من صقيع كندا إلى دفء بيروت وحنين صغبين!

الفنان سمير تماري..

الفنان التشكيلي سمير تماري. هو فنان قدير ومثقف عميق. يُقتنى فنه لبساطته من جهة، وعمق أفكاره من ناحية أخرى.


ولد في الأشرفية في بيروت «في الأيام الحلوة»، يوم كان الأولاد يلعبون لعبة «السبعة أحجار» في الطريق و»يقوّصون السقايات». «كنا نقفز إلى جنينات الأشرفية حيث الليمون والزهر والأكي دنيا وبرك المياه. حين نقطف الفواكه يخرج إلينا أصحاب البيوت صارخين بوجهنا. وكنا نضحك من هذه المغامرات الطفولية». يقول تماري، إن ذاكرته قوية جداً، وتعمل بطريقة تصويرية. كان عندما يرى مشهداً «خارج العادة، يعلّم عندي».

يحفظه وكأنّه يرى هذا المشهد قبل ساعة. يروي أنّه في أوائل السبعينات، وكان تماري صبياً، رأى رجلاً في الأشرفية متقدّماً في السن، يلبس القنباز ويعتمر الطربوش. كان الختيار يعرج، ويحمل عصا ومعه «جفت». يقف قرب بيت مبني من الخشب (قرب مركز إذاعة صوت لبنان الحالية) ويجلس على كرسي طوال النهار ليقوم باصطياد طيور السمّن في حقول «الهيش» (النبات البري كالزنزلخت) التي كانت تمتلئ بها منطقة الأشرفية حينها. ولأنّ تماري يرسم كل شيء، مرّ عليه في ذاكرته، فهو ينوي أن يرسم هذا الختيار قريباً.

تماري فنان منذ نعومة أظفاره. والدته كانت تكتب الشعر وكانت تعطيه أفكاراً للرسم. يرسم تماري للتعبير عن ذاته وأفكاره. يقول إنّه كي يرسم لوحة «لازم كون مبسوط فيها». يحب اللوحة «الحقيقية» التي تعكس واقعاً وتجربة معينة. يعتقد أنّ الناس يحبون مثل هذه اللوحات ويرون فيها الأصالة.

درس تماري في الجامعة فن الإعلانات في كندا، واشتغل على الكومبيوتر في بدايات انطلاقة هذا الجهاز الثوري. في منتصف التسعينات عاد إلى لبنان ليعمل في هذا المجال في شركة إعلانات معروفة. يومها فضّل أن يعمل في اختصاصه وليس كفنان تشكيلي، لأنّ الوظيفة كانت أفضل لتأمين الراتب الثابت. مع الوقت، تراجع العمل في مجال الإعلانات ليذهب مجدداً للفن. الفن أصلاً عنده موجود في كل ضربة ريشة على الورق والقماش.. حتى على شاشة الكومبيوتر. في العام 2010 توجّه تماري للفن بشكل كلي، وبدأ ينتج الأعمال الفنية من ذاكرته وتجاربه وأفكاره. رسم حتى اليوم مئات اللوحات الجميلة من واقعية وأخرى تجريدية. كما أقام معارض خاصة عدة وشارك في معارض جماعية.

لوحة تماري الواقعية تعبّر عن فكرة. فيها أشخاص يعبّرون عن رسالة معينة. واللافت في لوحته أنّه يرسل «نصف رسالة» للمتلقّي. فيعبّر في لوحته عن جزء من الفكرة، ويترك الباقي للمشاهد كي يكمل الفكرة بعقله. ويعطي مثلاً لعبة وصل النقاط. يحمل اللاعب القلم ويبدأ بوصل نقطة إلى الثانية فالثالثة وهكذا. ليصل إلى معرفة ما هو مرسوم في هذه الأحجية. كذلك، فإنّ لوحة تماري تعطي المشاهد بعض النقاط كي يكملها من عنده.


نوع آخر يرسمه تماري هو التجريد. تولد الفكرة من الإحساس وبالتالي يمكن للمشاهد أن يشعر بهذا الإحساس. يعتمد ذلك على نوعية الألوان وضربة الريشة. فإذا كان إحساس الفنان فرحاً يستخدم ألواناً «قوية» فيها طاقة. وهذه الألوان تسمّى «هاي كي High Key»، ويكون التضارب بينها واضحاً وقوياً، مثل استخدام الأسود القاتم والأبيض الناصع. أما إذا كانت الحالة النفسية للفنان هادئة فإنّه يستخدم في لوحته التجريدية الألوان المتقاربة، ويكون التضارب بينها بسيطاً وهادئاً، وهو ما يسمّى «لو كي Low Key». استخدام الألوان و»الكونترست» بينها هو الذي يكشف نفسية الفنان وبالتالي حالة اللوحة التجريدية.



لفتني في لوحات تماري رسمه المتكرّر في أكثر من لوحة، للذكريات والتشديد عنده على موضوع «الوقت». يشرح أنّ هذا مردّه إلى أنّه شخص «تأملي». يعتبر أنّ رأسه يشبه فيديو يتذكّر فيه كل المواقف التي مرّ فيها منذ سن الرابعة! يتذكر خصوصاً كل الأحداث الطفولية التي مرّت معه في صغبين، تلك البلدة الجميلة في البقاع الغربي وهي «ضيعة أمه». كان عندما يصل هناك يرى «الجنة». أهل القرية الطيبون والبيوت القديمة والخضرة وبحيرة الليطاني النظيفة، كلها أثّرت فيه وفي رسوماته. كذلك رسم بيت العائلة في الأشرفية، وصوّر كيف كان يتسلّل إلى «التتخيتة» ليفتش عن الأغراض القديمة.


كيف خطر على باله رسم الذكريات؟ يقول إنّه بعدما عاد من السفر، بدأ يرى جيرانه وقد مرّ عليهم الزمن. هذا المشهد أثّر فيه، فرأى أنّ الوقت يعمل في الناس كثيراً. ويعتقد أنّ «كل إنسان يولد مع تاريخ انتهاء صلاحيته». لا أحد يستطيع أن يهرب من نهاية حياته. ولا أحد يعرف متى ينتهي عمره. من الأشخاص الذين أثّروا في حياة تماري والد زوجته الراحل. كان رجلاً حكيماً ومثقفاً. كان يكرّر أمام سمير مقولة هي شعر لنقولا فياض مقتبسٌ عن شعر للأديب الفرنسي لامارتين:
أهكذا أبداً تَمضي أمانينا؟
نطوي الحياة وليلُ الموت يطوينا
تجري بنا سفنُ الأعمار ماخرةً
بحرَ الوجود ولا نَرمي مراسينا!


حفظ تماري هذه الأبيات من حَميه. لم يكن يدري لماذا كان يكرّر هذا الكلام. ليعرف لاحقاً أنّه كان يمهّد للرحيل. موت الأحبة مثل عمه ووالدته والكثيرين ممن عرفهم، جعله يرسم «محاولة إيقاف الوقت بطريقة ما». لكن هل يتوقف الزمن؟ طبعاً لا. وهذا واقع يتحدث عنه تماري في لوحاته بطريقة استعادية، فيها حنين وألوان تعيدك إلى زمن جميل، لا تراه اليوم إلّا في الفن على الجدران أو في الصور الفوتوغرافية القديمة.

/الجريدة/

اترك رد إلغاء الرد