ريف لبنان يدخر الغذاء على الطرق القديمة

ما إن يقترب موسم الشتاء في مناطق لبنان  الجبلية حتى يتسابق أرباب المنازل على تحضير الموؤنة، هذا في الشق الأول من المشهد. أما في الشق الأخير، فتقرأ تلك العلاقة الرومانسية بين أبناء تلك المناطق ومجموعة من الخضراوات والفواكه التي تمثل مؤشراً إلى وداع موسم الصيف ودنو البرد والمطر، بحيث يحولونها من حالها الأولية إلى منتجات أخرى بعد تقديدها وتجفيفها أو حتى طبخها، فيما تحفل الذاكرة الجمعية لأبناء الأرياف بذكريات مع الصبار إلى العناب والجوز والبامية والتين والرمان والخروب.

يتزامن ذلك كله مع وصف “بلدي” للإشارة إلى أنها من نتاج الجهد والعرق والأرض الخصبة لأبناء الجبل. وفي هذا السياق لا يمكن أن نتجاهل مكانة الكشك والقريشة والشنكليش والأجبان المختلفة ألوانها ومذاقها، إلا أننا نستعرض في ما يلي بعض الخضراوات والفواكه التي تغذي الموؤنة الشتوية للإسرة اللبنانية  بحيث يتضح أن فكرة “النملية” لم تغادر كثيراً من الأسر، بل عادت بقوة إلى اليوميات بوصفها مكاناً لتخزين الأطعمة والموؤنة بالطريقة التقليدية بعيداً من مخاطر انقطاع الكهرباء.

فاكهة الشوك

يتصدر الصبار قائمة الفواكه الجدلية لأن الوصول إلى ثمره مهمة شاقة دونها كثير من العذاب ووخز الإبر الشوكية، ويصف يوسف، مزارع صبار، هذه الفاكهة بأنها “من الفواكه التي تتضمن صعوبة في القطاف والأكل” ونظراً إلى ملمسها القاسي والمغطى بالشوك فإن قطافها يحتاج إلى حذر وجهد كبيرين إذ يفترض ارتداء قفازات سميكة في اليدين وملابس تقي من الشوك.

أما بالنسبة إلى تلك العالية، فلا بد من الاستعانة بآلة صناعية عبارة عن عصا خشبية طويلة، وفي مقدمتها علبة من أجل لي عنق الثمرة وقطافها، ولا تنتهي المشقة هنا وإنما تستمر مع مجاهدتها من أجل إزالة الغطاء الشوكي عنها بحيث تتم الاستعانة بملاقط وسكاكين خاصة لتقشيرها، لكن إذا أخطأ أحدهم وقرر لمسها مباشرة فعليه تحمل الوجع الناجم عن الأشواك الدقيقة التي تغطي جلدتها الخارجية بالعشرات لا بل بالمئات.

أخيراً انتشرت عربات بيع الصبار في بيروت والمناطق، حيث يستعان بالماء والثلج لإزالة الشوك عنها ومنحها مذاقاً بارداً لذيذاً ويمكن اختبار مذاقات مختلفة من الصبار التي تتفاوت درجة حلاوتها بين ذات اللون الأصفر وتلك الوردية.

العناب السحري

يضفي اللون العنابي جاذبية مفرطة على حبيبات العناب التي تختبئ وراء أكداس الأوراق الخضراء الرقيقة وفي أواخر شهر أغسطس (آب) تفرض هذه الفاكهة نفسها على أحاديث الناس والمحبين بحيث تمتاز بقشرتها القوية وطعمها متوسط الحلاوة. تكفي قبضة من العناب لتمنح انطباعاً إيجابياً في العلاقات بين الأفراد ويلجأ كثيرون إلى تجفيفه وتخزينه من أجل موسم الشتاء ويعتبر مكوناً أساسياً في الزهور التي يستعين بها أبناء الجرود لعلاج نزلات البرد والرشح، كما يمكن نقعه بماء ساخن للحصول على شراب ساخن فريد المذاق.  

جريمة الجوز الأخضر

تنتشر أشجار الجوز الأخضر الصلبة بكثافة في المناطق الجبلية التي تزيد على ارتفاع 800 متر عن سطح البحر شمال لبنان وتمتاز هذه الثمرة بغطائها الخارجي الأخضر الذي يغطي الحبة المختبئة بالداخل وتعتبر القشرة غنية بمادة صابغة تعطي الأصابع والجلد لوناً أسود يدوم لأيام، لذلك يتندر أبناء الجرود بالقول “فاكهتان لا يمكن محو آثار جريمة التهامهما الجوز الأخضر والتوت”، ويمنح الغطاء الأخضر الجوزة بعض الغموض، إذ يجهل كثير من الناس طبيعته عند رؤيته للوهلة الأولى ويحارون “ما هذا الشيء الذي يشبه البيضة الخضراء اللون؟”.

يتم الاحتفاظ بالجوز لموسم الشتاء قبل نزع قشوره من أجل إضافته إلى المشروبات والمازة البلدية والحلويات، كما يتم بيع الجوز البلدي بالحبة على خلاف نظيره المستورد الذي يباع لدى المحال وتنسب إليه على غرار الصبار آثار عدة إيجابية بالنسبة إلى الجسد من زيادة القوة والمناعة.

فاكهة التين المباركة

بين هذا وذاك، يتربع التين على عرش الفواكه التي تبشر بدنو الموسم الشتوي ويعتبر من الفواكه التي يمكن أكلها في مختلف حالاتها، لذلك تنتشر فاكهة التين على البسطات وفي الطرقات الداخلية للقرى الجبلية من أجل جذب ناظري المارة، كما يعتبر مربى التين من الأطباق الحلوة الأساسية في موسم الشتاء، إذ يتم تحضيره من خلال إضافة السكر إلى “الدست” أي الوعاء النحاسي الكبير الذي يحتوي على التين، ومن ثم يوضع على موقد حطب ويترك على النار إلى أن “يعقد” وينضج.

 ويلجأ أرباب البيوت إلى تعبئته في مراطبين زجاجية ومزجه بالجوز البلدي والسمسم، كما يمكن تجفيفه وتركه بصورته الأصلية لتناوله في موسم الشتاء إلى جانب الفواكه المجففة والمكسرات.  

عقود الخضراوات جافة

أسهمت الأزمة التي تعيشها البلاد في بعث الحياة من جديد بعناقيد الخضراوات، تحديداً البامية والفاصولياء الخضراء والباذنجان، وتؤكد أم شادي أنها كانت في السابق تقوم بتخزين هذه الخضراوات من خلال تجميدها في الثلاجة، أما مع الغياب شبه الكامل للطاقة، فعادت إلى الأساليب القديمة التي كانت تعتمدها منذ أكثر من 40 عاماً بحيث تقطف الخضراوات ومن ثم تقوم بتقميعها قبل شبكها في الخيوط لتصبح على شاكلة عقود، وتوضع في الشمس وتترك إلى أن تجف وتصبح قاسية، وفي الشتاء تتم الاستعانة بهذه المكونات المحفوظة وطبخها إذ إنها تعود إلى سابق عهدها عند وضعها في الماء الساخن.

تشير أم شادي إلى أن بعضهم استغرب ما تقوم به بادئ الأمر ولكن حالياً انتقلت ربات البيوت إلى اعتماد الطريقة ذاتها، كما اتجهن إلى تجفيف الفاصولياء “عيشة خانوم” قبل فوات الأوان، ناهيك عن تجفيف حبوب الرمان وتركها إلى فصل الشتاء، وعند عند نزع القشر يكتشف أن حبيباتها متلألئة كسابق عهدها.

الدبس

لا تكتمل خزانة الموؤنة من دون الدبس والدبس هو اسم جامع لمجموعة من المنتجات التي يصنعها أرباب البيوت انطلاقاً من ثمار الرمان والخروب أو حتى العنب والتمر، ولكل واحدة من هذه الثمار أسلوبها الخاص وتشتهر قرى جبال لبنان بدبس الخروب صاحب المذاق الحلو ودبس الرمان الذي يسبغ الحموضة على أطباق المازة اللبنانية والسلطة.

يتم انتظار “قرون الخروب” حتى تنضج وتصبح سوداء داكنة قبل قطافها وتركها إلى أن تجف، وبعد ذلك تؤخذ إلى “المكبس” المعصرة حيث يتم عصر الخروب وتحويله إلى دبس داكن شفاف شبيه بالعسل. يمنح دبس الخروب الطاقة والدفء للفرد خلال موسم الشتاء، وهو كما تقول إحدى السيدات “بديل صحي عن كريما الشوكولاتة” إذ يمكن مزجه مع طحينة السمسم من أجل منحه مذاقاً دسماً وسميكاً.

في المقابل، لا يمكن أن يغيب دبس الرمان عن المطبخ اللبناني فوجوده ملازم للأطباق التقليدية إذ يتم الاعتماد على الرمان الحامض من أجل إعداده،  فيقشر ومن ثم يعصر ويصفى ويترك إلى أن يغلي على نار هادئة حتى يتماسك نسبياً، وعندما يبرد يوضع في القناني الزجاجية إلى أن يحل موسم الشتاء.  

أسهم الإقبال على الموؤنة في إطلاق العشرات من المحال والمبادرات لإعادة إنتاج المنزلية منها وتعتمد أساليب التسويق الحديثة والتعليب للترويج لهذه الأصناف التي تحتاج إلى بعض الخبرات من السيدات المحترفات والاستعانة بخبرات كبار السن منهن، كما يتم تصدير بعضها إلى الخارج بهدف تأمين “فريش دولار” للمنتجين.

/ INDEPENDENT /

اترك رد إلغاء الرد