النحت في غزة

تفريغ الطاقة “الإبداعية” والهروب من ضغوط الحياة



منهمكة تعمل أحلام في خلط الطين الأحمر، تشمر عن يديها وتبدأ في عجنه مراراً وتكراراً حتى يتماسك، وفور الانتهاء من عجن المزيج تسارع إلى وضعه تحت أشعة الشمس حتى يجف، فهي في عجلة من أمرها وترغب في نحته لتحويله إلى مجسم فني على شكل قطة.

يستغرق الطين الأحمر المعروف محلياً بالصلصال، نصف ساعة حتى يجف. خلال تلك المدة راقبته أحلام نحو عشر مرات، وأنهت تجهيز أدواتها التي تستخدمها عادة في عملية النحت.

جلب الصلصال

بصعوبة تستحصل أحلام على الصلصال، فهو موجود في منطقة واحدة في غزة، بالقرب من الحدود مع إسرائيل. تقول “على الرغم من توافر الطين الأحمر بكثرة في القطاع، لكن مكان تواجده خطير، وبحذر نذهب إلى الحدود لجلبه، ودائماً ما نواجه مخاطر الاقتراب من المنطقة الفاصلة”.

بمجرد جلب الصلصال تنسى أحلام جميع المخاطر، وتبدأ في مرحلة جديدة تسميها “تفريغ الطاقة الإبداعية”، وتباشر في رسم “اسكتش فني” على الورق للمجسم الذي تنوي نحته على الطين، ثم تباشر في عملية النحت.


عملية النحت

تستخدم أحلام أدوات حادة في عملية النحت، لتتمكن من الحفر في الصلصال الصلب. و”الدفر” أبرز تلك الأدوات، وهو عود خشبي طويل ينحت الملامح النهائية للمجسم المنحوت، ويعمل أيضاً على تنعيم الحواف والخطوط.

وفور الانتهاء من النحت وتشكيل المجسم، تضعه أحلام من جديد تحت أشعة الشمس لمدة ساعة، ليصبح جاهزاً للعرض والبيع. تقول أحلام إنها عادة تستغرق ما يزيد على ساعتين لإنجاز أي مجسم تعمل عليه، فعملية النحت ليست بالصعبة، لكنها تحتاج إلى تركيز عال ودقة كبيرة، ومهارة في التخيل، حتى تتمكن من تجسيد المنحوتة بشكل صحيح.

تعمل أحلام بضمن فريق مكون من 17 سيدة، وجميعهن مولعات منذ صغرهن بالرسم وتشكيل اللوحات الفنية بالطوب الأحمر. توضح أحلام أن حلمها الذي تسير في طريق تحقيقه، أن تعمل في مجال نحت الشخصيات، لكن ذلك يحتاج إلى-الأمام

تفريغ نفسي

وتركز أحلام ورفيقاتها في عملهن على نحت الحيوانات والطيور الطبيعية، وعادة ما يلقى هذا النوع من الفن رواجاً كبيراً لدى السكان المحليين أو الزائرين السياح. وتشير إلى أن كثيراً من الناس يحبون اقتناء تماثيل تذكرهم بحضارة الماضي، وتحمل في طياتها الحنين إلى الزمن القديم.

دائماً ما تلجأ أحلام إلى ممارسة فن النحت عندما تكون نفسيتها متعبة، وهي تعتبر أن الرسم يعد إحدى وسائل تفريغ الضغوط والتعبير عن الحالة النفسية، وهي من خلال النحت على الطوب الأحمر تمارس ذلك وتحاول الخروج من الواقع المرير الذي تعيشه في القطاع المحاصر.


بدأت السيدات عملية النحت منذ صغرهن، لكن خلال عام واحد أنجزن نحو 150 مسجماً. وفي العادة، تعرض المنحوتات للبيع داخل معارض صغيرة في قطاع غزة، أو من خلال الترويج لها على صفحات التواصل الاجتماعي، وكذلك تقدمها في بعض الأحيان كهدية إلى قرية الفنون والحرف التي تحتوي على قائمة كبيرة من التراث الفلسطيني.

جزء من التراث والتاريخ

تمكنت أحلام من بيع العديد من المنحوتات لزوار دخلوا غزة، وعرض لها نحو 20 مجسماً في متاحف خارج القطاع، وتعد ذلك إنجازاً عظيماً يضاف إلى سجلات مشاركة فلسطين في الثقافة والفنون في المحافل الدولية.

في غزة، الإقبال على شراء المنحوتات ضعيف للغاية، تؤكد أحلام أنه بالكاد ما يقتنع الناس باقتناء هذه المجسمات على الرغم من أنها ذات قيمة جمالية كبيرة، وبأسعار رمزية لا تزيد في أغلب الأحيان على 20 دولاراً، لكن ذلك لا يمنعها من مواصلة عملها، فهي شغوفة به.

تواصل أحلام عملها في النحت لأنها تعتبر ذلك جزءاً من التاريخ، وأن هذه الوسيلة استخدمها الناس منذ القدم ليعبروا عن مشاعرهم، أو يسجلوا تاريخهم، وبقيت إلى يومنا هذا ودخلت التراث وباتت جزءاً من ثقافة الشعوب.

على الرغم من تقدير أحلام لعملها التي تعتبره مهماً جداً في إثراء الثقافة الفلسطينية، إلا أنها تشتكي من ضعف الاهتمام الرسمي في النحت الذي يعد أحد أفرع الفنون التشكيلية.

/اندبندنت/عربية/

اترك رد إلغاء الرد