تقرير عن تكلفة تواتر انقطاع الانترنت في لبنان: 14 مليون دولار خسارة يومياً مؤثّرة اقتصادياً

/رائد الخطيب_رئيس تحرير الرائد نيوز/


حصلت “الرائد نيوز”، على نسخة ملخصة عن التكلفة المباشرة وغير المباشرة لتواتر انقطاع خدمات الانترنت في لبنان، صادرة بتاريخ 19 أيلول الجاري عن Internt society_lebanon chapter، تظهر الدراسة أنّ هذه التكلفة تؤدي إلى خسارة يومية تقدّر ما بين 10 إلى 14 مليون دولار، مشيرةً إلى أن استمرار هذه الانقطاعات سيؤدي إلى تحولات كبيرة في مجمل النشاطات الاقتصادية والاجتماعية وفي الخدمات الحكومية.

ملخص تنفيذي
يكلف انقطاع الانترنت ليوم واحد اقتصاد لبنان نحو 10 مليون دولار. هذه الخسارة اليومية تقارب تكلفة تزويد محطات الإرسال بالديزل لمدة 6 اشهر بالأسعار المتداولة.
أكثر الأعمال الخاسرة من الانقطاعات هي تلك الصغيرة والمتوسطة وهي أغلب النشاطات الاقتصادية في لبنان. تتصاعد الخسارة مع زيادة فترات وإيام الانقطاع التي تدفع المؤسسات إلى اختيار مواقع عمل خارج لبنان.


يبقى قطاع الاتصالات رابحاً يدر إيرادات لخزينة الدولة بحسب الميزانيات المعتمدة، حتى قبل رفع الأسعار في تموز 2022، ولا مبرر بالتالي لانقطاع تزويد محطات الإرسال بالديزل رغم انهيار قطاع الكهرباء في البلاد. لا يمكن من منظور الخدمة العمومية مقاربة مؤسسة أوجيرو وشركات الخلوي كل على حدا، فهذه المؤسسات جميعها في النهاية حكومية وهي تتشارك في أغلب محطات الإرسال وفي مولدات الطاقة التي تغذيها.


_مع انهيار أسعار الصرف والتضخم، انخفضت القيمة الفعلية لأجور مشتغلي أوجيرو كما أجور جميع العاملين في القطاع الحكومي.

مقدمة
تتزايد وتيرة انقطاعات خدمات الانترنت في لبنان، سواء عبر الخطوط الأرضية أو الهواتف الخلوية، أحياناً في مناطق دون غيرها وتارة عن كافة أنحاء البلاد. الحجج المقدمة هي فقدان التيار الكهربائي عن محطات الإرسال المحلية، سواء من الكهرباء العامة أو من جراء نقص تغذية المولدات بالفيول، أو الإضرابات في مؤسسة أوجيرو، مشغل البنى التحتية. فما تبعات وتكلفة هذه الانقطاعات على السكان والاقتصاد والخدمات الحكومية الأخرى؟.

الانترنت خدمة عامة أساسية
مع تطور خدمات الاتصالات تطور الوعي العام في جميع البلدان كي تضحى الانترنت خدمة عامة أساسية، مثلها مثل مياه الشرب والكهرباء والصحة والتعليم، وقد اهتمت كثير من الجهات بتداعيات انقطاع هذه الخدمة، خصوصاً وأن هذا الانقطاع كان في بعض الحالات مقصوداً من قبل السلطات الحكومية.


إحدى أولى الحالات كانت تلك في مصر إبان انتفاضة 2011 حين تم قطع الخدمة لخمسة أيام متواصلة، فقدّرت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD تكلفته على الاقتصاد على المدى القصير حينها بـ 10 ملايين دولار يوميا. أي ما بين 3 و4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على مقياس سنوي.


هذا عدا التداعيات المتوسطة الأمد والتبعات الاجتماعية التي دفعت، مع منع الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى ارتفاع حدة التظاهرات إلى ذروتها، لكنه تم انتقاد منهجية هذه الدراسة لأنها لم تأخذ بالاعتبار الآثار الاقتصادي العامة وغير المباشرة الناتجة عن الانقطاع. تبع ذلك حالات أخرى، مثل بعض الولايات في الهند، التي شهدت أكثر من 16 ألف ساعة انقطاع في الانترنت بين 2012 و2017 كلفت أكثر من 3 مليارات دولار.

التكلفة الاقتصادية لانقطاع الانترنت
طور مركز بروكينغز أسلوب تقدير تكلفة الانقطاع، انطلاقاً من حصة اقتصاد الانترنت في الناتج المحلي. ووصل إلى أن هذه التكلفة بلغت عام 2016 ما قيمته 968 مليون دولار في الهند، و465 مليوناً في العربية السعودية و320 مليوناً في المغرب أكثر البلدان تأثراً حينها. تبع ذلك تطور آخر في الأسلوب لمكتب ديلويت الاستشارية الذي ميز بين مجموعات الدول حسب درجة انخراطها في الاقتصاد الرقمي، فكلما زادت درجة الانخراط كلما توسع الأثر، أكمله مركز CIPESA الإفريقي” مضيفاً تقديراً لآثار فقدان الثقة بالاقتصاد الرقمي والخسارات في توفير التكاليف على الشركات المحرومة من الوصول إلى الإنترنت”. ما قاد جمعية Netblocks، التي ترصد الانقطاعات عالمياً، وأغلبيتها مقصودة، إلى طرح هذا النموذج الأخير لتقدير تكلفة الانقطاع على كافة البلدان على الخطة: تكلفة إغلاق الإنترنت الوطنية = الناتج المحلي الإجمالي الوطني المدة (تقاس كنسبة مئوية من السنة بناء على عدد الأيام التي تم فيها إغلاق الإنترنت) مدى الاقتصاد الرقمي (يقاس بنسبة اقتصاد تلك الدولة المستمدة من الاقتصاد الرقمي) + التأثير المضاعف للاقتصاد الرقمي المعطل.


هكذا تقدر Netblocks تكلفة انقطاع الانترنت ليوم واحد في لبنان عام 2021 بنحو 15 مليار ليرة لبنانية، أي 10 مليون دولار انطلاقاً من سعر الصرف الرسمي (1507 ل ل للدولار الواحد)، مع تقدير مدى الاقتصاد الرقمي بـ0.04. كذلك ثقدّر تكلفة انقطاع أيا من خدمات واتساب، أنستاغرام (2.20 مليون مستخدم في لبنان)، يوتوب (5.06 ملايين مستخدم في لبنان)، فايسبوك (3.15 ملايين مستخدم في لبنان) أو تويتر(489 ألف مستخدم في لبنان) ليوم واحد بـ534 ألف دولار.


ويقترب هذا التقدير من ذلك الذي يمكن استنتاجه من أسلوب ديلويت Deloitte، الذي يعطي وسطياً تكلفة انقطاع يومي 23.6 مليون دولار لكل 10 ملايين من السكان في البلدان العالية التواصل بالشبكة؛ أي ما يعادل 14 مليون دولار لتكلفة الانقطاع اليومي بالنسبة للبنان تقوم طريقة التقدير هذه على اعتماد “عامل مرونة انترنت” معرف بأنه مرونة معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي نسبة إلى سرعة الحزمة العريضة broadband، بما فيها الثابتة والخلوية، وقد تم تقدير هذه المرونة في دراسات اقتصاد قياسي econometric شملت عدداً من البلدان”.


واللافت أن هذين التقديران للخسارة الناتجة عن انقطاع الانترنت ليوم واحد في لبنان، أي بين 10 و14 مليون دولار، يقاربان تكلفه القبول اللازم لشركة أوجيرو لتشغيل جميع مولدات محطات الإرسال المنتشرة في المناطق اللبنائية لمدة 6 اشهر.


إلى ذلك، قامت مراكز أخرى بتقديرات تكلفة الانقطاع في بلدان إفريقية”، تأخذ بالاعتبار التأثيرات المباشرة وغير المباشرة، انطلاقاً من أن حصة الاقتصادي غير النظامي في هذه البلدان كبيرة. ووصلت هذه التقديرات إلى أن الكلف غير المباشرة توازي في قيمتها الكلف المباشرة وإلى أنه تصل في بلدان مثل الكاميرون وجمهورية الكونغو الديموقراطية وأوغائدا إلى ما بين 1.7 و2 ملياري دولار يومياً. هذه الدول توازي في ناتجها المحلي الإجمالي ذلك للبنان (بعد الأزمة، أي بين 20 و35 مليار دولار)، إلا أن نسبة الولوج penetration إلى الهاتف الخلوي والانترنت وحضة الاقتصاد الرقمي فيها أضعف بكثير من ذلك في لبنان.

القطاعات الاقتصادية الأكثر تأثراً بانقطاع الاتصالات نمو الإيرادات الكلية والانترنت
أبرزت دراسات تأثیر انقطاع الانترنت أن أكثر القطاعات الاقتصادية تأثراً” هي تلك المرتبطة بالتجارة والخدمات الالكترونية، والأعمال والاستشارات العابرة للدول، وكذلك التعليم والصحة والسياحة والإعلام والخدمات الحكومية الأخرى، في حين يبقى التأثير محدوداً على المصارف (التي تعتمد على شبكات خاصة بها. الشركات الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر تأثراً.


تشير التقديرات الحالية إلى أن حجم الاقتصاد الرقمي في لبنان قد بلغ نحو مليار دولار في 2021، مع قفزة كبيرة من جزاء أزمة وباء الكوفيد 19.
ويتوزع هذا الاقتصاد الرقمي على عدة نشاطات، أهمها: التجارة الالكترونية للالكترونيات ووسائط الإعلام (%23) والتجارة الالكترونية في مجال الأزياء (%22).


يعني ذلك أن انقطاع الانترنت ليوم واحد يخلق خسائر مباشرة لإيرادات الاقتصاد الرقمي وحدها بنحو 3 ملايين دولار على الأقل.
ما يعني أن تقدير الخسارات المباشرة وغير المباشرة من الانقطاع بين 10 و14 مليون دولار لليوم الواحد واقعي، علماً أن هذه الخسارات تزداد بسرعة مع تعدد أيام الانقطاع.

بين الانقطاع المحدود والانقطاعات المتعددة
يمكن للشركات والأفراد والخدمات العامة أن تتعامل مع الانقطاعات الجزئية للانترنت والاتصالات بتأجيل بعض النشاطات إلى الفترات التي تعود فيها الخدمة، إلا أن تواتر الانقطاعات واستمرارها تعطي آثاراً تزداد بصورة متسارعة، أوسع بكثير من آثار الانقطاع المؤقت.
إذ تؤدّي الى انخفاض الإنتاجية والفعالية وتحول تدريجي في نموذج عمل الشركات إلى وسائل بديلة. كما تؤدي إلى فقدان الثقة بمناخ الأعمال وإلى خفض الاستثمارات. كي ينتهي الأمر إلى خروج الشركات وتموضعها في بلدان أخرى.


من ناحية أخرى، لفت تقرير حديث لمفوضية حقوق الإنسان موجه للجمعية العامة للأمم المتحدة إلى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة و”الخطيرة” لانقطاع الانترنت والاتصالات ووضع الحكومات والشركات ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الداعمة للتنمية أمام مسؤوليتها في هذا الخصوص.

تغذية محطات الإرسال بالكهرباء
لا يبدو أن خدمة الكهرباء العامة في لبنان ستجد حلا لها على المدى القصير والمتوسط، بالرغم من مبادرة البنك الدولي والاتفاق مع مصر والأردن وسوريا على توريد الكهرباء والغاز. بالتالي سيبقى تأمين هذه الخدمة مبنياً على المولدات المغذاة بالفيول (الديزل). في السابق، كانت أوجيرو كما شركات الخلوي تحصل على جزء من الكهرباء اللازمة لتشغيل محطات إرسالها من شركة كهرباء لبنان، وتغطي حالات الانقطاع فقط من المولدات الخاصة بها التي تغذيها بالفيول. ومع تفاقم أزمة الكهرباء منذ الانهيار المالي في 2019، أضحت حصة التغذية بالمولدات أكبر وأحياناً هي الأساس في كثير من المناطق.


في هذا الصدد، تشير أجيرو إلى أنها تستهلك 60 طناً من الديزل يومياً لتغذية مولداتها. وقد تغير سعر الطن كثيراً منذ عام 2017 حيث كان بـ892857 ل ل، أي 592 دولاراً إلى 11904762 عام 2021، أي 447 دولاراً، مروراً بسعر أدنى وصل في 2020 إلى 833333 ل ل، أي 99 دولار. وليس واضحاً إذا كانت أوجيرو قد حصلت على ديزل اويل من مخصصات الجيش لتشغيل تجهيزاتها وبأية أسعار. كما ليس واضحاً كيف تتشارك أوجيرو مع شركات الخلوي في تغذية محطات الاتصال التي هي مشتركة في أغلبيتها.

إلا أن تطبيق الأسعار الوسطية للديزل منذ 2017 تبين أن تكلفة تغذية جميع محطات الإرسال بالديزل بقيت حتى نهاية عام 2020 نحو ثلث كلف التشغيل (عدا الأجور) ولا تشكل 3 في المئة من إجمالي إيرادات أوجيرو، بالقيمة الحقيقية، بقيت إذاً التكلفة السنوية لتغذية الأبراج تواري الخسارة اليومية لانقطاع الانترنت ليوم واحد، حتى في مقاربة 2021 الافتراضية حيث بلغت هذه التكلفة 10 ملايين دولار.


ولكن فقرة أسعار الديزل بالليرة اللبنانية جرت عام 2021 الى 11904762 ل.ل. اي الى اسعار ما قبل 2020 بالدولار، قفزت بدورها بحصة الكهرباء من كلف التشغيل والإيرادات، والوضع يزداد سوءاً إذا ما افترضنا أن أوجيرو تحصل على الديزل بأعلى أسعار وصل إليها في السوق السوداء وهي 1200 دولارا للطن. إذ تتوازي حينها تكلفة الديزل السنوية (26 مليون دولار) تقريباً مع مجمل إيرادات أوجيرو (27 مليون دولار بالقيمة الحقيقية).

الأزمة المالية وقطاع المعلومات والاتصالات اشتراكات BASADBAND لكل TANTS

لم تؤثر الأزمة المالية التي يعيشها لبنان كثيراً على معدلات الولوج إلى الهواتف النقالة وإلى الانترنت، إذ تدل الأرقام التي ينشرها الاتحاد الدولي للاتصالات بناء على المعطيات الرسمية أن اشتراكات الخلوي بقيت بمعدلات 62 إلى 46 لكل 100 نسمة وأن معدلات الولوج إلى الانترنت زادت قليلاً من 77 إلى 80 في المئة.
ثانيًا. إلا أن الأثر اللافت هو انخفاض معدلات الاشتراكات في الحزمة العريضة broadband بشكل واضح من 23 لكل مئة نسمة في 2017 إلى 6 في 2016 ثم إلى 3 في 2021 مع توقع انخفاضها إلى 1 عام 2022.


هذا الانخفاض في اشتراكات الحزمة العريضة لافت للانتباه ويحتاج لبحث أعمق لتفهم أسبابه. يمكن ربط هذا الانخفاض بالانقطاعات المترددة المرصودة لخدمات الانترنت 1716 سواء على صعيد البلد أو بعض المناطق. هكذا تم قياس انخفاض سرعة التحميل download speed إلى 24 Mbps على الهاتف الخلوي وإلى نحو 8 على الخطوط الثابتة، مقارنة مع متوسطات عالمية تبلغ 105 و55 Mbps عالمياً.


في جميع هذه الأحوال، سيكون لهذه التطورات جميعها تداعياتها على الاقتصاد في لبنان، أبعد من الخسارة عن انقطاع ليوم أو لفترة محددة. إذ أن استمرار هذه الانقطاعات سيؤدي إلى تحولات كبيرة في مجمل النشاطات الاقتصادية والاجتماعية وفي الخدمات الحكومية.

اترك رد إلغاء الرد