سِجن من نوع آخر في رواية “مطر خلف القضبان”

نافذ الرفاعي
(روائي ورئيس سابق لاتحاد كتاب فلسطين)

مع أنني لست ناقدا، بل متذوقا للادب، أنحاز للرواية الجيدة ، ومن خلال العنوان مفتاح النص يتبين أن الرواية من أدب السجون .

توقعت من الروائية ميرنا الشويري أن تقتحم عالم الاعتقال السياسي ، حيث كتبت أنا رواية ” قيثارة الرمل” والتي تحكي تجربتي في معتقل ” كيتسعوت” النقب الصحراوي، تعرضت للاعتقال الإداري من سلطات الاحتلال الإسرائيلي وهو اعتقال يقرره ضابط المخابرات لمدة ستة اشهر، قابل للتجديد وهو ما حصل معي، يصادق عليه قاضي عسكري. تتمحور روايتي حول أحلام السجين خميس بتصنيع آلة موسيقية بمكانات السجن غريبة الشكل وأقرب ما تكون قيثارة، ليغني لحبيبته في الفالنتاين عيد الحب. وتسرد المعوقات والمصاعب والتصميم وحياة الاعتقال، وحاولت أن تكون مختلفة عن روايات الاعتقال والسجن المريرة والتي قرأتها.

بدءاً برواية الطاهر بن جلون “تلك العتمة الباهرة”، ورواية عبد الرحمن منيف ” شرق المتوسط”، وعن الاوشفيتز النازي، وعن معتقلات سيبيريا ورائعة ديستوفسكي” أحلام العمّ” ، وتنوعات انواع العذاب والحبس للإنسان روحه ومحاولة تركيعه.

تسبر الشويري في روايتها” مطر خلف القضبان” حياة النساء في المعتقل الجنائي وهي تجربة غير مألوفة، نوع آخر من التعسف ونظام الحياة القاسية ، تهدي الرواية “الى الصديقة السجينة الحرة التي غيرت حياتي” على لسان الراوية ماري أنجيلا الصماء القادمة الى بيروت لحضور مؤتمر عن النسوية التي تعلمت قراءة الشفاه قبل أن تفقد سمعها.

اختارت ان تكون دراستها عن السجينات اللبنانيات اذ وصلتها يوميات السجينة “ميشا”.

وكتبت مسرحية نوع من العلاج للسجينات فتكشف عن اهمية المسرح في العلاج النفسي للأفراد.

وتعرض ماري أنجيلا السجينات بدءاً من ارملة تعرضت للنصب في العقارات، وتقضي عقوبتها وأما قمر الفتاة السورية القادمة للعمل، وقعت في شرك شبكات الدعارة، احتجزوا جواز سفرها بدعوى رجال اعمال وهددوها باخبار اهلها انها تعمل بالدعارة، وهي من عائلة مسلمة متدينة تواجه الموت اذا انكشف أمرها.

انقذها رجل وتزوجها بعدما هربت من العصابة وتبين أنه مصاب بالسرطان، والعصابة أخبرت عنها وسجنت بتهمة الدعارة.

في قراءة يوميات ميشا يتكشف نظام السجن، حيث تتحكم امرأة اسمها أم ماجد ذات جبروت بالنساء وتغتصب من تشاء، تشكل نظام العصابة وهي الرئيسة وحولها بعض النساء ويرهبها الأخريات ويتعرضن للاضطهاد الجسدي والمعنوي.

الرواية تطرح موضوع الجنس ما بين الدعارة والحياة.

ميشا الشخصية المحورية الثانية بعد الراوية ماري انجيلا، تدخل السجن لتعرضها من الخداع من عمها في مجال العقارات، وتبعد عن طفلها ووالدها ، زوجها يتخلى عنها، وتواجه مرارة السجن وتهديد أم ماجد، واحتقار الجمهور في المحكمة وشتمها بالنصابة.

وهنا تختار الكاتبة أن تروي الرواية على لسان ماري أنجيلا الصماء والدها بريطاني وامها لبنانية، تدرس السجينات وتنحاز لهن في محاولة لتوفير الحماية وموجهة الحياة المريرة للسجن وغير الإنسانية. وتختار سجون لبنان وخاصة سجن زحلة، والذي يضم نساء متورطات بالنصب،وقعن في غفلة القانون لا يحمي المغفلين، والدعارة والقتل وشكات بدون رصيد. تتنوع الجرائم والجنح والجنايات.

وهنا تؤشر على المجتمع والخدمات الذي تعرضت له الراوية ماري وهي من أب بريطاني وأم لبنانية، وتعود إلى لبنان حيث تقع في غرام كيفين الذي يتخلى عنها حالما تصاب بالصمم، تكمل مسيرتها دراسة عن السجينات وحاولة مساعدتهن.

وكم تكون البنائية عالية لشخصية ميشا المخدوعة من عمها الذي هرب إلى استراليا، وورطها في كم هائل من الالتزامات المالية تواجه السجن مع زوج تخلى عنها ووالد مريض وطفل وهناك تواجه ام ماجد زعيمة العصابة الآمرة في السجن والتهديد بالاغتصاب.

وتتميز الرواية بعنصر التشويق الذي يسحب القارئ ركضا في متابعة أحداث الرواية، مزجا بين شخصية الراوية ماري أنجيلا والتي تلتقي أنور الكاتب المسرحي الذي عاش في الصين ومشاهدتها لمسرحية صينية من اخراجه، تحكي عن فتاة صماء يعشقها الامبراطور ويقتلها عندما يكتشف علاقة حب لها بشاب،

تستدعي الروائية الشويري المطر بكل تجلياته واهميته في نهاية المسرحية وفي حياة الراوية ماري أنجيلا، وفي علاقتها مع أنور، وتستحضر الطبول وأثر الموسيقى على الصم،

وترسخ التناقض ما بين الوفاء والغدر من الزوج وكيفين والوفاء من أنور وأدهم، ثنائية التناقض،

تصور في بكائية حياة وعذاب السجن للسجينة قمر والسجينة ميشا وسجينات أخريات. في هذا العالم الظالم ، تستدعي هيلين كيلر والتي تتعرف على المعاني السامية للحب و من أجل العودة الى الحياة ، تطوير الذات واستنهاضها رغم قساوة السجن وحياة ماري .

المكان هو السجن بكل آلامه، والوجود الانساني والقلق في السرد ما بين ماري وميشا وقمر وأم ماجد .

ما يميز الرواية أن نسقها مشهدي يخلق تفاعل ما بين القارئ وأحداث الرواية، رغم أن السرد سهل ممتنع، الا انها لم تغفل الرمزية العالية للمطر والموسيقى وهيلين كبار و الحب وبناء الذات من جديد مثلما فعلت ميشا وتحولت الى خدمة السجينات.

و تركز الكاتبة على العلاقة بالايمان بعد النقمة على ما وصل اليه المعذبون في السجن قهرا من المجتمع والاقارب، وتنكيلا من سجينات أخريات.

ويعيش القارىء الرعب من خلال قسوة الحياة مع قمر التي وقعت في حبائل شبكات الدعارة و تهديد أهلها بغسل عارهم ونهايتها المفجعة كذلك

موت والد ميشا على الشباك في ليلة الميلاد وقبولها زيارة ابنها وتغير عالمها نحو الايمان بخدمة السجينات بعدما كان موقفها أنهن اسوء ما في المجتمع .

كما أن القارىء يختبر أوجاع ماري وشجارها ما بين المحب القديم كيفن وانور وهجرها له وتعود إليه في رمقه الاخير يودع الحياة، والكوخ في البرية الذي تركه لها يرسخ معان جمة .

أخيرا وليس آخرا رواية ميرنا شويري تستحق القراءة والبحث ما وراء الحكاية من تكريس لإعادة الانطلاق، لإستعادة الوجود الذي تهشم، للايمان بأن الانسان أقوى ما يكون.

/Aleph lam/

اترك رد إلغاء الرد