دون جوازات السفر يهاجرون من الجحيم إلى الفردوس الأوروبي…لكنهم لايصلون

/ رائد الخطيب /


لا يحلمُ الذين يتركونَ القرى الشمالية، والأحياء الفقيرة في مدينة طرابلس، وكذلك البلدات التي تحوّلت إلى شبيهاتٍ بالمدن لجهةِ الاكتظاظ السكاني، والمجتمعات المتناقضة داخل ذاتها، إلا بالفردوس الأوروبي، الذي يرونَهُ في الأفلام والمسلسلات الأوروبية والغربية عموماً، هذا الفردوس الذي يعني نقيض الجحيم اللبناني.
مراهقونَ كنّا، نخرجُ من صالات السينما بعد ساعةٍ وساعتين، ممتلئينَ بالانتقام من واقعنا، نحلمُ بذلكَ النعيم الموجود في الضفّةِ الثانيةِ من شواطئنا المتوسطية، حيث يستطيع أي مخرجٍ لفيلم سينمائي ناجح، أنْ يتلاعب ببساطة في جيناتِ خيالاتِنا، ويجعلنا متمردين، نريدُ أن نرحلَ من اللااستقرار الى الاستقرار.
الفردوس الأوروبي، ليس اقتباساً من السينما لعائلات لبنان، حينَ تفرض الدولة نكرانها لمواطنيها، وكأنّهم رعايا، الدولة تدفع هؤلاء إلى الارتماء في أحضان المجهول، البحر أقرب الطرق إلى المجهول، سوريا الدخول إليها يكاد يتساوى مع الموت، وإسرائيل تتساوى هي والموت، ودولتنا تشبهُ خالتنا زوجة أبينا، تحرمنا من كل شيء، لنترك لها الوطن: فقرٌ يتبعه حرمانٌ كبير: كهرباء وماء وغذاء، وكذلك تحرمهُ اسمه حينَ لا يكون لأحدٍ “جواز سفر”، تضيفُ اليه منافسونَ جدداً في الترحال من فلسطينيين وسوريين، لبناني وسوري وفلسطيني تجمعهم مراكب المجهول، أول الأوطان البديلة لأوطانهم المركب، هو طوق النجاة من الجحيم والصراط الذي قد يوصلهم إلى النعيم، عبور هذا الصراط أول أثمانهِ أن يدفعون العابرون كل امتلاكاتهم، لن تُستعاد أبداً، سواء عبروا إلى الموت أو الحياة.

الكاتب الغيني فران كوروما، خلال ٨٠٠ صفحة دونها في “شمسُنا”، يروي ويلات عاشها وهو يحاول الهجرة بشكل غير شرعي إلى أوروبا، عندما قرر ترك كل شيء خلفه والسعي إلى “مستقبل أفضل”.
“أرغب في سرد حكايتي ليعرف الجميع ما يحدث خلال عبور البحر. بالنسبة لغالبية الذين يصادفوننا نحن المهاجرين، فإننا عديمو القيمة”. “لا نلج إلى أي شيء، وجميع الأبواب موصدة أمامنا”.
يظن الكثيرون أن الأمر سهل وأنه يكفي للمرء أن يركب على متن زورق ليصل إلى “الفردوس الأوروبي”.

كما كان يحلمُ الذين غرقوا بالأمس، أمام الشواطئ السورية، وقبلهم كل الزوارق التي عبرت صراط الموت، كانوا يحلمونَ بالوصول إلى “الأرض الموعودة”، وحدهم الأطفال كانوا يرونَ نقطة الماء تندلفُ إلى جوفهم، هي الفردوس، يموتون عطشاً ولا يدخلونَ الأرض الموعودة.

اترك رد إلغاء الرد