يضحك كثيراً.. من يضحك أخيراً

أحمد الصراف/قبس



قضية «الحرية»، سواء للبشر أو الطير أو أي كائن حي، مسألة بالغة الأهمية، والكثير يموت، أو يتخلص من حياته، إن وقع في الأسر. ولم يعرف العالم يوماً إبداعاً بغير حرية، والمسلمون ليسوا باستثناء، ففي المرحلة القصيرة والوحيدة من تاريخهم، التي شعروا فيها بالحرية، بلغوا الأوج في علوم حيوية كثيرة، وهي الفترة التي امتدت لمئتي عام تقريباً من عمر الدولة العباسية (750م ــ 1258م)، وجاء بعدها المغول والطوفان والانحطاط، واستمر حتى اليوم!


يقول الزميل سمير عطاالله إن الصين ستصبح قريباً في المرتبة الاقتصادية الأولى، وقد تكون الأولى في حقول كثيرة، وستكون قوة يحسب حسابها، لكن انتصارها سوف يفتقد الحضارة، وسيمر وقت قبل أن نعرف من هو شكسبيرهم، إذا كان لديهم واحد، ومن هو نيوتنهم، أو دافنشيهم، ومن ومن!

إن حضارة هذا العالم الذي كانت الصين خارجه، قبل ظهورها المذهل، هي مكدسات من الحضارة الإسلامية واليونانية والرومانية والجرمانية والآرية والمصرية، وغيرها الكثير. ولا شيء في حضارة الصين الكبرى يعادل مجموع هذه الحضارات. وإذا بحثنا فلن نجد سوى القليل، وهو لا يكفي إطلاقاً لتجميع شيء مثل متحف «اللوفر» مثلاً. وبالتالي فإن السباق طويل جداً وصعب بين المارد الصيني «المقلد»، والمارد الغربي «الأصيل» والمتراجع. وسوف يجد المارد أن اللائحة باختراعاته وآدابه وفنونه ضئيلة جداً مع ما تجمع لدى البشرية عبر السنين الطويلة. فمن دون لغة إنكليزية لن تقيم الصين هوليووداً أخرى أو مسرحاً آخر أو إلياذة أخرى. ولن تقيم دورة فرنسا السنوية لقهر الجبال على الدراجات، ولن تقدم مئة عام من المطربين الذين خلبوا ألباب العالم.

لا شك بأن ما لدى الصين من تراث وأدب وعلوم، ليس قليلاً، وهي بلد المستقبل، وتنافس في المستقبل لا في الماضي، ليس لديها فلاسفة ألمانيا ولا شعراء فرنسا ولا أوكسفورد بريطانيا ولا هارفارد أميركا.

إنها دولة حديثة بكل معنى الكلمة، أو في تعبير أدق، إنها دولة غريبة لم تخرج من عزلتها التاريخية إلا قبل أربعين عاماً، لتجد نفسها محاطة بآلاف الفصول من الحضارات الأخرى. يبرز الصينيون في هارفارد وستانفورد والجامعات الكبرى كأفضل الطلاب، لكن ليس هناك هارفارد أخرى في بكين حتى اليوم.

كانت الصين حضارة كبرى قائمة على فلسفة الانغلاق، وشاهدها الأهم «السور العظيم»، الخوف على الداخل والخوف من الخارج، فيما كانت الإمبراطوريات الأخرى تجتاح كل ما أمامها، وعندما وصل إليها الرحالة الإيطالي «ماركو بولو»، وجدها عالماً مكتفياً بذاته، لا يهمه أن يعرف ماذا يجري خارج حدوده، وما زال غالبية الصينيين لا يكترثون بما هو خارج بلدهم.

لسنوات طويلة قادمة ستكون في مدننا وقرانا وأسواقنا أشياء كثيرة من الصين، وبأسعار لا ينافسها أحد. لكن في المكتبات سوف تكون كتب ماو الحمراء وحيدة على الرفوف، وعليها الكثير من الغبار.



كل هذا التنافس والصراع على الريادة والقيادة يجري من حولنا، ولكن لا يبدو أنه يعني لنا الشيء الكثير، فوضع صحن فول أو بضع قطع فلافل وربطة خبز على طاولة الطعام لتسعين في المئة من الأسر العربية يأتي بطبيعة الحال قبل الاهتمام بالصراع العالمي أو موقفنا من الاحتباس الحراري، أو مكانتنا بين دول العالم، فبهذه الطريقة تم تدجين الشعوب وجعل لقمة العيش هي الأولى وهي الأخيرة في اهتماماتنا!

اترك رد إلغاء الرد