت، فيما تحدث أحد أقارب آل التلاوي في القرقف عن تقاعس الجانب اللبناني عن القيام بواجباته تجاه الضحايا والناجين قائلاً، “رفض الجانب السوري تسليمنا الجثامين قبل وصول السفير اللبناني من الشام وعندما وصل السفير حصل سجال بينه وبين أحد الأمنيين اللبنانيين هناك، فغضب وتوقف عن العمل وغادر وتركنا لوحدنا ننتظر أي قرار لنتسلم جثامين أبنائنا إلى أن وصل وزير الصحة السوري وأشرف على سير العمل”.

كثرت في الفترة الأخيرة رحلات الهجرة غير الشرعية من طرابلس وعكار، فيما السلطة عاجزة عن كشف مهربي البشر الذين يبيعون الناس أوهاماً وجنسيات أوروبية من سراب. مهنة تهريب البشر في طرابلس وعكار أصبحت مهنة من ليس لهم مهنة ومعظمهم من بلدة ببنين العكارية وسهل عكار. أيضاً يفيد بعض الأهالي بأن المهربين قد يكونون أحياناً سوريين، ينطلقون بالقارب من الأراضي السورية ومعهم عدد من المواطنين السوريين ويمرون من عكار وطرابلس ليأخذوا معهم أشخاصاً أرسلهم مهرب آخر، ما يرجّح وجود عصابة مهربين بين سوريا ولبنان تنسق في ما بينها لبيع الناس مقابل مبالغ باهظة تصل إلى الـ4000 دولار على الشخص الواحد.

موجة الهجرة هذه في طرابلس وعكار، وعلى رغم خطورتها إلا أنها لا تزال مستمرة حتى اليوم، البعض يلوم المهربين على الاتجار بأحلام الناس واستغلالهم، والبعض يلوم المهاجرين الذين يلقون بأنفسهم إلى التهلكة، لكن الجميع اتفق على أن الحياة في لبنان لم تعد ممكنة خصوصاً في محافظة الشمال، محافظة أغنى أغنياء الشرق الأوسط والتي يعيش فيها أفقر فقرائه.

اترك رد إلغاء الرد