في عالم بلا رجال ولا دراما

رواية أميركية تجعل النساء منفردات بالكون

مضى الزمان الذي كان الشيطان فيه وحده ثالث كل رجل وامرأة ينفردان بنفسيهما، فالآن صار برفقته جمع خفي من المراقبين عن كثب، بين فقهاء ومفتين ومحامي أحوال شخصية ومقدمي برامج “توك شو” وحقوقيين، فضلاً عن ملايين من رواد مواقع التواصل الاجتماعي المسلحين بأصابع الإبهام والوجوه المنفجرة من ضحك أو غضب، وفي حين كان يسهل صرف الشيطان بمحض تمتمة مخلصة من قلب صادق، لا يبدو أن صرف هؤلاء أمر يسير.

باتت كل تفصيلة بين الرجل والمرأة بل الزوجين لغماً محتملاً، فما أيسر أن تتحول كلمة الغزل إلى قضية تحرش، أو فعل الحب بين زوجين إلى جريمة اغتصاب، أو السؤال البريء عما تحب أسرة أن تتناوله على الغداء إلى مناقشة حقوقية قانونية فقهية حول المسؤول أصلاً عن إعداد الطعام، ثم أحيت الأيام الأخيرة لنا من كتب التراث الصفراء رأياً عجيباً ينص على أن إرضاع الأم لابنها عمل يستوجب لها أجراً.

لعل الجيل الحالي من الرجال والنساء يدفع ثمن جرائم لم يرتكبوها أو متع لم ينالوها، فلا رجال اليوم هم الذين قهروا النساء واستعبدوهن وحبسوهن في البيوت وتصدروا من دونهن المجال العام، ولا الجيل الحالي من النساء هن اللاتي ذقن القهر على أيدي الرجال أو تنعمن بالكسل والبدانة في مقصورات الحريم.

الآن يشقى الرجال والنساء جنباً إلى جنب مقهورين ومقهورات متساوين في السخرة ولم يبق لأنماط القرون الوسطى الاجتماعية تلك وجود في أغلب العالم، وإن بقي شيء ففي جيوب هي أيضاً في سبيلها إلى التغير بدفع من قوى كثيرة داخلية وخارجية لا يبدو من سبيل إلى صدها.

لكننا في ما يبدو لا نريد أن نتمهل، تاركين لقوى التغير والتطور الحتمية هذه أن تعمل في هدوء وفق إيقاعها الطبيعي إلى أن ترتقي بمجمل العلاقات الإنسانية عما هي عليه الآن وعما كانت عليه من قبل.

وبدلاً من التمهل أو الدفع الرشيد نحو هذا الهدف، ينشب كل حين شجار هائل النطاق أمام أعيننا جميعاً، يستوي في ضجيجه العلماء والجهلة، كل يريد أن يفرض فرضاً الطبيعة التي تروقه لشكل العلاقة بين الرجل والمرأة.

ولا يبدو مرجواً أن يتحول هذا الشجار قريباً إلى نقاش صحي، لأن الشجار في ذاته مربح يمول برامج ومنصات ويجتذب مشاهدات وإعلانات ويتحول إلى ثروات في الجيوب، في حين أن التوافق المأمول سيكون كابوساً لكل المتربحين.

وفي الوقت الذي تكتظ فيه حسابات بنكية بهذه الثروات الانتهازية فلا بد أن شابات وشباناً في مستهل أعمارهم يساقون سوقاً إلى استنتاج أن الزواج قد يكون عثرة كبيرة في حياتهم يحسن اجتنابها، وهذه ببساطة كارثة أخطر على الوجود البشري من قيامة نووية. فالأخيرة قد تنهي وجودنا في لحظة، أما الأولى فكفيلة بأن تكتب لنا نهاية بطيئة طويلة معذبة مليئة بأمراض وعلل لا يمكن أن يتصورها أكثر العقول جموحاً في الخيال وجنوحاً إلى التشاؤم، هذا أو يظهر حل إعجازي كأن يختفي الرجال.

اختفاء الذكور

ذلك هو طرح رواية “الرجال” الصادرة في يونيو (حزيران) 2022 عن دار نشر “جروف بريس” في 272 صفحة للأميركية ساندرا نيومان.

في الرواية، يختفي كل من يحمل كروموسوم الذكورة “إكس واي”، حتى الأجنة في بطون الأمهات، في لحظة لا يبقى بين البشر ذكور من رجال أو صبية، ولا يبقى في العالم إلا حاملات كروموسوم الأنوثة “إكس إكس”، فلهن أن يبتهجن أو ينتحبن أو ينظمن العالم على هواهن.

تبدأ الرواية ببطلتها وراويتها جين بيترسن تقول، “اختفى الرجال، فلم أشعر بشيء”، كانت بيترسن إذ ذاك في مخيم جبلي مع زوجها وابنها، ولعلها هي لم تشعر بفارق، لكن أسفل الجبل في المدينة كانت النساء بالفعل قد بدأن في الاتصال بالشرطة، ومضين يجر في جنبات البيوت مناديات ويطرقن أبواب الجيران طالبات النجدة، وينطلقن إلى أقسام الشرطة ليجدنها مضاءة خاوية مشرعة الأبواب، بينما تسقط من السماء طائرة.

يمكن أن نتخيل في عالم اختفى رجاله لماذا تكون أقسام الشرطة خاوية على عروشها، فأغلب من في أقسام الشرطة رجال، سواء الضباط أو المجرمون.

ويمكن أن نتخيل في هذا العالم أن تسقط أغلب الطائرات، أو تبقى كسيحة على الأرض، لأن أغلب قائدي الطائرات رجال. يمكن أيضاً أن نتخيل حقول النفط وقد توقفت عن الضخ، وآلاف المصانع والمزارع وقد تعطلت ولو جزئياً.

ويمكن بالجملة أن نتخيل كثيراً من أوجه الخراب، لكن ثمة تفصيلة جديرة بأن ننتبه إليها ونحن نرى في مستهل الرواية النساء يجرين من باب إلى باب فزعات، تفصيلة تخص أولئك الذين كانوا عادة يفتحون الأبواب للطارقين ويخرجون مسبوقين بكروشهم مسارعين بالنجدة فيشحنون بطاريات السيارات، أو ينكفئون على وجوههم لتغيير إطاراتها، أو يديرون ظهورهم لدفعها حتى تتعالى مجدداً أصوات محركاتها، فهؤلاء اختفوا من الرواية التي يتصدرونها عنواناً “الرجال”.

جدل كبير

أثارت رواية “الرجال” جدلاً كبيراً قبل أسابيع حينما أعلنت ساندرا نيومان عن فكرتها عبر “تويتر”، على الرغم من ضآلة ما وسعته تغريدة واحدة، لكنه أثار عاصفة استهدفت الرواية وكاتبتها، ومن جرؤ على مناصرتها.

فوصف رواد موقع “جودريدز” الرواية، قبل صدورها ناهيكم عن قراءتها، بأنها عنصرية انحيازية كارهة للمتحولين جنسياً، إذ يختفي مع الرجال من تحولن جنسياً إلى رجال، بينما يبقى مع النساء من تحولوا جنسياً إلى نساء، وأنها في المجمل كابوس في هيئة كتاب.

وأعلن رواد في “تويتر” أنهم يرون من واجبهم أن يقاوموا نشرها الوشيك، بحسب ما كتبت باميلا بول في “نيويورك تايمز” في 12 ايار 2022. ولما دافعت الكاتبة لورين هاو عن صديقتها نيومان وروايتها هوجمت هي الأخرى وسحبت مؤسسة أدبية مرموقة ترشيحها لها لجائزة.

 

الطريف أن هذا الهجوم لم يتركز في الدفاع عن الرجال المحذوفين من جملة البشر، لكن على تناول الرواية للمتحولين جنسياً بطريقة اعتبرت غير ملائمة.

تقول باميلا بول، إن الرواية لا تعادي المتحولين جنسياً بأي حال، فهم جزء من نسيجها، وهذا ما سيتضح للقارئ على الفور “إذا تجاسر على دخول عالمها التخيلي، فهي لا تنكر وجود المتحولين جنسياً، ولا تسيء إليهم”، مدخرة ذلك في ما يبدو للرجال فقط، فـ”الشخصيات الرئيسة في الرواية ترتاع من مصير النساء المتحولات جنسياً إذ ينمحين تماماً، كما تتعاطف مع مأساة الرجال المتحولين جنسياً ممن لا يشملهم الاختفاء”.

وتضيف باميلا بول قائلة، “وحتى لو أن رواية نيومان محت المتحولين جنسياً محواً، فهي لا تستحق الرفض الفوري، فليس من المفترض أن يمتحن الخيال الروائي أخلاقياً”.

فكرة غير جديدة

أما عن حذف الرواية للرجال، فتشير باميلا بول إلى أنها فكرة غير جديدة في الأدب، إذ كتبتها من قبل جوانا روس سنة 1975 في رواية بعنوان “الرجل الأنثوي” وكتبتها قبل عقود من ذلك تشارلوت بركنز جيلمان سنة 1915.

والحق أن ساندرا نيومان توجه الشكر في ذيل روايتها إلى هاتين وغيرهما من السابقات لها على الطريق: “شكراً لمؤلفات اليوتوبيات النسوية اللاتي سبقنني، وبخاصة جوانا روس وأليس شيلد وشيري تيبر اللاتي توافر لهن من الشجاعة ما جعلهن يقلن دونما تردد في عالم أكثر بطريركية، إنه لا ينبغي أن يوجد رجال”.

غير أن نيومان خارج صفحات روايتها لا تبدو بهذه الراديكالية، ففي حوار مع “الغارديان” بتاريخ 21 م (أيار) 2022 سألتها جوهانا توماس كار: “تكررين في الرواية الرجوع إلى فكرة أن الرجال يجلبون المشكلات، هل يكون العالم أفضل بغير الرجال؟” فأجابت بأن “المرأة لا تكاد تشرع في تأليف رواية كهذه حتى تلاحظ طرائف تافهة من قبيل أن كل من يتسببون في الضوضاء رجال ذلك أمر لم ألاحظه من قبل، هي شكوى تافهة لكنها مستمرة، في نيويورك بلاء من راكبي الدراجات الكهربائية على الرصيف وكلهم رجال”.

لا مناص من الاتفاق مع ساندرا نيومان على أن أغلب من يتسببون في الضوضاء، وبخاصة ضوضاء الدراجات النارية رجال، سواء في نيويورك أو في القاهرة أو في غيرهما، لكن هذا لا يعني أن الضوضاء منتج رجالي، فضوضاء المكنسة الكهربائية في يوم الإجازة الأسبوعي ليست كذلك، وضوضاء مجفف الشعر في الصباح المبكر والناس نيام ليست كذلك، وضوضاء الخلاطات في المطابخ في ساعة القيلولة ليست كذلك، وضوضاء المسلسلات التركية المستمرة طوال ساعات المساء ليست كذلك، لكن قبل أن يتحول الأمر إلى مناظرة من مناظرات الطلبة والطالبات في المدارس الثانوية يجب القول، إن الضوضاء عرض جانبي كريه من أعراض التحديث، وحسبكم أن تتصوروا ذكراً أرعن قبل قرنين لا أكثر يريد أن يتبجح بمركبته في الشارع للفت أنظار الإناث، فما كان له أن يثير من الضوضاء إلا بقدر ما في صهيل حصانه من ضوضاء، وأكرم بها من ضوضاء، أو تذكروا فقط من طفولتكم غير البعيدة وداعة حفيف مكنسة من القش على بساط من الصوف، وقارنوا ذلك بالجحيم الصوتي الذي تتنقل به مكنسة كهربائية من متر إلى متر في الـ90 متراً مربعاً التي تقيمون فيها.

وتمضي نيومان في الإجابة عن السؤال فتقول، “لكن هل أريد أن يذهب الرجال، لا وحتى لو قلت الجرائم غداة اختفائهم، هل أتوقع أن يطول ذلك، ربما لا”.

عام بساق وحيدة

بعيداً من جدل الإنترنت الغوغائي الذي انتهى كدأبه إلى لا شيء، صدرت الرواية وأتيحت للقراء، مقدمة عالماً قائماً على ساق وحيدة من ساقيه.

في غضون أيام من الاختفاء المفاجئ لحملة الكروموسومات الذكرية ترجع الأمور إلى نصابها، فالقمامة تزال من شوارع لوس أنجليس، والرحلات الجوية تستأنف وقطارات الإنفاق تهدر وتتمكن البقية الباقية من البشر، أي حاملات كروموسومات الأنوثة فقط، من تشغيل كل شيء، فلا تستعصي عليهن آلة أو شيء (وأرجو بصدق أن يكون ذلك شاملاً لأغطية علب الصلصة)، ولا تصعب عليهن مهمة، وهذا كما كتبت هيلاري كيلي في مجلة “ذي أتلانتيك” بتاريخ 16 تموز 2022، “ما يجعلنا نعرف أننا في خيال علمي”.


هذا هو العالم الذي تقيمه ساندرا نيومان في الفراغ الناجم عن زوال نصف سكان العالم، حينما تنزل جين بيترسن من الجبل، وبعد أن تبحث عن ابنها وزوجها المفقودين طوال 10 أيام يقابلها هدوء شامل في المدينة، ثم تسمع “صخباً عذباً خافتاً في الهواء بدا كأنه مقبل من السماء”، لكنه لم يكن كذلك لم يكن صوت ملائكة، وإنما “صوت 100 امرأة بلا رجال” يأكلن البيتزا ويشربن البيرة من العلب ويتشمسن في ثيابهن الداخلية، والبنات منهن يرقصن على أنغام إلتون جون (وكأنهن الخائنات لم يترملن ويتيتمن ويفقدن أصدقاء وإخوة قبل 10 أيام فقط). تفكر جين بيترسن “في تلك اللحظة، أذهلني عمق التغير الذي طرأ على المشهد بإزالة العنصر الذكري، بدا شديد العذوبة والخيالية، عالماً من الحملان من دون الذئاب”

جنة بلا رجال… ولكن

هكذا تنشأ جنة على الأرض، يتاح فيها للنساء كل مكان وزمان كن من قبل لا يأمن دخوله إلا مسلحات بعلب الرذاذ الحارق ووسائل الدفاع عن النفس.

غير أن من القراء، كما تكتب هيلاري كيلي، من “يجدون الفردوس مضجراً”، وتعترف كيلي أنها من هذا الصنف الذي يفضل “جحيم” دانتي على “فردوسه”، وتسارع فتقسو على الرواية قائلة، إن “سمتها الأساسية هي هذا العالم شديد التسطيح الذي تتخيله للنساء، فإقامة نظام عالمي جديد على هذا النحو يقوض الدراما كبيرها وصغيرها”، وذلك ما يجعل “الرجال” في رأيها “فرضية تبحث عن رواية” إذ إنها تضع “النساء في مواقع لهن فيها سلطة، لكنها بلا منازع تجعلك تتوقين، على الرغم من أفضل رغباتك الدفينة، إلى رجوع الرجال”.

 

وتمضي هيلاري كيلي فتضع يدها على “مشكلة ضخمة قبيحة تقوم عليها أسس رواية الرجال، وهي أنها تقيم خطاً كروموسومياً واضحاً تقطع به الإنسانية إلى نصفين، فحملة إكس إكس (أي الإناث) في جانب وحملة إكس واي في الآخر، وكأنما البيولوجيا قدر، فقد لا يكون العالم في رواية نيومان ثنائياً، لكن آليتها في بنائه ثنائية”.

وبذلك تحديداً تقدم هيلاري كيلي إجابة لأسئلة كثيرة قد تخطر لقراء هذه الرواية، إن أحسنا بهم الظن، أو لعلها الأسئلة التي تسببت في بعض لغط “تويتر” و”جودريدز” قبل صدور الرواية. فالحقيقة أن التفكير القائم على الثنائيات المتضادة هو سر كثير من الخلافات الجارية بين البشر، مع أننا ينبغي أن نكون تعلمنا منذ أن رسم الصينيان الين واليانغ أن النقاء وهم، وأن في القلب من كل نقيض بعضاً من نقيضه.

عودة الرجال

لا يختفي الرجال في “الرجال” إلا لفترة قصيرة، فبعد أسابيع من اختفائهم الفجائي (وفي الفصل الثامن من فصول الرواية الخمسة عشر) تبدأ فيديوهات في الظهور على الإنترنت يظهر فيها الراحلون مجتمعين في أفنية سجون وعلى ضفاف أنهار جفت، ويبدو المنظر في هذه الفيديوهات شبيهاً بكوكب الأرض لكن مع لمسة أبوكالبتية. يبدو الرجال وكأنهم تحت الماء، يحركون شفاههم بحركات خرقاء، وهم مذهولون، فاقدو الوعي، حيث “شوهد العديد من الرجال جاثمين وسط أشجار، محملقين أمامهم، تتحرك أفواههم على نحو غير منضبط، زاعقة في الهواء، وفي أقصى يسار الصورة وحش عملاق له المظهر العام لفيل، لكنه مدور الرأس أزرق العينين ساطعهما”.

تثير الفيديوهات شتى ردود الفعل المتوقعة، من تشكيك في صدقها، إلى تأويل لها، إلى افتراض أنها عقاب قرون من الحروب والتلوث والاغتصاب، لكن مهما تكن ردود الفعل أو التفسيرات، يتحول الرجال في ما يبدو إلى محض كائنات تدرسها النساء أو فرجة يقمن الحفلات لمشاهدتها أو شاغلاً للمسؤولات الكبيرات، لكن الأهم من ذلك كله أنه يصبح للرجال حضور بالفيديوهات كالذي كان لهم بحضورهم المادي الغابر، وهكذا بدلاً من أن تدرس الرواية فرضية العالم بلا رجال، ترد نيومان المركزية للرجال، بل وتمنحهم عنوان الكتاب نفسه.

خيال علمي

“الرجال” رواية خيال علمي، وعلى الرغم من خفة هذا الجنس الروائي وضحالة الغالبية الكاسحة من نماذجه، فإنه قادر أحياناً على دفع كتابه وقرائه إلى إعادة النظر في بعض مسلمات الحياة وبديهياتها.

وربما يجدر بنا نحن القراء عند اتباع نيومان في تأمل رحلة اختفاء الرجال أن نتأمل قليلاً في مفردة “الرجال” نفسها، فالواضح أن الاختفاء في الرواية للذكور وإلا لما اختفت الأجنة في بطون الأمهات، وما قد يترتب على اختفاء الذكور ينبغي أن يختلف تماماً عما قد يترتب على اختفاء الرجال، فليس من المتوقع مثلاً أن يختفي القهر باختفاء الذكور، أو الجريمة أو أي من الأمراض التي يعانيها الإنسان، سواء النساء والرجال.

الحقيقة أن قارئ هذه الرواية قد يذهب إلى أن اختفاء الرجال، دون الأطفال الذكور، كفيل بمنح أمل للبشرية، فلعل جيلاً من الرجال تربيه النساء منفردة، وتلقنه قيماً أخرى غير التي يلقنها الآباء للأبناء، أو يلتقطها الأبناء من مراقبتهم لسلوك آبائهم السيئ (إن سلمنا بذلك وأطلقناه إطلاقاً)، أن يكون جيلاً أصلح لتحقيق يوتوبيا على الأرض ينعم بها النساء والرجال.

والحق أنني منذ سنين أفكر في أن الصراع بين الرجل والمرأة، وربما بين كثير من الأيديولوجيات المتصادمة، ليس حله في النسوية بالضبط، وإنما في نسخة معدلة منها أرجو أن تصح تسميتها بالأمومة، وكما أن هناك فارقاً بين الذكورة كظاهرة بيولوجية، والرجولة كظاهرة أخلاقية، قد يجوز لي أن أقول من واقع ملاحظتي، إن الأمومة صفة تكثر في النساء، لكنها لا تنعدم في الرجال، وإن الأبوة ليست نقيضاً للأمومة، لكنها نسخة معدلة منها.

والحق أنني كلما جوبهت بمخازي الواقع الذي نعيشه، وفررت إلى الخيال، وجدت نفسي عائداً بيقين بأن الجنة ليست فقط تحت أقدام الأمهات، لكنها يمكن جداً أن تتحقق على أيديهن، هنا، وإن لم يكن الآن، للأسف.

أثارت رواية “الرجال” جدلاً كبيراً قبل أسابيع حينما أعلنت ساندرا نيومان عن فكرتها عبر “تويتر” (فايننشال تايمز)

/اندبندنت/عربية/

اترك رد إلغاء الرد