الانتصار المُستعـار

إذا كان الإنسان مهزوما من الدّاخل، فهل يحقّ له استعارة انتصار الآخرين لتخفيف ذلك الشّعور البسيكولوجي؟ هل يستطيعُ صناعة ولو من باب الزّيف محاكاة لنُهوض وجوديّ؟

يستعيرُ الإنسانُ لا لأنّه لا يملكُ فقط، فهنالك أشياء لا نملكها لكن لا تنقصنا فلا نفكّر في استعارتها، إنّ ما ينقصنا أو نحتاجه هو ما نريدُ الحصول عليه ولو لفترة ما ثمّ نعيدهُ إلى أصحابه وربّما نتمنّى لو أنّه لنا فنعجز عن إعادته، قد يكون فستاناً، نظّارة، غرفة، سيارة، فكرة أو غيرها مما لا نملكه، هذه الاستعارة التي تجعل الفرد المستعير يعيشُ الملكيّة ويتماها معها لدرجة تمرّ فيها عليه أوقات الذروة فينسى كلياً أنّها أشياء لا تخصّه بل وُجدت لأجله فيتصرّف انطلاقاً ممّا زيّفه له ذلك الشعور بالرّغبة الشديدة في الشيء، وعلى اثر هذه المشاعر يتلاشى الخوف على أغراض غيرنا، وقد يصل بنا الأمر إلى حدّ إتلافها، وهي اللحظة التي يبدو فيها أن ما أفسد الآن ليس الغرض فحسب وإنّما فسدت معه تلك اللحظات المزيّفة التي عملت على مسحها فيعود الشعور بالخوف مصحوباً بإحساسك بالتمادي وفي هذا التّمادي خاطرت بمباهجك الآنية الضئيلة التي حصلت عليها بتلك الاستعارة وأضفت إلى ما لا تملكه عدم إمكانيّة حصولك عليه مرة ثانية ولو بالاستعارة، ففي مستطاع الإنسان إذن أن تكون له استعاراته الوجوديّة الخاصة بمختلفِ طرقها حتّى ينجو من حاضر يضغطُ عليه بانهزام لا يعنيه لكنّه حلقة فيه، لكن كلّما كان ذلك ذاتيّا كان له بعد شخصيّ على مستوى المعاناة الخّاصة، بحيث تشكّلُ هذه الاستعارة مورفيناً أو محاكاة لتلك الآلام أو الحاجات وكلّما تزوّد جسد ما بهذه المادّة كحالة خاصة فإن شعوره بالألم أو الحاجة خاص وكذا بتخفيفه عن طريق وسائل المراوغة النفسيّة كالاستعارة بشرط أن يكون هذا الاستدعاء لأجل التّجاوز لا الاستقرار وإلاّ تحوّلت اللحظة العابرة إلى حالة مستمرّة من الفشل وتتحول الذّات بعدها من ذات تبحث عن وسائل علاجيّة إلى ذات مصابة على الدّوام، الأمر لا يختلف كثيراً إذا ما تحدّثنا عن استعارة الانتصار وكيف يعيشُ مع إتلافه لحقيقته، إنّها لعبة التداوي الذّاتيّة التّي توهمُ شخصاً في طرف العالم مثلاً أنّ إعادة فتح مسجد ما انتصار بينما يتوهم آخر في الطرف المقابل أنه مهزوم لذات السبب أي بتحويل كنيسة ما إلى مسجد، وفي ثنائيّة الهدم والبناء على أنقاض المهدَّم تعود الكراهية لتحتل الصدارة لأنّ شعوباً تحكمها أصابعُ العواطف الرقيقة يسهلُ استخدامها داخل مستطيل ما للجرّ عند الحاجة حينما تتراجع أسهم قبوله في بورصة الشعوب.

الشعور بالهزيمة

فهل تتعلق أوهام كهذه بشكل غير مباشر بعدم مقدرة النّاس على العيش مع الشّعور بالهزيمة؟

في عراكات الشّوارع المُنهزم لا يبرأ من ذلك الشعور سيظل محمولا به إلى أن يحاول قلبَه وعن طريق التكرار يعود إلى ذلك الصراع مع خصمه حتّى يهزمه لا لأنّه يريد أن يظهر قويّا كما نعتقد عادة لكنّه لا يستطيع أن يغفر لنفسه ذلك الشّعور بالهزيمة، فتراه لا يتراجع عن الأمر بالمقابل الطرف الذي قام بهزيمته سيعيش حالة نشوة انتصاره البكر حتّى وإن هزمه ذلك الشخص لاحقاً، سيظل يذكر نفسه ويمنّيها بتلك الحادثة بينما الآخر سيأخذ بانتصاره النّهوض أمام الذّات من ركوعها، فأكثر الأشياء اعتداء هي أن تنهزم أمام نفسك ثمّ يشعر من حولك أنّك كذلك، النّاس يأخذون شكل استجابتك لما هو ذاتيّ فيظهرون كما تشعرُ أنتَ بالرّغم من أنّهم ليسوا كذلك وما تراه هو نوع من انعكاس لداخلك فتصبح كل تصرفاتهم العفويّة فجأة لها دافعٌ ضدك، أنت الآن محاصرٌ بكَ لكنّك تعتقد بأن الآخرين هم من يفعلون ذلك، لهذا يهربُ الكثيرون من الأماكن أو الأشخاص أو الحوارات التي تجعلهم يظهرون أقلّ لأن ذلك يجلب لهم الشعور بالهزيمة قبلاً وحتّى يتجنبوا ذلك الأذى يبتعدون لكنّ الواقع لا يقول انهم يبتعدون دائماً، فهنالك أوقاتٌ يريدون فيها التخلص من ذلك الهروب أكثر من هزيمة طرف ما، فالمسألة هنا تدور حول الذّات والصراع الدّاخلي للاعتراف بها من جديد، وحينما تفشل هذه الذّات ومعها تفشل المقدرة تعود إلى التاريخ وتستعير منه مورفينا لتهدئة تلك النّدوب الوجوديّة بالقليل من الأحداث القديمة، كأن يتعذّر على طرف ما هزيمة غريمه فيذكره بأنّ جدّه هزم جد الآخر، أو أنّ طفلاً آخر غيره قد هزمه في محاولة منه بتذكيره بندوبه هو الآخر، فالمنتصر عادة ما يكون ينتقم لهزيمة ما لم يبرأ منها، كأن لا نستطيع السّفر فنلجأ لتخيّل المدن، أو لا نستطيع استرجاع الموتى فننهمك في الكتابة، هذه أمثلة عاطفيّة نوعا ما لكنها قد تقودك إلى أحداث وقعت معك اعتقدت أنها جذرية لكنّها لم تكن إلا ردّة لفعل لا تستطيع تجاوزه فتستعير طريقة الآخرين لفعل ذلك، غضبٌ مكبوت وأشياء لا يُستطاع تجاوزها بالتّقدم في العمر لأننا لم نستطع التصالح مع هزائمنا بالاعتراف بها. 

الإحساس الوهمي بالانتصار

فكيف يستطيع الإنسان أن يسميّه انتصاراً ذلك الذي لا يستيقظ في يومه الموالي على تغيير في حياته الشّخصية أو حتى الجماعيّة؟ كيف تتحوّل العاطفة إلى وسيلة مسلحة؟

يُقدم الإنسان على الإحساس بانتصار لا يخصّه أو لا يضيفُ لحياته اليوميّة شيئاً حينما يكون محملاً بالشّعور بالخذلان أمام الخسارة التّاريخيّة التي حملها ولم يكُن له يد فيها ما يسمح له بالسّقوط داخل نشوة مفقودات التّاريخ المُستعادة، فحينما يولد أي فرد في عالم تحكمُه صراعات الماضي يعجز على بناء مستقبل مستقلّ لأنّه مكتوف اجتماعياً وستحدّد هذه المجموعات في الأخير سقفاً ينتمي تحته لحوادث الأمس أكثر من أن يكُون طوبة ترفع مستوى هذا السّقف، هذه الحوادث التي ستتكوّن داخل شرنقة العواطف والتي تتغذّى بالضّرورة ممّن يحيطونه فيها ستستدعي لاحقاً وفي حادث مستقبليّ كلّ النّزعات القديمة، والخسارة التي فقدت فيها المعرفة ستعود على شكل عواطف تريد استردادها اليوم بالوهم وصناعة مقدرة مشوهة لا تحتاجُ منكَ سوى التّصفيق، الفعل عند الواهم لا ينتجُ سوى تباعيّة النتائج لأنّ عالماً من حوله شوّهت كتفاه حمُولات الهزائم، فيبدو لنا أمر مثلا مثل افتتاح مسجد آيا صوفيا انتصاراً لأجل كلّ تلك المساجد التي خسرها المسلمون، كما يبدو افتتاح هذا المسجد من الطّرف الآخر هزيمة لكلّ الكنائس التّي بناها المسيحيون، وفي هذه الثنائيّة تكتمل شروط الماضي على حساب المُستقبل، فمنذ عقود اختلطت العاطفة بمُتن الدّين وجعلت الأفراد ينغلقوُن بمشاعرهم أكثر من عقُولهم، وانطلاقاً من هذه العواطف الجيّاشة يسارعُ أيّ طرف لجرح عاطفة الآخر الدينيّة لأنّه يحمل النظرة ذاتها والعلل المعرفيّة ذاتها ويستقبل الطرف المجُروح ذلك الأمر على أنّه جرح تاريخيّ إذا ما استعاد ما فقده يكون انتصاراً لابدّ أن يحتفل به، لكن الكلّ ينسى أن الشعور بنشوة الانتصار أو الخيبة المستعارين يجعل منك غرضاً داخل مؤسسّة التكرار العريقة، لهذا ستقبل كنسخة ومن دون أيّة تحفظات على ما سيأخذك إلى مبتغاك البهيج الذي يحافظ لك على مستوى معيّن من البراهين التي تقدّمك كموجود لا كعالة، لهذا سترفض سماع الأسباب لأن النتائج تُعجبُ جراحك.

نحن والآخرون

يقول ألبيرت أنشتاين في كتابه «العالم كما أراه»، إذا ما تفكرنا بوجودنا وأفعالنا، سنلاحظُ سريعاً أنّ جميع أفعالنا ورغباتنا مُرتبطة بوجود الآخرين، إنّ الفرد كما هو عليه، أو ما يُمثّله ليس مخلوقاً فردياً تماماً كما يبدو، بل هو عضو جماعة إنسانيّة كبيرة تقود وجوده الماديّ والأخلاقيّ منذ الولادة حتّى الموت، فحتّى الشعور بالانتصار المستعار ليس شعوراً منفصلاً عن علاقته بالآخر أكثر من علاقته بالـ«أنا»،هو يعتمد على وجود الـ«هو» ويختلف لو كان انتصاراً ذاتياً مكتفياً بالـ«أنا» كما يحدثُ في النجاحات العلميّة مثلاً، ففتح مسجد أو كنيسة بالرّغم من أنّه يعني نفس الانتصار لا يحدثُ أيّة جلبة، على عكس لو كنا نتحدّث عن تحويل أحدهما من مسجد إلى كنيسة ومن كنيسة إلى مسجد، فيومياً تشيّد المساجد والكنائس لكن ذلك لا يستدعي الصّخب لأنّ الأمر في هذا السياق لا يملكُ وجودا للآخر تحت أنقاضه ليُعتبر مهزوما أمام هذا الانتصار، أي ليس ثمّة من يتداوى بانهزامه من علله التّاريخيّة، إلا أنّ الأمر سيختلف إذا ما تحدثنا عن مسجد كتشاوة الذي تمّ تدميره سنة 1844 من قبل الجنرال الدوق دو روفيغو بعد أن حرق المصاحف ثم حوّله إلى إسطبل ومن بعدها أعلن قرار تحويله إلى كاتدرائية فاعتصم ما يزيد على أربعة آلاف جزائري داخله دفاعا عنه، فتعرضوا للقتل والتنكيل بهم في ساحة الشهداء ثم قال روفيغو جملته الشهيرة: «يلزمني أجمل مسجد في المدينة لنجعل منه معبد إله المسيحيين»، من هذه الأمثلة المستدعاة تستيقظ في الآخرين الجراح الدفينة فتجدهم يغضبون أو يسعدون لأجل أشياء بعيدة عنهم لكنها في الحقيقة موجودة كتشوهات في طبقات التاريخ العميقة، إنهم ينتصرون على روفيغو وفيرناندو في عالم لا زال يعترفُ بجرائمه كانتصارات، ونجد أنفسنا معلقين دائماً من أكثر الأطراف هشاشة، وكأسماك قفزت بالخطأ «نحن» إلى الشاطئ وها هي الآن لا تستطيعُ التّمييز إن كان هذا التخبط رقصاً أم انتحاراً. 

استدعاء الهزيمة

فهل يمكن لهذه الاستعارات أن تكون مدعاة للنّجاة بالرّغم من أنها مشاعرٌ تاريخيّة قد لا تتطابقُ مع مشاعر تاريخ استدعائها؟ وإن حاولنا تبنيها في أوقات لا تعنيها هل يعني ذلك أنّنا شاركنا في استدراج أسماكنا للرقص أم للتخبط؟ متى نستعيرُ الانهزام؟

لا يستدعي الإنسان انهزامه إلا أدبياً أو فنياً عن طريق الرّواية أو الشّعر أو الأغاني واللوحات لأنّه يستثمر في هذه المعاناة فتتحوّل بدورها إلى انتصار فني عالميّ، وفي هذه الإحداثيات نعلمُ جلياً أنّ الانتصار لا يقتصرُ على مفهومه القويّ المعتاد، نحن نستعدي أيضاً الانهزام لكن لا لننهزم أمامه من جديد، جلبه لا يعني جلب نتائجهُ معه وتلكَ المشاعر واللحظات التّي رافقته كحدث فحسب بل وتحويلها إلى بطولة وإلى قوّة أيضاً خاصة إذا ما كان الأمر يتعلّق بثورات وشُعوب تمّت إبادتها، فيسطو هذا الإنسان على انهزام من سبقُوه ليستخدمهم عادة في مسرحية المعاناة، إنّه ينتصر مجدداً بأن يشعر الآخر بمدى وحشيّته وهنا تكمن قوّة الانهزام والضّعف التّي يتمّ فيها سلبَ قوّة القويّ لا عن طريق تحطيم عتاده المتطوّر أو أخذ مكانته القويّة بل بتحويل نقاط قوته إلى وسائل ضعف كلّما التزم الطرف الآخر بإدانته، لذلك قد يبدو تخبط الأسماك على الشاطئ نوعا من الرّقص إذا ما ارتبط ذلك التّخبط بإمكانية عودتها إلى محيطها، لا يمكنك أن تتخبّط لتنتصر إذا لم تحصل على تلك السرقة الوجوديّة للأنظار، إنّك تتخبط لكن أمام الملأ وهذا يعني أنه ثمّة يد وسط هذه الحشود ستعيد لكَ بحرك أو اكواريومك الخاصّ، وهنا تظهر أهمية استخدام ذلك الانهزام الذي لا يريدُ سوى تحقيق انتصار جديد في حياة تحكمها الاستعارات وتحرّكها أجسادُ شعوب اندثرت.

/القبس/

اترك رد إلغاء الرد