شانتال جاكيه: توسيع لفلسفة الحواس

لطالما احتلّ النظر والرؤية موقع الصدارة في سياق النقاش، فلسفياً، حول الحواس، حتى أن كثيراً من النصوص الفلسفية، القديمة والحديثة، تُقيم ترادفاً بين عمليتَي الإدراك والرؤية بوصف النظر معياراً لكلّ حسٍّ وإدراك.

إنْ كانت الأمور قد بدأت تتغيّر منذ مطْلع القرن الماضي، ولا سيّما بعد نشْر الفيلسوف الفرنسيّ موريس ميرلوبونتي كتابه البارز “ظاهراتية الإدراك” (1945)، إلّا أن التفات الفلاسفة إلى حواسّ أُخرى ظلّ خجولاً نسبياً، ليظهر اللمس كثيمة جديدة، أكثر معاصرة، انشغل بها مفكّرون مثل جاك دريدا وجان لوك نانسي، قبل عقود حتى من ظهور الهواتف الذاكية والشاشات التي يُتحكّم بها عبر اللمس.

عن “منشورات فرنسا الجامعية” صدرت طبعة جديدة من كتاب “فلسفة الشمّ” للباحثة الفرنسية شانتال جاكيه، التي تُعَدّ من قلائل الباحثين الذين سعوا إلى التفكير بالأنف، والشمّ، فلسفياً، وحتى جمالياً، كما فعلت في كتاب نشرته عام 2018 حول فلسفة الكودو أو العطور اليابانية.

لا تخفي المؤلّفة هدف كتابها: مساعدة القرّاء على “اكتشاف نُبل الشمّ”، هذه “الحاسّة المُهملة” التي غالباً ما تُحيل، في المخيال الجمعي، إلى البدائية، وعالم الحيوانات، أو إلى الضعف والتفكّك والتحلّل. صورةٌ مسبقة تتطلّب “إعادة تأهيل” لمفهوم الشمّ عبر تبيان دوره الأساسي في هوية الفرد وفي علاقته بالآخرين.

تدرس المؤلّفة تاريخ التفكير الفلسفي بالشمّ، بدءاً من أرسطو، الذي لم تلقَ هذه الحاسّة تقديراً كبيراً منه ولا من اليونانيين القدماء بشكل عام، حيث بدا الشمّ، وما يزال حتى اليوم، حاسّةً لا تؤثّر بشكل مباشر في الاجتماع والعمران البشريّين، ولا في حياة المدينة ــ بخلاف النظر واللمس، على سبيل المثال.

وتستكمل جاكيه أبحاثها مع فلاسفة الحداثة الذين درسوا الأحاسيس والانطباعات بشكل مفصّل، مثل هيوم وهوبز ولوك، لتعرّج بعد ذلك على أعمال أدبية عدّة، ولا سيّما “بحثاً عن الزمن الضائع” لمارسيل بروست، حيث تلعب الرائحة دوراً أساسياً في الفصل بين عوالم الداخل والخارج، بين الرغبة والكره، كما أنها حاسّة مؤسِّسةٌ للذاكرة في أدب الروائي الفرنسي.

شانتال جاكيه (تصوير: دانييل فوريه)

/العربي الجديد/

اترك رد إلغاء الرد