قانون المشتريات العامة الجديد يدخل حيز التطبيق اللاعبون الأقوياء مهتمون بعرقلة تنفيذ ذلك القانون

/ترجمة علاء مهدي الشهاب – الرائد نيوز/

إنها قصة مألوفة عندما يتم تمرير قانون أو إصدار مرسوم ولا شيء يتغير كثيرًا. من الناحية القانونية، يجب على أصحاب المولدات تأمين عدادات كهربائية على نفقتهم الخاصة، ولا يستطيع السائقون استخدام هواتفهم المحمولة خلف عجلة القيادة، لكن المؤسسات اللبنانية لا تفعل شيئا يذكر لضمان اتباع تلك القوانين.

ومن الممكن أن يلقى قانون عام 2021 الشامل لإصلاح نظام المشتريات والعقود العامة نفس المصير، نظرا للجهات الفاعلة القوية التي قد تكون لها مصلحة في إعاقة تنفيذه. ولكن المدافعين عن الإصلاح المالي يقولون إنهم عازمون على ضمان عدم حدوث أمر كهذا.

ويرمي القانون الذي دخل حيز التنفيذ في 29 تموز 2022 وتم تطبيقه جزئيا، إلى توحيد الإجراءات التي يجب على جميع المؤسسات العامة، بدءا من الوزارات والبلديات وصولا إلى الشركات المملوكة للدولة، اتباعها عند شراء السلع والخدمات.

قالت لمياء مبيض، رئيسة “معهد باسل فليحان”، وهو وحدة مستقلة لبناء القدرات في وزارة المالية أنشئت بالتعاون مع الحكومة الفرنسية في عام 1996 “إنه نظام جديد تماما للتعامل مع المشتريات في الدولة اللبنانية.. وجميع الكيانات التي تصرف أموالا عامة، أموال الشعب”.

وتمثل عقود المشتريات العامة هذه ما متوسطه 20 في المئة من إنفاق الحكومة المركزية. تنبع الكثير من فضائح الفساد البارزة في لبنان من صفقات شملت شركات ذات صلة سياسية فازت بعقود لتوفير خدمات تتراوح بين إدارة النفايات وبناء الطرق وتوليد الطاقة.

في لبنان، “عندما تقول ‘شراء’، فأنت تقول ‘فساد.’ فالمصطلحان متلازمان ويسيران يدًا بيد.

وأضافت المبيض “المبدأ الوحيد الأكثر أهمية في القانون هو أنه ينطبق على الجميع”.

وقال أسعد ذببيان، رئيس مبادرة غربال التي تتولى مراقبة الشفافية في الحكومة، إن الدفع باتجاه التطبيق الكامل للقانون “خلق زخما”، ولكنه لم يكن فعالا جدا حتى الآن.

“لقد تم تقديم 11 مناقصة فقط في غضون شهر ونصف”. “عندما راقبنا المناقصات التي نشرت في الجريدة الرسمية في السنة الماضية، بلغت أكثر من 1،000 في سنة واحدة؛ ولذلك فان الارقام منخفضة جدا.”

وقد أطلق غربال موقعا الكترونيا منفصلا لتتبع عقود الشراء. وقال ذيبيان أن أغلبية العقود المقدمة منذ سريان قانون المشتريات لم تتبع الاجراءات المحددة في القانون الجديد.

ومن جانبه، وصف جان العلية، رئيس هيئة المشتريات العامة الجديدة والمدير العام السابق لسلفها، مجلس المناقصات المركزي، إستجابة الإدارات للنظام الجديد بأنها “أكثر من جيدة”.

وأضاف أنه بالنظر إلى الازمة الاقتصادية في البلاد ، فإن انخفاض عدد المناقصات التى تم طرحها في البرنامج لا يدل على عدم الالتزام ، وانما على الافتقار إلى المشتريات الحكومية.

“وقال العلية لا يمكنك إحصاء عدد المناقصات اليوم لأنه لا وجود للمنح، نحن في وضع إستثنائي جدا. لا توجد عطاءات، ولا يقدم أحد المناقصات. وحتى عندما تكون هناك منح، فإن الناس لن يقدموا مناقصات من أجلها بسبب عدم إستقرار سعر الدولار واعتبارات أخرى.

ولكنه أضاف: “فيما يتعلق بالإدارة وأطراف الشراء، أنا راض فعلا عن الوضع”، ملمحا إلى أن شركتي إتصالات الهاتف المحمول الرئيسيتين في البلاد قد دخلتا النظام.

اعتراضات سياسية

قالت المبيض أنه ومع اقتراب قانون المشتريات لعام 2021 من تاريخ العمل به، تفاجأت الجهات السياسية الفاعلة من أنه يجري تطبيقه فعليا، فسارعت إلى الدفع باتجاه الاستثناءات.

وكان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قد بعث برسالة إلى رئيس الوزراء نجيب ميقاتي في 5 تموز أعلن فيها رفضه إخضاع التحالف لقواعد الشفافية والرقابة الجديدة. ولقد زعم أن قانون المشتريات يتعارض مع قانون المال والائتمان، وأن هذا من شأنه أن يلحق الضرر “بخصوصية واستقلال” البنك.

ورد عليه بأن قانون المشتريات الذي أقره البرلمان يلغي أي نص قانوني يتعارض مع أحكامه، نافيا أن يكون من شأنه الإضرار باستقلال المصرف. وفى 11 آب ، طلبت هيئة المشتريات العامة رسميا من الشركة ايداع وثائق المشتريات وفقا للقانون.

وقال ممثلون عن بنك لبنان و وكالة حماية البيئة لأورينت اليوم أن الوثائق المطلوبة قد قدمت.

في بداية شهر آب، قدمت الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي التقدمي مشروع قانون إلى البرلمان لتأخير تطبيق القانون على البلديات.

وقال النائب بلال عبد الله لأورينت توداي “قدمت مشروع قانون لتأخير تنفيذ قانون المشتريات فقط لمنح البلديات الوقت الكافي للتحضير من أجل التعامل مع هذا القانون”، وأضاف أن “هناك صعوبات معينة أمام البلديات الصغيرة لإنجاز مهمتها” وفقا للقانون.

وأشار إلى أن مشروع القانون لا يزال قيد الدراسة في اللجنة. فالبرلمان “يحاول إدخال بضعة تعديلات على قانون المشتريات العامة إلى أن تحل هذه التعديلات قضايا البلديات”.

كما عقدت بلديات أخرى إجتماعات ورفضت تطبيق القانون، بحسب ما ذكره ذبيان.

مضيفا “مقاومة تطبيق قانون المشتريات كبيرة جدا”.

كيف سيكون شكل النظام الجديد من الناحية العملية ؟

وأنشأ قانون المشتريات لعام 2021 سلطة تنظيمية جديدة – هي سلطة تنظيم تعاقد القطاع العام بأكمله، وتضطلع بدور مركزي في المناقصات من خلال منصة إلكترونية موحدة، مع ترك عملية التوزيع الفعلية لأكثر من 1000 مؤسسة محلية ومركزية تابعة للدولة. أما الباحث في المركز اللبناني للدراسات السياسية، علي طه، فيرى أن المدخل الإلكتروني هو عبارة عن بوابة إلكترونية غير أنها ليست المنصة النهائية.

قال طه: “إن نجاح برنامج المشتريات الإلكترونية هو أمر أساسي، وهو في الواقع مقياس لنجاح الإصلاح ككل، لأنه السبيل الوحيد الذي يمكننا من خلاله ضمان الشفافية ووضع معايير موحدة”.

كما ألغى القانون نظام التصنيف غير الشفاف الذي حدد الشركات التي سيسمح لها بالتنافس على العقود خلف الأبواب المغلقة. ووجد الباحثون في مبادرة السياسة، الذين درسوا مجلس التنمية والإعمار، أن هذا النظام يتيح المجال أمام مستشاري التصميم ذوي الصلة السياسية لتهيئة ظروف متحيزة لصالح شركات معينة.

ويضع القانون الجديد معايير موحدة لإجراءات التأهيل المسبق، كما يفرض معايير لاختيار موظفي الخدمة المدنية للعمل في لجان المناقصات والقبول، مما يجعل من الصعب تجميع هذه اللجان من المعارف والمقربين.

وإذا كانت الشركات المتنافسة على عرض ما تعتقد أن المعايير المستخدمة في العقد منحازة، يمكنها أن تحتج أمام هيئة المشتريات العامة الجديدة، التي تملك سلطة وقف المناقصة إلى أن تحل القضية.

ما هي العقبات المتبقية أمام التنفيذ؟

يعني التطبيق الكامل للقانون تدريب آلاف الموظفين المدنيين في مختلف أنحاء لبنان على التقنيات والإجراءات الجديدة، وهو إنجاز كبير حتى لو لم تكن الأزمة الاقتصادية التي تدمر الخدمة المدنية موجودة.

وقد يمثل هذا قضايا خاصة على الحكومات المحلية ذات الموارد المحدودة. ومع ذلك، أشارت المبيض إلى أن عقود الشراء للبلديات الصغيرة ستكون في شكل عام صغيرة لدرجة أنها لن تتحمل كامل مجموعة الإجراءات المطبقة على العقود الكبيرة. كما يمكنهم الحصول على مساعدة في الأمور البيروقراطية من خارج البلدية.

أما بالنسبة للمشاريع التي تقل قيمتها عن مليار ليرة لبنانية، فهناك إجراءات مبسطة للمشتريات بموجب القانون الجديد. كما أشارت العلية إلى أن عدة مذكرات صدرت لتسهيل تنفيذ البلديات للقانون.

وأضاف طه أنه تم بالفعل إجراء دورات ل”بضع مئات من البلديات” لتعليم موظفي الدولة نظام المشتريات الجديد والمنصة الرقمية، وأن هذه الدورات التدريبية ستستمر.

وقال طه: “يدرك [معهد الشؤون المالية] أن هناك نقصا في القدرات والمهارات التقنية لغالبية موظفي البلديات”.

كما أطلقت مبادرة غربال دورات وورش عمل في كل محافظة تستهدف المواطنين وموظفي الإدارة العامة.

ويعمل طه أيضا على إيجاد خطط لتحفيز البلديات على تنفيذ هذه العمليات الجديدة، لاسيما لتذليل عزوف الموظفين عن تعلم أدوات جديدة خارج توصيفات عملهم السابقة. وقد يتضمن هذا تسليط الضوء على الفوائد التي قد تعود على موظفي الخدمة المدنية، مثل القدرة على إستخدام الأدوات الرقمية من المنزل وبالتالي تجنب تكاليف النقل.

وقالت المبيض إن أحد المخاوف الكبيرة هو أن الاستثناءات ستحدث.

كان سلف هيئة المشتريات العامة، مجلس المناقصات المركزية يتجاوز بشكل روتيني المؤسسات العامة والبلديات والوكالات المستقلة، التي سمح لها بتجنب الرقابة من خلال إنشاء أنظمة شراء خاصة بها واستبعدت مجلس المناقصات المركزية. وفي بعض الحالات، حتى عندما كان المجلس منخرطا في مناقصة، تم تجاهل تعليقاته، التي كانت غير ملزمة، أو تتعارض بشكل قاطع مع أمر مجلس الوزراء.

في العام 2019، لم تخضع سوى خمسة في المئة من العطاءات لإشراف مجلس المناقصات المركزية، وفقا للتقرير السنوي للعام نفسه.

وقالت “إذا قمنا بالإستثناءات، وإذا ما تم التصويت وإقرار قانون يعفى المؤسسات من تنفيذ قانون المشتريات العامة الجديد، فإن هذا الإصلاح كله وهذا الجهد كله سينهار وسيثبت لبنان مجددا أنه غير قادر على الوفاء بالتزاماته”.

“إن هذا بمثابة صرخة في وجه كل برلماني يتمتع بقدر ضئيل من الضمير حين يفكر ويطلع نفسه على المخاطر التي قد تترتب على التراجع عن هذا القانون في لبنان”.



/لورينت توداي/

اترك رد إلغاء الرد