معجم محمد الأسعد: أدوات لثقافة محرِّرة

عبر مدوّنة مقالاته في “العربي الجديد” (2014 – 2021)، تحرّك الشاعر والروائي والناقد الفلسطيني محمد الأسعد الذي يُصادف ذكرى رحيله الأولى، ضمن قوس واسع من المواضيع التي احتاجت منه إلى استخدام عُلبة أدوات فكرية وأدبية، من مفاهيم وشخصيات وحقول معرفية، يركّبها بحيث تؤدّي بعضاً من طموحه بإنجاز فعل ثقافي تحرّري.

استعمار (المخيّلة)

على وجوه عديدة، صرّف الأسعد مفردة الاستعمار. أبرزها بلا شك تعبير استعمار المخيّلة، ولكن نجد أيضاً في متنه تركيبات أُخرى مثل: استعمار الذاكرة، استعمار التسميات، استعمار الوعي (…) وغير خاف أن جميع هذه التركيبات تدور حول الفكرة التي تؤدّيها عبارة “استعمار المخيّلة”.

يعي الأسعد بحضور “استعمار المخيّلة” في ما يكتب، حتى إنه أرّخ لتلقّيه الذاتي للمفهوم، إذ يقول في مقال بعنوان “الاستعمار بوصفه استهلاكاً للصور”: “مرّ بي تعبير ‘استعمار المخيّلة’ لأوّل مرّة على هيئة عنوان مقالة للتشكيلي ستيف سابيلا، ابن القدس المُقيم في ألمانيا، يصف فيها حالة من الإحباط والهزيمة في العالم العربي، وكيف بدا له آنذاك أن الناس وقعوا في مصيدة، وأُخضعوا لشكل جديد من أشكال سلطة استعمارية لا تسعى إلى احتلال المكان والناس مادياً؛ بقدر ما تستهدف غزو مخيّلتهم وتقود إلى تشكيل نظام دولي جديد. أو بكلمة مختصرة، ما كنّا نشهده، كما يقول، هو غزو واستعمار المخيّلة، ويصيب هذا النوع من الاستعمار الناس بشلل مادّي وفكري في منتهى القسوة. فهو يقيّد النمو ويلغي كلّ فكرة عن الحرية الشخصية”.

يعي الأسعد بحضور “استعمار المخيّلة” في ما يكتب، حتى إنه أرّخ لتلقّيه الذاتي للمفهوم، إذ يقول في مقال بعنوان “الاستعمار بوصفه استهلاكاً للصور”: “مرّ بي تعبير ‘استعمار المخيّلة’ لأوّل مرّة على هيئة عنوان مقالة للتشكيلي ستيف سابيلا، ابن القدس المُقيم في ألمانيا، يصف فيها حالة من الإحباط والهزيمة في العالم العربي، وكيف بدا له آنذاك أن الناس وقعوا في مصيدة، وأُخضعوا لشكل جديد من أشكال سلطة استعمارية لا تسعى إلى احتلال المكان والناس مادياً؛ بقدر ما تستهدف غزو مخيّلتهم وتقود إلى تشكيل نظام دولي جديد. أو بكلمة مختصرة، ما كنّا نشهده، كما يقول، هو غزو واستعمار المخيّلة، ويصيب هذا النوع من الاستعمار الناس بشلل مادّي وفكري في منتهى القسوة. فهو يقيّد النمو ويلغي كلّ فكرة عن الحرية الشخصية”.

ويتابع: “يبدو أنني كنتُ مهيّأً لالتقاط دلالة هذا التعبير ومدلوله من تجربة بصرية كنت أمرّ بها؛ أعني تجربة إعادة قراءة رسوم الفنّان ناجي العلي، ابن قرية الشجرة في الجليل الفلسطيني، في ضوء تشكّل صورة ‘الفلسطيني الجديد’، الفلسطيني السعيد بوظيفة السقّاء والحطّاب التي منحه إياها المستعمِر الصهيوني. كانت رسوم ناجي الكاريكاتورية تحرّر المخيّلة من استعمار مماثل لما تحدّث عنه سابيلا”.

بهذا المفهوم بات الأسعد يقرأ النصوص والصور والممارسات والوقائع، وهي جميعها مرتبطة لديه بحبال سرّية كثيراً ما يسعى لكشفها، كإشارته هذه في مقال وسمه بـ”نهاية استعمار المخيّلة”، يقول فيه: “حين تم تشويه الخريطة الفلسطينية، وتمت تسمية ما نسبته 80% من أرض فلسطين باسم المستعمرة المقامة عليها، ‘إسرائيل’، بدأ تشويه الوعي الفلسطيني، وبدأ استعمار مخيّلته بعد أن اكتمل استعمار أرضه أو كاد”.

ولكي يبيّن خطورة “استعمار المخيّلة”، يتابع قائلاً: “المستعمرات الصهيونية حين تقام على الأرض تظلُّ هشّة ويمكن إزالتها بوسيلة أو بأُخرى، طال الزمن أم قصر، ولهذا السبب عمل الصهاينة منذ بداية استعمار فلسطين على زرع مستعمراتهم في الأدمغة، في عقول مواطني الشعوب الأوروبية والشرقية، وعقول العرب على اختلاف جنسياتهم وأقطارهم، بل وفي عقول الفلسطينيين. فألصقوا بأرضنا وملامحها أسماءهم، وانتقلت هذه الأسماء إلى وعي الآخر الفلسطيني، والعربي بعامة، وبقية شعوب الكرة الأرضية”.

إعادة الآثار

اهتمّ الأسعد أيّما اهتمام بقضية استعادة المستعمرات السابقة لآثارها المعروضة في متاحف المدن الغربية. تابع تلك القضية كما يتابع صحافي حدثاً تتتابع عناصره، منذ إرهاصاتها الأولى في 2018 (مقال: “فرنسا وكنوز أفريقيا: مراجعة في دفاتر كولونيالية”). ثم ظلّ يواكب كلّ جديد في هذا السياق ويكتب عنه، كيف لا وقد جاءت هذه المطالبات مثل تلبية خفية لهاجس يسكنه حول ضرورة استرجاع الأمم المنهوبة لتاريخها، أثراً ورواية.

الترجمة

إلى جانب ممارسة الترجمة، شعراً وسرداً (نشر على صفحات “العربي الجديد” خصوصاً عشرات الترجمات الشعرية من جغرافيات متنوعة)، قدّم الأسعد رؤية نقدية للترجمة في سياقها العربي، ودعا أكثر من مرّة لتغذية هذه الممارسة بالجهود التنظيرية التي تُزهر في بيئات بحثية شتّى، وما ذلك إلّا لجعل الترجمة أكثر من عملية نقل للنصوص الأجنبية، أي وضعها في تلك المنزلة التي ينبغي لكلّ الأجهزة الثقافية أن تبلغها؛ أن تكون أداة مقاومة.

نقرأ رؤيته لمشهد الترجمة في الثقافة العربية في فقرة كهذه: “حتى الآن ما يزال مفهوم الترجمة في الوسط الثقافي العربي سجين نظرة تقليدية؛ إنه نقلُ نصّ من لغة المصدر إلى لغة الهدف، للاستفادة كما يقال عادة من ثمار الثقافات الأجنبية، أو للدلالة كما شاع منذ زمن قريب على أن ثمّة تطوّراً ثقافياً مع تزايد كمية الكتب المترجَمة (…) ما زالت الترجمة إلى العربية، أو الكتاب المترجم، بعيدة عن أيّ نوع من أنواع المقاربات التي تشغل بال المثقفين في القاّرات الأُخرى. هناك، يبحث عدد من الكتّاب في موضوعات تتراوح بين تقديم تاريخ نقدي للترجمة، وإعادة التفكير في الترجمة، وبين تحليل لمفهوم الترجمة كأداة أيديولوجية أو أداة تغيير أو مقاومة. أي أن الكتاب المترجَم باختصار يُعدّ سلاحاً في الأزمنة الحديثة، لا يقلّ أهمية عن الأسلحة المستخدمة في حرب استعمار المخيّلة والوعي بمختلف أنواعها، أو في تحرير المخيّلة والوعي”. ولعلّ خلاصة فكر الأسعد حول الترجمة يدور حول هذه الفكرة: “أن تترجم، معنى هذا أن تقاوم”.

الثقافة المحرِّرة

بهذا المفهوم الجامع يصف الأسعد ما ينبغي أن تقدّمه النُّخب لشعوبها، خصوصاً تلك التي وضعتها السياقات التاريخية تحت طائلة القهر والطغيان والاستلاب. لكن للأسف كان يلاحظ أن نفس تلك النُّخب كثيراً ما تتخلّى عن هذا الدور بإنتاج الثقافة المحرّرة لتسقط في التزييف والتهريج والتكرار.

يقول: “أجملُ ما في الثقافةِ المحرِّرة، سواء مَثُلتْ في قصيدةٍ أو روايةٍ أو مقالةٍ أو أغنيةٍ أو حديثٍ أو عنوان معركةٍ، أنها تعيدُ تصويبَ بوصلة الوعي التي تصابُ بالخلل أحياناً، فتسدّد النظرَ والملكات العقلية والأخيلة والأحلام والوقائع، نحو اتجاهٍ غابتْ عنه أو غاب عنها”. أما نموذج المثقّف المحرِّر الأبرز في ثقافتنا العربية، بالنسبة للأسعد، فهو ناجي العلي، ولطالما وصفه بشكل صريح بعبارة “المثقف المحرِّر” أو “الفنان المحرِّر” تأكيداً على نموذجية رسام الكاريكاتير الفلسطيني، وربّما تكريساً للمفهوم في الأذهان.



دوستويفسكي وشكسبير

قدّم الأسعد، من خلال الترجمة السردية، ما يُشبه مكتبة هدفها تغذية المُثل التي تسكن ما يكتب (المقاومة، والفكر النقدي، وتجاوُز الاستلاب…). مكتبة صغيرة بلا شكّ، فهي تضم ّعدداً قليلاً من الروايات المرجعية، لكنها أشبه بترشيحات لتهذيب المخيّلة وتنشيط الوعي.

نجد في هذه المكتبة “مزرعة الحيوان” لـ جورج أرويل، و”مدن غير مرئية” لـ إيتالو كالفينو، ولم يكن الأسعد ليفوّت الاحتكاك بنص أحد أعمق الروائيِّين، فيدور دوستويفسكي، فانتقى للقارئ العربي من أعماله رواية “الشياطين”، وفي تقديمها كان كمن يبتغي تقديم درس في الترجمة، فما ينقله لقرّائه ليس حكايات كيريلوف وسترافروغين وشاتوف (شخصيات أساسية في الرواية)، وإنما أساساً تلك التقنيات الجديدة التي أدخلها الكاتب الروسي للأدب، وأبرزها تعدّدية الأصوات بحيث نلامس الشخصيات كأنها تفكّر وتحسّ بذاتها، وليس مجرّد دمى يحرّكها الكاتب أو أنها ظلال لأفكاره ورغباته، وهو جانب يقدّره الأسعد بشكل لافت، ونلمس ذلك أيضاً في فهمه لشكسبير الذي كتب عنه في أحد مقالاته: “الصعوبة مع شكسبير تنبع من أنه لا يتكلّم أبداً، شخصياته هي التي تتكلّم. ولا تستطيع أن تثبته وتجبره على التلاؤم مع ظنونك. قد يكون لشخصياته وجهات نظر سياسية ومعتقدات، ولكن ليس شكسبير”. وبحسب زوجته: فإنه رحل وهو يعمل على ترجمة “الأبله” التي لم تكتمل.

سابا جورج شبر

من بين الشخصيات الفلسطينية التي اجتهد الأسعد في تقديمها، أو بالأحرى إحيائها، يأخذ المعماري سابا جورج شبر موقعاً خاصاً، وهو الذي سمّاه بـ”مصحّح مسارات المدينة العربية” حيث يضيء الأسعد في أكثر من مقال الفكرَ – ليس العمراني فحسب – الذي طرحه المعماري الفلسطيني.

كما أنه كشف عن شبر كقارئ للتراث أعاد قراءة ابن خلدون من زاوية جديدة. يكتب الأسعد في هذا السياق: “نحن نعرف ابن خلدون عالم الاجتماع وصاحب نظرية نشوء وانحطاط الحضارات، ولكن شبر هو الأول، على حدّ علمنا، في إضاءة وجه مهمّ من وجوه الشخصية الخلدونية في دراسة لمّاحة نشرها بالإنكليزية”، ويفصّل الأسعد هذه القراءة مبيّناً كيف يعيد شبر الحياة إلى صاحب “المقدّمة”، من خلال إبراز وجاهة بعض أطروحاته في سياق المعاصرة، كما يُظهر تناقض المبادئ التي تركها حول تخطيط المدن مع ما نجده في المدن العربية الحديثة التي نمَت بسرعة دون أن تكون أمكنةً مريحة لساكنيها.


قصيدة النثر

ترك الأسعد أيضاً رُؤاه في قصيدة النثر العربية، ففي مقال بعنوان “الشعرية والقارئ: طائرة ورقيّة أفلتت من يد” يرسم مسار تطوّر الشعر العربي وصولاً إلى قصيدة النثر، عبر مقاربة تربط بين التحوّلات الشكلانية للنصوص والأفق المتحرّك للقِيم الثقافية.

يقول: “منشأ التطريب هو البناء على المألوف، إيقاعاً وصوراً. المستمع يستطيع إكمال العبارة قبل أن ينطقها الشاعر في غالب الأحيان بمجرد معرفته أو إحساسه بالمذهب (الوزن). والسبب هو أن الشاعر يخاطب هنا صيغاً مركوزة في ذاكرة المستمع (مذهباً وفكراً)، وحتى إذا حاد عنها قليلا يظلُّ مربوطاً بها مثل البندول جيئة وذهاباً، ممّا يساهم في استنهاض قدرة المستمع على استكمال المعنى والصورة الثابتة من حيث الجوهر والاهتزاز طرباً”.

أمّا في قصيدة النثر، فـ”كلّ شيء يجري عكس هذا أو ضدّه بالأَحرى. فالتطريب مفقود لأن الشاعر يقطع الخيط الذي يشدّه إلى الصيغة المألوفة، ولا يعود يتذبذب مثل بندول الساعة، بل يتحرّك مثل خيط في فضاء. إنه طائرة ورقية، أفلتت من يد المستمع وما عاد يدري أهي طائرة ورقية أم عقاب تائهٌ أم غيمة”.

يدقّق هذا المعنى فيضيف: “شاعر قصيدة النثر لا يدفع بصورٍ مكتملة، أو أفكار تسمح للمستمع بالزهوّ أو الاعتزاز بقدراته، بل بصورٍ تبدو منبتّة الصلة بكلّ ما يعرف، لا حدود لها وتحويراتها وانحرافاتها لا قاعدة مفهومة لها”.

قصيدة الهايكو

تأخذ قصيدة الهايكو اليابانية مساحة واسعة من مدوّنة الأسعد في قضايا الشعر، وإلى جانب محاولة تأصيلية بالعودة إلى ينبوعها الياباني، كثيراً ما عبّر الناقد الفلسطيني عن عدم رضاه بواقعها العربي مع كثرة استسهال ركوبها.

في طيّ مقالاته، يكاد الأسعد أن يكتب تاريخ الهايكو في الثقافة العربية حيث يُشير إلى ظهورها الأوّل، كمصطلح وكممارسة، وكيف تحوّلت إلى موضة أدبية، أو كيف أنها لم تستقرّ على تسمية يأنس بها الجميع. أما خلاصة القول لديه فهي أنها “ما زالت موضع تجربة هنا وهناك، يكتبها بعضهم، ويتصدّى بعض آخر لها بالتنظير، ترجمة أو رجماً بالغيب”. ويضيف: “هذه القصيدة اليابانية التي يُقبل على كتابة صيغةٍ عربيةٍ لها في هذه الأيام عددٌ متزايد من الشعراء والهواة العرب، وتتشكّل لها منتدياتٌ، وتُقام مؤتمراتٌ، لم تعُد مجرّد نزوةٍ عابرة، أو غيمة صيف في السماوات العربية، بل تحوّلت إلى حديثِ مئات الكتّاب والشعراء، بين مُمجّدٍ لها، أو باحثٍ في أصولها، أو مترجمٍ لها من لغات أخرى، أومنتقدٍ، أو مستخفٍّ بها، أو ساخرٍ منها وممن يكتبها. حتّى ليحسبها الإنسانُ موجةً بين موجات الشعر العربي المستجدّة، تعلو حيناً وتهدأ أو تتموّج وتتنقل بين هذه العاصمة أو تلك”.


علم الآثار

بوجه ما، نذر الأسعد قلمه لتفنيد إسرائيليات علم الآثار، ففي عدد غير قليل من مقالاته يعمل على تبيين كيف تعمل آلة التلفيق تحت أغطية العلم، حيث يُنبّه إلى دسّ القِطع الأثرية أو إسقاط القراءات من أجل تطويع الأرض لرواية المغتصِبين. هناك أطروحة أساسية يدافع عنها الأسعد باستمرار “الجغرافيا الفلسطينية ليست توراتية” (عنوان أحد مقالاته)، ومن هنا دعواته لتطوير رؤية عربية جديدة لعلم الآثار، وصولاً إلى دعوة صريحة بـ”عِلم آثار بديل لأساطير المستشرقين”.

يشرح الكاتب الفلسطيني لقرّائه كيف يشتغل التلفيق من داخل “علم الآثار”، فيكتب: “إن المتابع لأعمال الآثاريّين والفضوليّين يُلاحظ ظاهرة تتكرّر مرّة بعد أُخرى؛ إذ يندفع أحدهم، ومعه الصحافة و”علماء” متخصّصون بالتلفيق والتخيُّل، نحو نسبة هذا الأثر أو التلّ أو المبنى إلى حدث أو حكاية توراتية، ثم يتمّ تقويض ما تخيّله ولفّقه على أيدي علماء أكثر دقّة وصرامة بعد أن تكون الكثير من المغالطات قد تسرّبت للمعطيات التاريخية المتداولة”.

ناجي العلي

في مقالاته في “العربي الجديد”، سجّل الأسعد شهادات متفرّقة عن حياة ناجي العلي من تقاطعات حيّة معه. مرّة يذكر حوارات دارت بينهما، ومرّة يُضيء محيطه، أو شيئاً من تفاصيل تقنية حول تجربته، من ذلك نقرأ: “في يوم من أيام عام 1985، أي قبل وقت قصير من رحيله عن الكويت واستقراره في لندن، دعاني الفنان الشهيد ناجي العلي إلى زيارته والتعرّف على تجربة جديدة بدأ يقترب من حافاتها، ويودّ خوضها؛ تلك هي الرسم بمادّة النفط، أو بمادة “الزفت” الثقيل المستخرَج من النفط. (…) هنالك خطوطٌ تحيطُ بالكتل والأجساد وتنحتُ لها مكاناً في الفضاء، ولكن ألوانها تتراوح بين البرتقالي والبنفسجي والأحمر الخفيف وشيء من أخضر شفّاف. كلّ هذا بدا مفاجئاً بالنسبة إليّ، وتبادر إلى ذهني سؤال عاجل:

– كلّ هذه الألوان من تلك الكتلة المُعتِمة؟ من الزفت؟

أجاب ناجي وهو يواصل تأمّل لوحاته:

– نعم… أخرجتُ من هذه الكتلة الرخيصة كلّ هذه الألوان… ولكنّني ما زلتُ في طور التجريب…”.

ولك أن تقرأ أيضاً له من شهاداته عن ناجي العلي، مقالات مثل: “متى وُلد حنظلة؟” و”ناجي في غرفة العناية المركّزة”.

النكبة

في مناسبة مثل الذكرى السنوية للنكبة، لا يفوّت الأسعد الفرصة كي يؤكّد أن النكبة الحقيقية ليست خسارة المعركة العسكرية، بل هي خسارة المعركة الذهنية والنفسية. كتب في ذكرى النكبة عام 2016: “النكبة، بالمعنى الحقيقي للنكبة، نكبة الوعي، هي التي أسّست لما رافقها وجاء بعدها من اقتلاع لسكّان القرى والمدن الفلسطينية، وتغيير علائم الجغرافية الطبيعية، بعد أن تغيّرت علائم الجغرافية الثقافية، مفاهيمَ وأخيلة وتصوّراتٍ”.

يضيف: “في الزمن الراهن، لم تتغيّر وسائل الفتك بالمخيّلة والوعي، ولا توقّفت عن التمدّد في الفضاء العربي، بل أصبحت تشمل ‘الخطاب السياسي’، ومثاله خطاب ‘أوسلو’ الذي أضاف خرافة أخرى إلى خرافات آخر الزمان، الوعد بدولة وعاصمة وما إلى ذلك، وأصبحت تشمل اختراع رواية يتحوّل فيها المستعمِر الهمجي إلى ‘شعب’ مجاور، وتحويل ‘الوطن’ إلى مجرّد مكان إقامة شأنه شأن أي مكان آخر في العالم، وتفكيك الروابط الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية بين أبناء الوطن الواحد، وتحويلهم إلى شراذم وتجمّعات تشبه أكوام الرمل تقلبها الرياح ذات اليمين وذات الشمال”.

خلاصته عن الترجمة “أن تترجم، معنى هذا أن تقاوم”

ليبلغ مقولته النهائية: “هذه هي نكبة النكبات المتواصلة؛ أن ينتقل استعمار الجغرافيا إلى استعمار الوعي والخيال، بأمواج متوالية تجرف كل ما تبقى للإنسان العربي، والفلسطيني بخاصة، من مفاهيم وتصورات وقيم يدافع فيها الإنسان عن نفسه وبيته وأهله بالحد الأدنى”.

وفي مقال آخر، بعنوان “ذكرى الحاضر.. من استعمار الجغرافيا إلى استعمار الوعي”، صدر في ذكرى النكبة عام 2018، كتب: “إن نكبتنا أدبياً وفنياً وثقافياً هي ما احتاجت وتحتاج إلى استقصاء وبحث عن معناها مجدّداً في كل منعطف مرّت وتمرّ به قضية استعمار فلسطين، وما أكثر المنعطفات التي شهدتها. يتّضح هذا فور أن نتذكّر أن تحرير العقل والمخيّلة من سطوة روايات وأساطير ومفاهيم المستعمِر الصهيوني وسماسرته تقعُ في مقدّمة أولويات الكاتب والشاعر والروائي والفنّان العربي، وبمختلف الوسائط، سواء كانت الكلمة أو الصورة أو الأغنية أو القطعة الموسيقية”.

كالفينو

كان آخر ما نُشر للأسعد على صفحات “العربي الجديد” سلسلة ترجمات تغطّي كتاب “مدن غير مرئية” للمؤلّف الإيطالي إيتالو كالفينو. لم تكن علاقة الأسعد بهذا الكتاب مجرّد علاقة بين مترجِم ونصٍّ أعجبه في لغة أُخرى، بل لقد تحوّل “الكونسيبت” (المفهوم) الذي انبنى عليه كتاب كالفينو إلى طريقة نظر للأشياء، فقياساً على مدن كالفينو غير المرئية، قدّم الأسعد تنويعات على هذه الصيغة.

فمرّة تحدّث عن “كتب غير مرئية”، وكان الحديث عن عمل كالفينو بالذات بوصفه نصّاً غير مرئي في الثقافة العربية رغم أنه مترجَم إلى لغتها، والسبب أن مترجميها، بكلمات الأسعد، “تقع ثقافتهم خارج نطاق مشاغل ثقافة ما بعد الحداثة، أي ثقافة كاتبها، وانشغاله بأزمة ‘تمثيل’ الواقع بالكلمات والرموز”.

كتب أيضاً عن “بشر غير مرئيين”، ويعني بهم سكّان الوطن العربي فقد “أصبحوا غير مرئيين، بالنسبة لغيرهم، وأصبحوا كذلك بالنسبة لأنفسهم أيضاً في العقود الأخيرة”، يفصّل ذلك فيقول: “من يرجع إلى الأمس، يكتشف أن الرحّالة والسياسي والجنرال وعالم الآثار الغربي كان طيلة العقود الماضية يتصرّف وكأن ‘العربي’ كائن لا وجود له، أو هو كائن ‘غير مرئي’. والسياسي والجنرال حين رسما بالقلم والمسطرة كيانات الدول العربية، لم يخطر ببالهما أنهما كانا يقومان بتقطيع أرض تسكنها مجموعات بشرية، بل كانوا يفعلون ذلك وكأنهم يقومون بتقطيع قطعة جبن إلى شرائح”، ومن ثمّ يلاحظ “انتقال هذا العمى إلى العربي نفسه”، ربّما بسبب استهلاك كلّ ما هو غربي، بحيث “تحوّل حتى مُواطنه الذي يساكنه ويعيش بجواره إلى كائن غير مرئي؟ ثمّ ألا يفسّر هذا العمى هذه المذابح المجّانية القائمة هنا وهناك؟”.

/العربي الجديد/

اترك رد إلغاء الرد