عن “التسامح” والخوف والرقابة الذاتية تجاه نقد الدين

التضامن مع رشدي يتلاشى:

عدى تصريحات غامضة من قادة بعض الدول الغربية وعدة عرائض وتصريحات لمثقفين هنا وهناك، لم تثر محاولة اغتيال الكاتب البريطاني سلمان رشدي تضامناً واسعاً في الحلقات الثقافية والأكاديمية والإعلامية كما أنها لم تحرض على أي احتجاج من أي نوع على المستوى الشعبي.

يتطرق رئيس تحرير يومية “لوموند” الفرنسية ميشال غيرّان إلى الأسباب التي تجعل التضامن مع رشدي أكثر خفوتاً اليوم منه عام 1989، عام صدور فتوى الخميني بإهدار دمه، ويعلل ذلك بسببين بسيطين: الرغبة في عدم وصم المسلمين والخوف.

يبدأ غيرّان بالحديث عن أعراض مرض عضال هو الرعب من انتقاد الدين الذي يدفع بكثير من المبدعين حول العالم وفي الغرب خاصة إلى العيش تحت الحماية ويضعهم باستمرار في مرمى الاغتيالات والاغتصاب والاعتداءات والتهديدات.

لكن ما يهم غيرّان أكثر هو السبب الثاني، أي الخوف، وممارسة الكتاب لـ”الصمت والرقابة الذاتية”. وهنا تبدو استثنائية الممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني التي قرأت علناً في عام 1989 مقتطفاً من “آيات شيطانية”، لكنها اعترفت عام 2015 بـ”العجز الرهيب” اليوم وبأنها لم يعد بإمكانها القيام بما قامت به حينها ما لم تسلّم رأسها طواعية للقطع.

ومن اللافت أن المبدعين القلائل الذين يتجرؤون علانية على الدفاع بكل القوة الممكنة عن رشدي يأتون من بلدان الجنوب مثل الجزائري بوعلام صنصال والفرنسية الإيرانية أبنوس شلماني والبنغلاديشية تسليمة نسرين والصومالية آيان هيرسي علي.

ويلاحظ غيرّان الفرق بين هؤلاء الكتاب، الذين لا يترددون في اتهام الإسلام السياسي أو السلفي أو حتى الدين الإسلامي نفسه، وبين كل السياسيين تقريباً الذين دعموا رشدي بعد الهجوم والذين أدانوا “عملاً همجياً” دون ذكر الإسلام أو الإسلام السياسي ولا حتى إيران.

وفوق الخفر الهائل في تسمية الأشياء بمسمياتها، فقد انهار الدعم السياسي شبه الجماعي لرشدي بعد الفتوى بسرعة كبيرة وكان لسان حال اليمين البريطاني يقول “نحن لا نهين ديناً” واليسار البريطاني يقول “نحن لا نهين طائفة”.

ثم يلخص غيرّان المواجهة الثقافية والسياسية الحالية في الولايات المتحدة “بين اليمين المتطرف الذي يفرض الرقابة على الكتب باسم الأخلاق البيضاء واليسار المتطرف الذي يدعو إلى ثقافة الإلغاء باسم الأقليات ذات الامتيازات”.

لكن القضية تتجاوز الولايات المتحدة لتصبح سمة عامة للسياسة والثقافة في الغرب، وفي الوقت الذي تتهم فيه أمريكا بتصدير حروبها الثقافية وفرض مفاهيمها الخاصة، ينسى المتهِمون أن منتجي هذا النمط من التفكير ولدوا من رحم النظرية الفرنسية التي شاعت في الولايات المتحدة والآن يعاد تصديرها إلى منتجيها الأصليين.

ورغم أن غيرّان رئيس تحرير الصحيفة اليسارية يعيب على “اليسار المتطرف” التزامه بالإلغاء الثقافي والدفاع الأعمى عن “امتيازات الأقليات”، إلا أن صحيفته بالذات تتهم في أحيان كثيرة بترويج الأفكار نفسها وتسويق البضاعة ذاتها في أوساط قرائها من “يسار الوسط”.

يختم غيرّان بأن رشدي انتصر بإعلانه عن العديد من المواضيع التي فرضت نفسها بقوة في السنوات التالية على العالم أي الهجرة والعنصرية والدين وتفسير النصوص المقدسة والتعصب والسخرية والخوف.

سلمان رشدي خلال محاضرة في نيويورك

/مونت كارلو/

اترك رد إلغاء الرد