فنانة تونسية ترسم تحت الماء


منية الشاهد فنّانة تشكيليّة تونسيّة اختارت التميّز من خلال العمل تحت الماء، لترسم بريشتها في لحظة صمتٍ ورهبةٍ، وبعيداً من ضجيج الحياة وروتينها اليوميّ، أروع اللوحات. هي ترسم للوطن والمرأة والطبيعة، فأبدعت لوحات فنية لكلٍّ منها حكاية خاصّة، تعكس عشقاً وتحدّياً وإصراراً على مواصلة الحلم بالرّغم من كلّ الصعوبات.

تقول منية الشاهد إنها ترعرعت ونشأت في ولاية “سوسة” الملقّبة بـ”جوهرة الساحل” التونسي. من هنا، نما فيها العشق الخاصّ للبحر، وبات جزءاً لا يتجزأ من فنّها وإبداعها بكلّ ما يحمله من أحاسيس فياضة”. وقالت إن الأمر شكّل تحدّياً لها في البداية لأنه ليس من السهل أن يختار الفنان الرسم تحت الماء في هذا المكان غير المألوف.

وتتابع القول: “الفكرة جاءت من باب التجديد. لقد أردت أن أجدّد، وأن أجد لنفسي بصمّة خاصّة. واخترت البحر من باب التغيير والخروج من الفضاء الضيّق، وهو المرسم أو الشّارع أو الطبيعة؛ فالبحر يمكن أن يكون أيضاً بيئة للفنّ التشكيليّ”.

ترى الشاهد أن هذا المشروع الإبداعيّ بدأ بحُلم، ثمّ تحوّل إلى فكرة، ثمّ تحوّلت الفكرة إلى تجربة بكلّ خصوصيّاتها وفرادتها. وتوضح: “بدأت كخطوة أولى من باب الفضول، وجرّبت عدّة تقنيات للرسم، ثم اخترت الطريقة الفضلى لتثبيت ألواني على اللوحة. وانتقلت إلى المرحلة الثانية، فتدرّبت على الغوص، وقمت بدورات تكوينيّة على النزول تحت الماء حتى عُمق 40 متراً، فاستهوتني الفكرة، وكانت البداية في السنة 2013”.

وتشدّد الشاهد على أنّ الرّسم تحت الماء يُشبه الرسم العادي لكن الظروف تختلف عن الرسم في المرسم، ولها خصوصيّتها من ناحية التركيز والحضور الذهنيّ والجسديّ في الوقت نفسه. كذلك تختصّ هذه التجربة ببعض الصعوبات من ناحية الإضاءة تحت الماء والوقت والتركيز.

الفن ولادة جديدة

تعتبر أنّ هذه التجربة الاستثنائية تُثبت ان المرأة تستطيع فعل أيّ شيء، ولديها الجرأة والشجاعة الكافية لتحقيق كلّ طموحاتها. وتعلن أن الفن تحت الماء عبارة عن ولادة جديدة لها، تجمع الجرأة والإثارة والفضول والتمرّد على الفنّ الكلاسيكيّ والتقليديّ، ثم تُضيف: “كلّ ذلك كان بدافع التجديد، وحتى لا أكرّر نفسي في الفن”.

وتوضح: “الرسالة التي أردت إيصالها تتمثل في أهمية الحفاظ على البيئة البحرية من مخاطر التلوث، كما أردت تعزيز قطاع السياحة ودعمها؛ لذلك كنت أول فنانة تقوم بمعرض للرسم تحت الماء، في مارينا القنطاوي بسوسة، تحت عنوان “نقطة ضوء”، حيث عرضت في خلاله أكثر من أربعين لوحة على مدى يومين بمساعدة نادي الغوص في المحطة السياحية في المنطقة. وتطرّقت خلال هذا المعرض إلى معضلة الهجرة غير النظاميّة التي تتفاقم بسرعة، وهي الهجرة إلى الموت، وأسميت المعرض “نقطة ضوء”، فنحن في أشدّ الحاجة إلى نقطة أمل تخرجنا إلى برّ الأمان…”.

وتؤكّد محدّثتنا أن المرأة التونسية مبدعة، وأعطت إضافة إلى الفن التشكيلي، لأنّ هذا النوع الخاصّ يمكنه في المستقبل أن يتحوّل إلى مدرسة على غرار المدارس الفنيّة الأخرى، وهو امتداد للمراحل الفنية السابقة”.

تحية لكلّ امرأة مناضلة

وتحت عنوان “شهيدة لقمة العيش”، عرضت منية الشاهد لوحاتها في معرض تحت الماء، وكان الهدف توجيهَ تحيّة إلى العاملات في القطاع الفلاحيّ، وإلى شهيدات لقمة العيش، اللواتي يُجازفن بحياتهنّ من أجل البقاء.

وتقول إنّ آخر لوحة رسمتها تحت الماء كانت تكريماً للمرأة المناضلة، التي تقف في الصفوف الأمامية في المعركة ضدّ وباء كورونا كالطبيبة والممرضة.

وتصرّ الفنانة التشكيلية التونسية على أن لا مستحيل مع الفنّ، وهذا هو سر النجاح في أيّ مجال من المجالات؛ وأنه باستطاعة أي امرأة أن تحقق طموحاتها إذا ما وُجدت الإرادة والعزيمة مع التدريب والمُمارسة المتواصلة في أيّ مجال تودّ النجاح والتميّز به”.

وتشرح: “كنت متمسّكة بالحلم، والعثرات التي اعترضت محاولاتي كانت تجعلني أكثر إصراراً على النجاح. لقد واجهتني صعوبات تقنية عديدة، ولكنّها كانت بمثابة تحدٍّ لي لأعيد الكرّة والتجربة، وفي النهاية نجحت”. وتُضيف: “الحلم ما يزال طويلاً، وكلّ مشاركة، وكلّ معرض أقوم به هو حافز لي للمزيد من التقدّم نحو الأمام، ولمواصلة تحقيق أحلامي، التي من أهمّها رسم أكبر لوحة تحت الماء. وما زلت مصمّمة على تحقيق هذا الحلم، لأنّه ليس للفنّ حدود”.


/النهار/

اترك رد إلغاء الرد