آخر تطورات النزاع الحدودي اللبناني- الإسرائيلي

/ترجمة زائدة محمد الكنج الدندشي- الرائد نيوز/

مع اقتراب الصيف من نهايته، تستمر المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في الظهور. ورغم أن دبلوماسية المكوك التي يتبناها الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين لم تسفر بعد عن التوصل إلى اتفاق مقبول من الجانبين، إلا أن هناك دلائل خافتة تشير إلى وجود اتفاق.

وذكرت الأنباء أن هوكشتاين سيعود إلى المنطقة فى 7 أيلول بدعم من البيت الابيض الذى يحرص على مساعدة البلدين فى التوصل إلى إتفاق. إلا أن القادة اللبنانيين كانوا قلقين من أن عملية ترسيم الحدود قد تتأخر بسبب التعقيدات الناجمة عن الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقبلة التي ستجري في 1 تشرين الثاني المقبل، وكذلك بسبب الانتخابات الرئاسية اللبنانية المقرر عقدها في نهاية شهر تشرين الأول.

ولا بد من التغلب على العديد من العقبات من أجل التوصل إلى تسوية سريعة وعادلة لهذه المشكلة. وفيما يتعلق بالاحتمالية المميزة بأن إسرائيل قد لا تكون مستعدة ببساطة لإبرام إتفاق، فإن العوائق الرئيسية بينهما تتمثل في دوامة المصالح المتنافسة القائمة في المجال السياسي الداخلي اللبناني ومشاركة حزب الله، إذ أن الحزب عين نفسه مُحكِّمًا فيما يراه في مصلحة البلاد على أفضل وجه.

قد يعود هوكشتاين إلى بيروت بحلول مقبولة. ولكن تظل الشكوك قائمة حول ما إذا كان من الممكن التغلب على الجمود المؤسسي والاختلافات بين النخبة حتى يتسنى للبنان أن يجد سبيلاً إلى الخروج من مشاكله الاقتصادية العميقة. ولكن بالنظر إلى التفاوت في السلطة بين البلدين، ما دام لبنان لا يزال في خضمِّ الفوضى السياسية والاقتصادية، وما دام عاجزًا عن دفع الأمور إلى الأمام، فإن إسرائيل قد تستمر ببساطة في التمسك بالتوصل إلى إتفاق — على الأقل حتى تنتهي الانتخابات.

أين تقف الأمور اليوم

يذكر أن المفاوضات الحدودية البحرية الإسرائيلية اللبنانية مستمرة بين البلدين منذ عام 2011 وتتركز على الفصل بين المناطق الاقتصادية الخالصة للبلدين في شرق المتوسط. في حزيران 2022، أرسلت إسرائيل محطة استكشافية لحقل غاز كريش، مما دفع حزب الله إلى إرسال مسيرات بدون طيار فوق المنصة لإرسال رسالة مفادها أن إسرائيل يجب ألا تحاول استغلال الحقل قبل موافقة لبنان. وقد أسقطت الطائرات الإسرائيلية تلك المسيرات، ولكن تحرك حزب الله هدد بإشعال شرارة تصعيد كان، ولا يزال، غير مرغوب فيه. وفي أعقاب هذه التطورات، اقترح لبنان حلًا أكثر واقعية لمشكلة الترسيم.
وعلى الرغم من إصرارها العنيد والمثمر في مفاوضات سابقة بشأن إستخدام الخط 29 لترسيم الحدود، فقد قبلت الخط 23 كحدود بحرية، وطالبت بالسيطرة على حقل قانا الذي يعبر الخط 23 إلى منطقة تطالب بها إسرائيل، واعترفت بسيادة إسرائيل على حقل كاريش.

وقد سافر هوكشتاين إلى إسرائيل لنقل الموقف اللبناني الجديد، لكنه تجاهل بيروت لبعض الوقت، مما أثار قلق المسؤولين اللبنانيين، وخصوصًا الرئيس المنتهية ولايته ميشال عون، الذي يبدو يائسًا من الحصول على الائتمان لعقد إتفاق. ولكن الإشارات الإيجابية ما زالت تحوم، الأمر الذي يشير إلى أن هوكشتاين كان يحرز تقدمًا. وحتى رئيس البرلمان اللبناني وحليف حزب الله نبيه بري أشارا إلى أن محادثاته مع هوكشتاين عندما حل الأخير في بيروت كانت “إيجابية”. كما كان هوكشتاين نفسه سعيدا على ما يبدو برؤية الوحدة حول القضية بين السياسيين اللبنانيين. وفي اتصال هاتفي أجراه في 24 آب مع نائب رئيس البرلمان اللبناني الياس بو صعب، وهو مناصر لعون، قال هوكشتاين إن القادة الإسرائيليين يأخذون المناقشات على محمل الجد. وأضاف أنه في حين أن الاتفاق قد لا يكون وشيكًا، فإن الجدول الزمني غير مفتوح.

لكن غياب هوكشتاين عن بيروت لفترة طويلة والرد الإسرائيلي المؤجل على الاقتراح الأخير للبنان دفع حزب الله إلى محاولة تغيير الأوضاع. فقد أصدر الأمين العام للحزب حسن نصر الله تحذيرا في 9 آب بأن “أي ذراع” تحاول سرقة ثروة لبنان “سوف تقطع”. وسواء كان التحذير قد صدر للاستهلاك العام والسياسي محل نقاش، إلا أن نصر الله جدد هذا التهديد في 19 آب، ولم يجبه وزير الدفاع الإسرائيلي بيني جانتز هذه المرة إلا أنه هدد بشن حرب شاملة إذا هاجم حزب الله أيًّا من أصول الغاز الإسرائيلية.

وعلى الرغم من ذلك، ذكرت صحيفة جيروزاليم بوست في 30 آب أن موقف إسرائيل ولبنان متشابه للغاية، وأن لبنان قد يمنح السيطرة الكاملة على حقل قانا الذي تطالب به، ما دام يدفع تعويضات لإسرائيل. لكن هوكشتاين زار باريس مؤخرًا لبحث المسألة مع شركة توتال الفرنسية النفطية التي تملك حقوق التنقيب في المياه اللبنانية. وبالاضافة إلى ذلك ، أجلت إسرائيل بداية جهودها لاستكشاف الغاز حتى وقت لاحق من أيلول ، مما سمح على ما يبدو للوسيط الأميركي بالعثور على صيغة عملية.

ويقال إن تركيا، التي ربما تتطلع لتصبح لاعبا في قطاع الطاقة في لبنان، قدمت اقتراحا إلى الحكومة اللبنانية لاستكشاف الغاز في بلوك 9، المتاخمة للمنطقة المتنازع عليها التي تقع على بعد 860 كيلومترا 2 بين الخط 23 والخط 1. إلا أن وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال وليد فياض شكك في التقرير، وقال إنه لم يتم تلقي مثل هذا الاقتراح. ومهما كانت الحالة، فإن لبنان وإسرائيل، فضلا عن العديد من الدول الأخرى التي لها مصلحة في مصادر الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، حريصون على ترسيم الحدود البحرية بحيث يمكن أن يبدأ العمل في أستكشاف واستخراج الغاز من المنطقة المتنازع عليها. ومع استمرار الطلب العالمي على الطاقة في الارتفاع والإمدادات القصيرة الأمد في تحميل الاقتصاد الدولي بأسعار مرتفعة، فإن الولايات المتحدة وأوروبا ولبنان وغيرها من الدول سوف تكون سعيدة إذا ما تم التوصل إلى قرار بشأن قضية ترسيم الحدود قريبا.

عدم اليقين بشأن الانتخابات الرئاسية في لبنان

وفي ظل الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية الصعبة، يتعثر لبنان عمليا نحو نقل السلطة الدستوري المقرر في 31 تشرين الأول. وإذا حرم الرئيس عون من المجد ليكون الشخص الذي يوقع على إتفاق ترسيم الحدود مع إسرائيل، فيجب على الرئيس الجديد أن يفعل ذلك بمجرد انتخابه وحلف اليمين. ولكن بالنظر إلى الظروف الراهنة في لبنان، يبدو أن الفراغ الرئاسي قد أصبح ممكنا تماما، وهو ما قد يزيد من تأخير إتمام إتفاق بشأن النزاع الحدودي. وبموجب المادة 73 من الدستور اللبناني، يجب على رئيس البرلمان أن يعقد جلسة برلمانية لانتخاب رئيس له قبل شهر على الأقل شهرين على الأكثر من انتهاء مدة ولايته الحالية. لكن الرئيس بري لم يفعل ذلك حتى الآن. وفي تموز/يوليو، قال بري إنه لن يدعو لعقد جلسة لانتخاب رئيس جديد إلى أن يقر البرلمان قانون الإصلاح الذي يعد مطلبا أساسيا للحصول على مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليار دولار. ويشير تفسيره إلى المادة 75 من الدستور، التي تنص على أنه بمجرد فتح جلسة انتخابية رئاسية، لا يستطيع البرلمان مناقشة القوانين أو تشريع قضايا اقتصادية واجتماعية مهمة. وهناك قانون آخر ينتظر النقاش والمرور يتعلق بإصلاح النظام المصرفي، الذي كان عاملا رئيسيا في المتاعب المالية الحالية للبنان.

وحتى مرشحي الرئاسة المتوقعين في البلاد لا يستطيعون أن يتأكدوا من مدى دعمهم في البرلمان المنقسم على منظورين عامين، الأول يدعو إلى تعزيز مؤسسات الدولة وفرض سيطرتها على كامل البلاد، والثاني يؤيد الدور الخاص الذي يلعبه حزب الله في السلطة اللبنانية. ومن بين الممثلين الواضح للمجموعة الأولى، في حالة ترشحه، سمير جعجع، زعيم حزب القوات اللبنانية، والمعارض القديم لحزب الله. ومن بين المرشحين المحتملين الآخرين الذين يمثلون الجماعة الموالية لحزب الله سليمان فرنجية، زعيم حركة المردة، وجبران باسيل، وهو عضو في البرلمان وزعيم التيار الوطني الحر، وصهر الرئيس عون. أما المرشح المحتمل الذي يمثل المنظور الوسطي، فهو قائد الجيش اللبناني الجنرال جوزف عون (لا علاقة له بميشال عون)، الذي يحظى بدعم داخلي وأجنبي على السواء، والذي يعطي الموقف ما يستحق من احترام وسلطة.

وما يزيد من تفاقم هذه العوامل هو استمرار التأخير في تشكيل حكومة جديدة تحل محل حكومة تصريف الأعمال الحالية. وقد اختار مجلس النواب رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة الجديدة، إلا أنه فشل مع الرئيس عون حتى الآن في الاتفاق على الحكومة الجديدة. ولعل هذا هو السبب الذي دفع ميقاتي إلى الإعلان عن إمكانية تولي حكومته السلطة الرئاسية في حال عدم انتخاب رئيس. وفي حين يثير هذا التطور المحتمل تساؤلات خطيرة بسبب الطبيعة الاجتماعية للسياسة اللبنانية (فلابد وأن يكون الرئيس مسيحيا مارونيا ورئيس الوزراء مسلما سنيا)، فقد يعمل هذا التطور كوسيلة بديلة للموافقة على التسوية الحدودية البحرية مع إسرائيل. ومن المهم أن نلاحظ أن عون نفسه قد اكتسب الرئاسة بعد الفراغ الرئاسي الذي استمر من 2014 أيار إلى 2016 تشرين الأول.

حزب الله يسعى إلى الشرعية

لن يكون من المبالغة أن نقول إن التوصل إلى إتفاق بشأن ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل سوف يكون مستحيلا من دون موافقة حزب الله. ويحاول الحزب ان ينزع النظرة إلى انه حامي للنظام السياسي الفاسد، وخصوصا بعد ان هاجم كوادره المحتجين في بيروت عام 2019، ولذلك سعى إلى ايجاد سبل لتأكيد شرعيته بين اللبنانيين في اعقاب الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الواسع في البلاد. وكان خسارة حزب الله للأغلبية البرلمانية في انتخابات أيار الماضي بمثابة إشارة واضحة إلى تآكل دعمه الشعبي بين الدوائر الانتخابية غير الشيعية. وقد قرر الحزب الآن محاولة التعويض عن طريق تأييد قضية قومية يعتقد أنها سوف تدفع الآخرين إلى التجمع من حولها مرة أخرى.

وفي حزيران الماضي، عندما أرسلت إسرائيل محطة استكشافية طاقية إلى حقل كاريش، قال نعيم قاسم، الرجل الثاني في حزب الله، إن الحزب سوف يؤجل إلى الحكومة اللبنانية كيفية الرد، ولكنه حثها على التحرك بسرعة وحسم. ولكن، كما ذكر أعلاه، لم يغير حزب الله موقفه بعد بضعة أسابيع فقط، وأرسل تحذيرا واضحا إلى إسرائيل في تموز عبر طائرات دون طيار غير مسلحة حلقت فوق المنصة. إن هذا التصرف، إلى جانب تحذيرات نصرالله اللاحقة في آب، يوضح أن حزب الله يستخدم قضية ترسيم الحدود البحرية لتعزيز شرعيته بين اللبنانيين. وبالتالي فمن غير المرجح أن يقبل الحزب أي حل لا يتفق مع أولوياته.

أيا كان الشكل الذي قد يتخذه الاتفاق بين لبنان وإسرائيل في نهاية المطاف، فمن المؤكد أن حزب الله سوف يمنعه من فتح باب التطبيع بين البلدين. والواقع أن الحكومة اللبنانية كانت في أوجاع عندما أعلنت أنها لن تفعل ذلك. على سبيل المثال، إن مطالبة لبنان بالسيطرة على حقل قانا الذي يمتد إلى منطقة تدعي إسرائيل أنها قد جاءت مع الإصرار على الانفصال عن إسرائيل عن الغاز المنتج هناك. ويهدف هذا الشرط إلى منع أي إتفاق محتمل لتقاسم العائدات، يكون نوعا من الاعتراف بإسرائيل. أما بالنسبة لحزب الله فإن المخاطر مرتفعة بشكل خاص، وذلك لأن شرعية الحزب مبنية على التزامه الراسخ بالقتال ورفضه وإلغاء شرعية إسرائيل.

هل سيكون هناك اتفاق؟

ويكاد يكون من المؤكد أن مهمة أموس هوشتاين في ترسيم الحدود البحرية اللبنانية الإسرائيلية ستنتهي باتفاق من نوع ما. إن المبعوث الأميركي لن يكون قادرا على التحرك ذهابا وإيابا بين البلدين إذا بدا وكأن جهوده سوف تنتهي. ولكن من المشكوك فيه ان إتفاقا وشيكا، لا يرضي بالتأكيد آمال الرئيس عون في ان يكون هو الذي يوقع على إتفاق قبل انتهاء ولايته في 31 تشرين الاول.

ليس فقط المشاكل المؤسسية التي يواجهها لبنان والبحث عن الشرعية لحزب الله يهددان بوقف أي تقدم، بل إن الساسة الإسرائيليين قد يكونوا أيضا اقل من مجرد إستيعاب في ما يعد بانتخابات برلمانية ساخنة. وإلى أن يتم التوصل إلى إتفاق، يتعين على لبنان أن ينتظر حتى ينضم إلى نادي الدول المصدرة للطاقة، وهو الانتظار الذي لن يطيل إلا أزمته الحالية في مجال الطاقة والويلات المالية.

/عماد حرب- عرب دي سي/

اترك رد إلغاء الرد