سياسيّو لبنان لايحركون ساكنًا
ملياراتهم المخبَّأة تزيد فقر الشعب

/ترجمة زائدة محمد الكنج الدندشي- الرائد نيوز/

لطالما كان للجهات الفاعلة غير الحكومية والجمعيات الخيرية والمانحين الدوليين في لبنان دور مهم في التعويض عن ارتباك الحكومة.

منذ نهضة قصيرة في أعقاب نهاية الحرب الأهلية في البلاد، اتسمت الحكومات اللبنانية بعدم الكفاءة والفساد، وتُقيدها الميليشيات القوية والحركات السياسية التي تمثلها.

ونظرا إلى اللامبالاة الشعبية المتزايدة، أدت ثورة 17 تشرين الأول 2019 إلى إدانة الحكم الطائفي والركود الاقتصادي والفساد المستشري في جميع أنحاء البلاد. وفي الآونة الأخيرة، ذهب اللبنانيون إلى أبعد حد للتصويت في انتخابات عامة وعد فيها المرشحون بالإصلاح. بعد مرور أربعة أشهر، ومع عدم القدرة على الاتفاق على خطة لتحقيق الاستقرار المالي، انطلقت العجلة من حكومة تصريف الأعمال اللبنانية المتهالكة أصلا.

على مدى عقود، برز أصحاب المليارات الذين يديرون الفصائل السياسية في لبنان في ظل نظام مختل بسبب الفساد.

إن تخصيص موارد الدولة والفرص الاقتصادية على أسس طائفية، هو أشبه بلبنان الذي حقق فيه القليلون نتائج جيدة للغاية، في حين شهدت الغالبية تراجعًا ملحوظًا في مستويات معيشتهم. في بلد يملك فيه أغنى 10 في المئة حوالي 70 في المئة من ثروة البلاد، وبالرغم من ذلك تستمر أوجه القصور في الدولة من خلال المساعدات الدولية.

وقد استمر هذا النظام بسبب البراعة السياسية الملحوظة للنخبة السياسية في لبنان، التي، في حين كانت تسيطر على إقطاعيات محلية، تلتقي بالجهات المانحة الدولية كمتضررين أذكياء يتوجهون إلى التحويلات الطارئة.

بين إعادة الإعمار الممولة من الخليج في التسعينيات وحرب 2006، فشلت الحكومة في زيادة إيراداتها بشكل مستقل، وبدلًا من ذلك أصبحت تعتمد كليًا على المساعدات. وقد تفاقمت هذه النزعة بسبب أزمة اللاجئين السوريين والفوضى الإقليمية التي تسبب بها تنظيم “داعش”. وقد تدفقت أموال المانحين إلى لبنان على الرغم من من عدم وجود أي شكل من أشكال الإصلاح الهيكلي وعلى الرغم من التأكيدات على العكس.

أفاد مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، أوليفييه دي شوتر، الذي أجرى دراسة استقصائية لأسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ البلاد، في أيار: “إن الإفلات من العقاب، والفساد، والتفاوت البنيوي، كل ذلك تم تحويله إلى نظام سياسي واقتصادي فاسد مصمم لإفلاس أولئك الذين هم في القاع”.

وفي تقريره الذي استند إلى زيارة قام بها إلى لبنان، أعرب عن أسفه للدور الذي تلعبه المؤسسة السياسية في البلاد، والتي “كانت تدرك مدى الأزمة التي تلوح في الأفق لسنوات ولكنها لم تفعل إلا القليل لدرئها”.

ويقال إن هذه الكارثة بلغت الآن أسوأ مستوياتها. لم يعد لبنان دولة فاشلة، بل فشل 4 من 5 أشخاص يعيشون في فقر مدقع، و نصف أطفال البلد مجبرون على تخطي وجبات الطعام، و الوقود و الكهرباء صعبة التأمين، ونقص مزمن في الأدوية الأساسية والإمدادات. في حين أن هذه الحقيقة المحزنة لم تكن تشاطرها الحكومة سابقًا، فإن الانهيار الكامل يعني أن المسؤولين الحكوميين يجدون أنفسهم الآن عالقين في المصاعد بدون كهرباء، ويعملون على ضوء الشموع، وغير قادرين على استخدام المراحيض في الدولة الفقيرة لأن إمدادات المياه محدودة للغاية.

لقد توقف الآن إفراغ الدولة من مضمونها، إذ لم يبق إلا القليل جدًا مما يمكن استملاكه.

طوال عقود، تم شراء الوقود في لبنان بطريقة سمحت لمن هم في السلطة بفرض رسوم زائدة على الحكومة مقابل منتج منخفض الجودة. وقد تمكن “حزب الله” والفصائل الطائفية الأخرى من الاستفادة من نقص الإمدادات لتوفير طاقاتها الخاصة، التي تدار وفق أسس دينية.

واليوم، لا يتقاضى القضاة والجنود الذين كان من الممكن شراء دعمهم ذات يوم أجورًا، فيظهرون لتقديم خدماتهم لأعلى مزايد.

الوضع الحالي هو أن الإخفاقات الإدارية في العقود الماضية تسببت بانهيار واسع النطاق إلى درجة أن آخر ملياردير لرئيس وزراء البلاد هو أكثر عرضة للخطر من أسلافه.

وفيما يطالب موظفو القطاع العام بزيادة خمسة أضعاف أجورهم للمساعدة في رفع التكاليف، تعثرت إيرادات الدولة مع توقف تحصيل الضرائب طوال الشهرين اللذين أضرب فيهما الموظفون. وقد تأثرت أزمة المعيشة الكارثية في البلاد بشدة بسبب أن 70 في المئة من حبوب القمح جاءت من أوكرانيا. ولذلك فمن المؤكد أن البلاد ستندفع نحو المزيد من الاضطرابات.

وحتى الآن لم يتضح ما إذا كانت النخب التي قادت دوامة الهبوط في العملة ودمار الاقتصاد، في حين تسمح للبنك المركزي بالقضاء على مدخرات الناس مدى الحياة، وإغراق السكان في براثن الفقر، ستبقى على حالها. ولكن في الأمد المتوسط، يتعين على لبنان أن يسعى إلى إيجاد حل لمشاكله الداخلية.

إن النظام الضريبي المنتظم الذي يمكن الاعتماد عليه من شأنه أن يسمح للحكومة بتوليد الدخل الذي تحتاج إليه. ولكن لكي يعمل هذا النظام، يجب أن يركز على أثرياء لبنان، وإلا سيزيد استشراء الفقر في البلاد نتيجة فشل النخب.

/زياد بلباجي- عرب نيوز/

اترك رد إلغاء الرد