الروس في التاريخ الإسلامي.. رحلة مع القواعد الحاكمة للعلاقة

“من (السلطان) أوزبك إلى أمرائنا كبيرهم وصغيرهم وغيرهم: إن كنيسة بطرس مقدّسة، فلا يحل لأحد أن يتعرّض لها أو لأحد من خدمها أو قسيسيها بسوء، ولا أن يستولي على شيء من ممتلكاتها أو متاعها أو رجالها، ولا أن يتدخل في أمورها، لأنها مقدسة كلها. ومن خالف أمرنا هذا -بالاعتداء عليها- فهو أثيم أمام الله وجزاؤه منا القتل”!!

هذا نص تاريخي ثمين نقله لنا المؤرخ البريطاني الشهير توماس أرنولد (ت 1348هـ/1930م) في كتابه ‘الدعوة إلى الإسلام‘، عازيا إصداره إلى السلطان المغولي المسلم محمد أوزبك خان (ت 742هـ/1341م) الذي كان يحكم موسكو وكييف، وضمّنه مرسوما خاطب به مطران الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في كييف.

ولعل كلمات هذا الميثاق السلطاني الإسلامي -الذي بموجبه تمتعت المسيحية الأرثوذكسية الروسية بالحرية الدينية في أسمى وأكمل صورها- هي خير ما نفتتح به هذه الإطلالة على العلاقات بين الروس والمسلمين على مسرح التاريخ، بما شهدته من لحظات موادعة ومحطات مصارعة.

بل إن عدم مساس المغول المسلمين حينها بوضعية كاتدرائية الروس الكبرى -كما فعل مثلا العثمانيون لاحقا مع كنيسة “آيا صوفيا” البيزنطية- كان لحظة فارقة في تاريخ روسيا القومي والديني؛ فقد حمى مسيحيتَها من أن تلقى نفس مصير المسيحية البيزنطية على ما نالته هي الأخرى من حرية وحماية عثمانية. وإذا كان من شيء مهم بقي لروسيا من عهود خضوعها لحكم المسلمين؛ فلا بد أن يأتي في صدارته ذلك الموقف الحضاري العظيم في شتى دلالاته.

والواقع أن هذا الموقف المغولي الإسلامي من الكنيسة الروسية هو لحظة تنويرية كبرى تعدّ امتدادا لنظيرتها المؤسسة لها أيام الصحابة عندما دخل الإسلام منطقة القوقاز، وتتباين مع سياق الصراع الكبير الذي طبع معظم تاريخ علاقة الروس بالعالم الإسلامي، وظل –بشكل عام- خطًّا ساخنا اتصل منذ عصر الصحابة وحتى لحظة الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين الساعي لإحياء أمجاد الإمبراطورية الروسية.

لقد حكمت علاقةَ الروس بالعالم الإسلامي قواعدُ ثابتة في غالبها الأعم؛ ومن أهم تلك القواعد إحساس الروس بهويتهم الثقافية والعرقية في إطار التحدي القائم بمنطقة القوقاز حيث المناطق المسلمة التي سادها تاريخيا الحكم الإسلامي، ولا يزال الروس يسعون لإبقائها تحت هيمنتهم بالقوة أو بالترويض، على غرار ما يحدث الآن في التحالف القائم بين موسكو ونظام رمضان قديروف في جمهورية الشيشان، الذي أعلن أن بنادقه ستعانق بنادق الجيش الروسي في غزوه الجاري لأوكرانيا.

ومن تلك القواعد انكشاف الأمتين ثقافيا كل منهما أمام الآخر؛ فقد قام المؤرخون والرحالة المسلمون بكتابة تقارير ودراسات معمقة تتناول الشخصية الروسية؛ فكشفت سماتها ونمط عيشها الاجتماعي، وحددت انتماءها الديني (وثنيا ثم مسيحيا)، ووصفت سلوكها السياسي والحربي.

وقد كانت تلك الدراسات من العمق والاتساع بحيث أثّرت حتى في العقل الروسي المعاصر وأثْرته، وعدّها المؤرخون الروس أولى المعلومات التاريخية الموثقة عن حياة أمتهم. ولا نقول إن الروس كانوا أقل من المسلمين حرصا على مثل تلك الدراسات إلا أن أعمالهم جاءت –ضمن سياق ظاهرة الاستشراق- متأخرةً بنحو ألف سنة عما فعله المسلمون.

ومن تلك القواعد أيضا حركة المغامرات العسكرية التي شهدتها –ولا تزال- ساحة الجغرافيا السياسية الممتدة من السواحل الدافئة في الشرق الأوسط إلى أقصى الشرق الروسي في المناطق السيبيرية؛ حيث حرص الروس تاريخيا على التمكين لحضورهم بالقوة الصلبة، أو بإقامة تحالفات سياسية مع بعض الحكام المسلمين لإقامة قواعد لهم بالمنطقة، ولذلك حاولوا اختراق جبهة المماليك في مصر العثمانية أكثر من مرة، ناهيك عما كان لهم من دور داعم للقوى الأوروبية في الحروب الصليبية، وعن مواجهتهم الدامية والطويلة للدولة العثمانية.

لكن أشد النقاط الساخنة اشتباكا بين الطرفين هي تلك التي دارت رحاها بين المكوّن الإسلامي التركي والمكوّن المسيحي السُّلافي الروسي، لاسيما أن هناك مشتركات عديدة بينهم من حيث البيئة الجغرافيا المتشابهة، وبعض السمات الشخصية المتقاربة شجاعة وفروسية، ونزعة الدمج بين القومية والعقيدة الدينية، وبزوغ الإمبراطوريتين التركية ثم الروسية في أزمنة متقاربة ومجال حيوي متطابق، بل إن التحالفات التركية الحديثة مع الغرب كان أحد أسبابها صنع حلفاء يقوّون الجبهة التركية أمام روسيا السوفياتية.

إن “إسلام الترك” و”تنصُّر الروس” حدث تاريخي بالغ الأهمية في ماضي هذه المنطقة وحاضرها ومستقبلها؛ وهو ما يلقي هذا المقال -الذي يأتي في ذكرى مرور 1100 سنة على صدور أول دراسة عربية عن تاريخ الروس- ضوءا عليه؛ فيكشف سياقات نشأته وتطوره، ويتناول آليات علاقاته سلما وحربا، ويرصد تأثيرات تداعياته في تشكُّل مصائر دول وشعوب المنطقة طوال عشرة قرون.
فتوح جريئة
من أجل فهم مشهد اليوم الذي يبدو غريبا وغير مألوف في تاريخ العلاقة بين روسيا وجوارها الإسلامي؛ علينا أن نعود إلى صفحات التاريخ الذي كشف لنا قصة تشابك الروس والشيشان (جاء الاسم أصلا من لفظ: ججان/ججن = تششن

ومسلمي القوقاز والقِرَم في العموم، فلقد شقت الفتوحات الإسلامية طريقها -منذ خلافة عمر بن الخطاب (ت 23هـ/645م)- حين أتم المسلمون فتح العراق وأجزاء من شمال إيران.

فقد قرر قادة الفتح التوجه شمالا قرابة سنة 20هـ/641م؛ إذْ بدؤوا في فتح أذربيجان التي كانت خاضعة للدولة الفارسية الساسانية، وقد استمرت هذه المحاولة عامين كاملين، ذلك أن “المُغِيرة بن شعبة (ت 50هـ/671م) غزا أذربيجان من الكوفة في سنة اثنتين وعشرين (22هـ/644م) حَتَّى انتهى إليها، ففتحها عنوة ووضع عليها الخراج”؛ طبقا للمؤرخ البلاذري (ت 279هـ/892م) في ‘فتوح البلدان‘.

ثم واصل المسلمون إرسال جيوشهم إلى عموم منطقة جنوبي القوقاز، فكان من قادتها الصحابة الأجلاء: حذيفة بن اليمان (ت 36هـ/657م)، وسُراقة بن عمرو (ت نحو 23هـ/645م)، وعبد الرحمن بن ربيعة الباهلي (ت 31هـ/653م)، ثم المغيرة بن شُعبة، والأشعث بن قيس (ت 42هـ/663م) والوليد بن عقبة (ت 61هـ/682م) وسعيد بن العاص (ت 59هـ/680م).

كانت إستراتيجية الفتوح الإسلامية في جنوبي القوقاز تتطلع إلى مناطق أرمينية التي تضم اليوم مناطق شرقي تركيا وأرمينيا وجورجيا وبعض مناطق جنوبي وسط القوقاز، أما سكان هذه المناطق فكانوا من الأغلبية الأرمنية والرومية والكُرْجية (= الجورجية) التي توالي الدولة البيزنطية.

ولقد اتجهت الفتوحات الإسلامية صوب مدينة “باب الأبواب” (دَرْبَند) وكانت عاصمة مناطق “الأبواب”، وهي مناطق القوقاز الغربية القريبة من بحر قزوين -الذي كان يسمى “بحر الخزر”- والتي تُعرف اليوم بداغستان والشيشان وغيرهما.

وهذه المناطق كانت خاضعة لسلطة مملكة الخزر اليهودية، و”الخزر” خليط من أعراق تركية وشركسية هاجرت من وسط آسيا منذ قرون إلى تلك المناطق، ثم دانوا باليهودية وأقاموا فيها دولة قوية للغاية حكمت الأراضي الواسعة من القرن الأول الهجري/الـ11م بجوار بحر قزوين، ومن بحيرة “وان” جنوبا إلى البحر الأسود -الذي كان يسمى “بحر بنطس”- إلى كييف عاصمة أوكرانيا، ومن بحر “آرال” -الذي كان يسمى “بحر خوارزم”- إلى المجر في وسط أوروبا.

ورغم قوة هذه المملكة وحصانتها الجغرافية؛ فقد استطاع الفاتحون اختراقها نحو سنة 22هـ/642م، ويورد ابن جرير الطبري (ت 310هـ/922م) -في تاريخه- نصَّ معاهدة الصلح التي أبرمها قائد جيش الفتح الإسلامي مع أهل أرمينية، فكان مما جاء فيها:

“بسم اللَّه الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى سراقةُ بن عمرو -عاملُ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- شهربراز وسكانَ أرمينية والأرمن من الأمان؛ أع٣طاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وملّتهم .. يتبع..

/الجزيرة/

اترك رد إلغاء الرد