“نجمة” كاتب ياسين أكثر من ابنة عم يهواها الرجال

الحسناء تعود في كتاباته كهاجس إيجابي بعكس عودة ألبير كامو في تصريحاته كهاجس سلبي


من تقديم باريسي لمسرحية “الجثة المطوقة” (موقع المسرحية)
كاتب ياسين (1929 – 1989) (غيتي)



قبل أي شيء آخر لا بد هنا من الوقوف عند سؤال أساسي: لماذا لم يكن الكاتب الجزائري الراحل كاتب ياسين (1929 – 1989) يحب زميله و”مواطنه” ألبير كامو مع أن كثراً من الجزائريين كانوا يحبونه وكثراً من الفرنسيين يعتبرونه كاتباً أخلاقياً كبيراً؟ ففي حديث أدلى به ياسين إلى الناقد كاظم جهاد قبل عامين من رحيله، قال بالتحديد “يمثل ألبير كامو في نظري تجسيداً لمأساة الفرنسي في الجزائر. كان الفرنسيون يعيشون هنا في مجتمع مغلق، لم يكونوا يروننا. كانوا يعيدون إنتاج فرنسا في الجزائر ولا يبصرون حولهم جزائريين. صحيح أنهم كانوا يحبون البلاد حباً جماً، شمسها وشواطئها وحتى الأهلين، أي نحن، ولكن كحيوانات لطيفة. بطل رواية كامو (الغريب) يقتل الجزائري إثر هياج عصبي تتسبب له به ضربة شمس. وهذه واقعة دالة جداً من وجهة التحليل النفسي وسواه: الجزائر بالنسبة إلى الفرنسيين كانت هي الشمس لا أكثر. وكامو لم يكن جزائرياً. المأساة أن كثيرين بمن فيهم جزائريون حسبوه ممثلاً للإنسان الجزائري. أما كتابته فأنا لا أحبها، ولا أحب الأخلاقي في شخصيته. أنا كاتب ثوري، ولا يمكن للكاتب الثوري أن يكون أخلاقياً. حين يجابهونك بالدمار والعنف والدم، أيعقل أن تدير لهم خدك؟”. ترى أليس في ثنايا هذا الكلام ما يكشف عن السبب الخفي وراء “كراهية” كاتب ياسين لكامو؟

الجزائر ليست فرنسية

جوابنا: نعم من دون أن يعني هذا أننا نشير إلى دوافع شخصية. بالأحرى كان ياسين يشعر أن كامو يسرق منه جزائريته، ويحول بينه -لمكانته لدى الفرنسيين- وبين أن يكون صوتاً جزائرياً مدوياً لديهم وبلغتهم التي كان يتقنها إتقان كامو لها. ومن هنا لئن كان كامو معروفاً بتعاطفه مع “الجزائر” فإنها لم تكن الجزائر نفسها التي لا يتعاطف معها ياسين، بل يعبدها ويعبد حاضرها وتاريخها وأراد دائماً أن يصرخ بذلك الحب في وجه العالم. فيجد كامو وأسلوبه “الأخلاقي اللطيف” في التعاطي مع الجزائر سداً مانعاً. واضح أن كامو كان يشكل في رأي ياسين خطراً على جزائريته بالتالي على الجزائر الحقيقية لا يقل عن خطر اليمينيين الذين كانوا لا يتوقفون عن الإعلان ليلاً ونهاراً أن الجزائر فرنسية.

على تخوم مناطق “القبائل

بالنسبة إلى محمد خلوطي، ابن منطقة من الجزائر تقع على تخوم بلاد “القبائل”، والذي ما إن سيخوض الأدب لاحقاً حتى يبدل اسمه إلى ياسين الكاتب، الذي سيتحول إلى كاتب ياسين على الطريقة الفرنسية في تسبيق الاسم العائلي على اسم العلم، ثمة جزائر واحدة يملكها أبناؤها وحدهم وللآخرين أن يكونوا ضيوفاً. سيلقون ترحيباً ولكن كضيوف. ويمكن لكامو أن يكون في مقدمتهم، ولكن ليس من حقهم أن يعشقوا “نجمة” تلك المرأة التي يعشقها في روايته الشهيرة رجال عديدون مع أنها متزوجة ولا تلقى بالاً لأي منهم، ولكن حتى لزوجها. إنها امرأة قائمة في ذاتها، فاتنة معبودة، حقيقية. وهي في الواقع ابنة عم للكاتب عشقها منذ مراهقته كما يفعل الآخرون، وحين غاص في الكتابة كان من الطبيعي أن يكتب عنها أولاً، ومن ثم راح يستعيدها في كتابات لاحقة له، بعضها يتألف من فصول استبعدها من النسخة الأولى للرواية، وبعضها مستعيناً بها مرة رمزاً للجزائر نفسها ومرات رمزاً للكاهنة، تلك البطلة البربرية الأسطورية التي حرص من خلال الكتابة عنها، ولا سيما في مرحلة متأخرة من حياته وكتاباته، على أن يمجد من خلالها هوية الجزائر التي تعود مئات السنين قبل وصول الإسلام والعروبة إلى هذا البلد.

من الجزائر إلى فلسطين وفيتنام

بالنسبة إلى كاتب ياسين كان ثمة هواجس عدة يعيش محيطاً نفسه وأفكاره بها: الجزائر الخالدة، والتخلص من ربقة الاستعمار التي ظلت تقيد بلاده حتى بعد الاستقلال، وقضية المرأة وحريتها، وقضايا العمال الجزائريين المهاجرين في البلد الذي كان يحتل وطنهم في السابق. ولن نكون مغالين حين نقول إن كل كتاباته سواء جاءت مكتملة، روائية أو مسرحية، أو على شكل شذرات، كانت تدور من حول تلك الهواجس. ومع ذلك لن يكون من المنصف اتهام ياسين بالشعوبية والانغلاق على محيطه الوطني “الضيق”، تماماً كما أنه لن يكون منصفاً اتهامه بالعداء للغة العربية، لحساب الفرنسية التي تعلمها من المحتلين، أو لحساب المحكية الجزائرية التي لجأ إليها حين بدل “جمهوره” من المثقفين والمتعاطفين الفرنسيين إلى الشعب الجزائري بشكل عام، في قلبة كانت أساسية في حياته، إذ لا ننسين هنا بالنسبة إلى البعد الأول أن ياسين كان من بين أفضل من كتبوا في مسرحهم عن فلسطين “فلسطين المغدورة” كما عن فيتنام وزعيم كفاحها هوشي منه “الرجل ذو الصندل الكاوتشوك” في الوقت نفسه الذي كتب فيه عن “حرب الألفي عام” عن الجزائر الخالدة، و”محمد خذ حقيبتك” عن معاناة العمال الجزائريين في فرنسا. أما البعد الثاني المتعلق باللغة فها هو ذا كاتب ياسين يكشف عن نفوره من تلك اللغة “العربية الفصحى البائدة” التي راحت أجهزة الإعلام والصحافة في الجزائر تستخدمها بعد الاستقلال إمعاناً -في رأيه- في التعبير عن تمسك بعروبة “كان المصريون واللبنانيون والعراقيون قد تخلصوا منها منذ زمن وليت إعلاميينا فعلوا مثلهم لكنا عشقنا هذه اللغة”!

نجمة” وأدوارها المتعددة

ولنعد إلى نجمة، المرأة كما إلى “نجمة” الرواية التي أطلقت شهرة كاتب ياسين في فرنسا والجزائر كما في العالم الخارجي. فنجمة هذه وبعد أن خلدها ياسين في الرواية لن تغيب مع ختام هذه الرواية بل ستواصل العودة إلى أدبه، وإن لم يكن طبعاً إلى حياته، بين الحين والآخر باسمها الصريح، ولكن دائماً على أية حال بأسماء أخرى متنوعة. وهكذا وتحت اسم نجمة سنلتقيها في “المرأة المتوحشة” كما في نص شبه مجهول له هو “الدم والوطن” ولكن بخاصة في “الجثة المطوقة”، حيث وسط ركام من الجثث يملأ الخشبة ويدل على تضحيات شعب من أجل حريته، نفاجأ بنجمة تتخطى ذلك المشهد إلى ركن من المسرح لتقف مذهولة ولكن مصممة وتنزع حجابها وعباءتها وتمزق خديها وتروح في مونولوغ عنيف تشكو فيه ما يحل بأهلها، قبل أن تنطلق في حوار مع الأخضر، نفسه الذي كنا تعرفنا إليه كواحد من عشاقها في الرواية -وبما يمكننا في الحالتين اعتباره الأنا/ الآخر للكاتب نفسه- وهو حوار ينضم إليه كورس صاخب ومليء بالحزن واللوعة على طريقة المسرح الإغريقي، ولا سيما كورس نسائي يجمع في غنائه مجمل القضايا التي كثيراً ما شغلت بال كاتب ياسين في عديد من كتاباته، وها هي ذي تستعاد هنا في ألعاب مسرحية تمزج الماضي بالحاضر والغضب بالحزن وتتيح للإخراج إمكانات المزج أيضاً، كما الحال في عديد من مسرحيات كاتب ياسين، بين ما هو حقيقي وما ينتمي إلى عالم الأحلام، ناهيك بالمزج، هذه المرة، ليس بين نجمة والجزائر، أو المرأة الجزائرية بشكل عام، بل بين نجمة و”الكاهنة” تلك القائدة البربرية التي يشكل نضالها جزءاً من تراث جزائري قديم، تعتبر استعادته عادة نوعاً من الاستفزاز في وجه “الأفكار الرجعية”، التي راح كثر من المبدعين الجزائريين وليس فقط من أبناء القبائل الأمازيغ يرون فيها عائقاً في وجه استعادة هذا البلد هويته!

مسرحيات لتحرير الشعوب

يبقى أن نذكر هنا بأن كاتب ياسين قد ولد من أب متجذر في ثقافته العربية إذ كان إماماً وحقوقياً، وبدأ الفتى اهتمامه بالأدب باكراً فكتب الشعر ونشره وكان لا يزال مراهقاً، كما انتمى باكراً إلى الحزب الشيوعي الجزائري وناضل ضد الاحتلال الفرنسي وسجن وارتحل إلى فرنسا ثم منها إلى عديد من البلدان الأوروبية، ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا، حيث صار جزءاً من النضال في سبيل استقلال الجزائر وراحت مسرحياته تقدم حيناً وتمنع أحياناً، وهو حين رحل كان قد بات ذا مكانة كبيرة في فرنسا والعالم إلى درجة أن وزير الثقافة الفرنسي حينذاك جاك لانغ وصفه بأنه “شاعر كبير كرس كتاباته المسرحية لتحرير الشعوب، وقد حرص على أن يجمع في كتاباته بين التقاليد الثقافية الجزائرية والكتابة الحية الحديثة ولا سيما باللغة الفرنسية” التي كان على أية حال من كبار المجددين فيها.

/اندبندنت/عربية/

اترك رد إلغاء الرد