وطنيَّةٌ مزيَّفة

في عهد الاستبداد تسود مفاهيم تكتسي لباس الوطنيّة والقداسة، وتكتسب صفتي التسليم والبداهة من كثرة تكرارها، لكن بتتبّع حقيقتها يتبيّن أنها لا وطنيّة ولا مقدّسة، وإنما هي وطنيّة مزيّفة فصَّلها الاستبداد لتُسنِد حكمه وتُديم سلطانه. 

1. البحثُ عن شرفٍ مُزيَّف

يستطيع الإنسان الحياة دون طعام لفترة، لكن لا يستطيع الحياة دون كرامة ولو لثانية.لذلك يبحث المواطنُ المقهورُ العاجزُ عن أيِّ مصدرٍ للفخر والعزّة والشرف، لكن في عصر الاستبداد يشهد المواطن انهيار كل مقومات الفخر والشرف، فلا وطن يُفتخَر به، ولا إنجازات تعزِّزُ قدره، ولا كرامة لمواطن يتمسَّكُ بها، ولا علم مفيد، واعتمادًا على هذا الواقع المرير فالمتوقع أن يكون المستقبلُ أَمَرَّ وأسوء، لذلك تزدادُ الحساسيّة تجاه التفاهات، فيسارعُ العاجز لاستدعاء أي موطن فخر وشرف تبقَّى له ليتشبث به، باعتباره الحائط الأخير، حتى لو كان وهمًا أو خرافة أو رمزًا فارغًا، لذلك في عهود التخلَّف والرجعية تزداد حماسة الناس وحساسيتهم تجاه الأمور التافهة السطحية.

التفاخرُ بالماضي ولو كان وهمًا

لا يبقى أمامَ المواطن العاجز سوى إنجازات أجداد من قرون فاتت، ورموز جوفاء بقيت له يتمسَّحُ بها، لذلك يتمسّك المواطن بهذه الباقيات الصالحات حتى آخر نفس، فتراه مُرهَف الحسِّ وسريع الغضب والاستشاطة نحو هذه الرموز، فيتحوَّل إلى ثائر عظيم، وجندي غيور إن أهنتَ أحد الرموز القديمة وعمل الأجداد السابقين، كأن لسان حاله يقول: “لم يبق لي إلا هذا الإنجاز أرفعُ به رأسي، وأعلِّمه أولادي، وأحفظ به سمعتي، فلا تُسقِط ورقة التوت التي أحفظ بها شرفي، واتركني أفتخر به ولو كان وهمًا، ولا تخبرني بالحقيقة إن كانت موجعة، ودعني أحتفل كل عام بإنجاز الأجداد حتى لا أموت من الحسرة والغم”!

وبذلك أصبحت الاحتفالات السنويَّة هي المُخدّر السنوي تحت عنوان: (لا تنظر للحاضر، بل انظر إلى الماضي السحيق، هناك تجد الفخر)، ونعيد الاحتفال مرة بعد مرة، حتى نحتفل بأننا نجحنا بعمل احتفال عظيم، ونُكرِّم الأبطال الذين نجحوا في تنفيذ الاحتفال، فنقيمُ لهم حفلة!

وبالتأكيد ليست المشكة في الفخر بإنجازات الأجداد، بل هو أمرٌ بديهيّ وصحيّ، لكن المشكلة في ثلاث درجات:

المُبالغة في الفخر بإنجازات قديمة ليست من صنع أيدينا.

والأسوأ: الاكتفاء بإنجازات الأجداد، كأننا لا نحتاج إلى إنجاز جديد.

والأخطر: اختلاقُ إنجازات وهمية، ورموز جوفاء، وأحداث مكذوبة، وخرافات أسطورية، فهُنا أصبح الافتخار أفيونًا مغيّبًا عن الواقع!

يقول د. مصطفى حجازي: “يهربُ الإنسان المقهور في أمجاد الماضي، ويتيه نشوان في مظاهر عظمة تاريخه وتراثه. وهو يختار من هذا الماضي الذي يُشكِّل الخير كله، على عكس الحاضر الذي يُشكِّل الشر كله، مقياسًا للحياة: تلك كانت الأيام، تلك كانت الحياة. وفي هذه الرجعة إلى الماضي يتماهى الإنسان المقهور خصوصًا بالبطولات العسكرية، بخوارق الفروسية، وبكل مظاهر الأبّهة في قصور الخلفاء والأمراء. ويحدث تضخيمٌ مُبالغٌ فيه، أو دون حدود، لتلك البطولات والأمجاد”(1).

2. البحث عن عدو وهمي

العدو هو أكبرُ نعمة للمُستبدُّ، فلا يوجد في التاريخ مُستبدٌّ لم يتخذ لنفسه عدوًا، إما عدوًا خارجيًا، أو جماعة داخلية، وحتى لو وصل الأمر أن يخترع هو العدو، ويفجِّر الطُرق ويخلق إرهابًا ليظهر للناس أنه يوجد عدو يتربص بهم.

ومن فوائد العدو للمُستبدّ:– العدو يوفِّر تبريرًا لوجود المُستبد؛ ففي الوضع الطبيعيّ يَحقِّ للشعب أن ينتخب رئيسه كما يريد، لكن عند وجود عدو، فالوضع لا يسمح برفاهية الانتخاب، والاختلاف، والانشغال بخلافات سياسيّة داخلية، بل نرتضي هذا الرئيس حتى تنتهي المِحنة وتزول الغُمة! وهي لا تنتهي أو تزول أبدًا، إذن فليبقى الرئيس أبدًا!

– القضاء على العدو هو أعظم إنجازات الرئيس!

حين يفشلُ الرئيس في تحقيق أي إنجاز حقيقيّ، فهنا يأتي دور العدو؛ إذ يُظهِر أن مجرد حجب خطر العدو، وتأميننا من العدو هو على الأقل دورٌ عظيم للرئيس، وتتدنى طموحات الشعب، فبدلًا من أن يقول: أنا أحلم وأرغب في تحقيق كذا وكذا، يقول: أنا أرغب ألا يتمكن الأعداء منَّا، ولا نتدهور لنصبح مثل البلاد المحتلة!

لذلك الشعب المُشبع بهذه الفكرة يتقبل أن يسرق الرئيسُ ويرتشي ويستبد ويظلم في مقابل حمايتنا من العدو! بل على استعداد أن يضحي بحياته للدفاع عن الرئيس؛ لأنه يعتبر بقاءه هو الحصن الأخير، السد الذي إن زال، ستغرق البلاد في الفتن والخراب والاحتلال والإرهاب!

– العدو يوفر غطاءً لقرارات الرئيس؛ ففي الوضع الطبيعيّ يجب أن تخضع قرارات الرئيس للفحص والنقد والتحليل والمراجعة، أما عند وجود عدو، فالوضعُ ليس طبيعيًا بل هو وضعٌ استثنائيٌّ أقرب للوضع العسكري في حالة حرب، أي حتى لو كان قرارُ القائد خطأ، فأطعْ أمر القائد، ثم تظلَّم من الأمر فيما بعد، ومن أدبيات العسكرية: الاتفاق على خطأ خيرٌ من الاختلاف على صواب! ومن شعارات المرحلة: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.

فحين يقول الرئيس: “قررتُ كذا، حتى لا تحدث الكارثة ويتمكّن منكم الأعداء”، فالشعب لا يفكر في القرار قدر تفكيره في الكارثة ورعبِهِ من الأعداء!

– العدو يوفّر شماعة الأخطاء؛ فلا أحد ينكر الوضع الفاشل الذي تؤول إليه الدولة، ولا يوجد مواطن واحد لم يسأل نفسه: من السبب؟ من المسؤول عن كل هذا الخراب؟

والحل: اصنع عدوًا وهميًا، انفخ في نار نظرية المؤامرة، واقنع شعبك أن العالم كله يتآمر علينا، وقوى الشر تتربص بنا، والإرهاب من خلفنا، والمُحتل على حدودنا. لذلك يجب أن نصبر على مصائبنا، ونتحمَّل قرارات الرئيس بالتقشف، ولولا العدو لكانت بلادنا جنة، فحسبنا الله في هذا العدو الذي حرمنا ومنعنا وأفشلنا وخلَّفنا!

حين أحرق نيرون روما لم يكتفِ بتبرِئة نفسه، فكان ضروريًا أن يأتي بأحد ليتحمل غضب الشعب، فأطلق شائعة بين الناس أن المسيحيين هم الذين أحرقوا روما، فطاردهم الغوغاء في الشوارع وقتلوهم(3)!

– التخلّص من المعارضين:حين يعارضك أحد، أو يثور الشعب ضدك، فالتحليل السياسي جاهز: هؤلاء المعارضة هم جواسيس العدو في بلادنا، والطابور الخامس، ومُمولين من العدو، ويوجههم العدو، لك إن قتلتهم أمام أعين الناس، فلا بواكي لهم!

هذا العدو المتوهِّم يتحكم في أخلاقيات الشعب وسلوكياته ونمط حياته، فلم يعد متفائلًا بالمستقبل، مخططًا للبعيد، بل يتملَّكه الخوف، ويولي أهمية قصوى للأمن، ويختارُ دائمًا بين السيء والأسوأ، ويدفن طموحاته وأحلامه، ويستتر خلف رئيسه الحامي للبلاد، ويتغافل عن عيوبه وخطاياه مقابل شراء أمانه وسلامته.

يقول د. مصطفى حجاي: “الوسيلة الأكثر شيوعًا في العالم المتخلف هي توجيه العدوانيّة إلى جماعات خارجيّة من خلال التعصّب العرقي أو الطائفي، ثم يعلن الرئيس الحرب على هؤلاء الأعداء الوهميين، وبذلك يربح المستبِدُّ مرتين؛ مرة بصرف الغضب الشعبي عنه وتحميل الأعداء مسؤولية أي خراب، ومرة حين يقود لواء الحرب ضد الأعداء فيعود في الصورة كبطل يجب أن يلتف الشعب حوله”(4).

مثال (1): السيسي أو سقوط الدولة

اتّخذ السيسي من سقوط الدولة العدو والفزَّاعة التي يرعب بها الشعب، فكثيرًا ما لوّح بهذه الفزاعة في خطاباته.

 فقال: “كان التخطيط كله هو إسقاط هذه الدولة“(5).

وقال: “الدولة التي تسقط لا تقوم مرة أخرى، انظروا إلى سوريا واليمن والصومال وأفغانستان. حين يحدث فراغ، تتحرك قوى الإسلام السياسيّ، التي تتصور أن لها حق مقدّس في الحكم، وإما أن يحكموا الناس أو يقتلوهم”(6).

وقال: “الجيل الرابع من الحروب يتم استخدامه في مصر، ولو سقطت مصر، ستسقط المنطقةُ بأكملها”(7).واعترف بوضوح أنه يستخدم هذه الفزاعة ويمليها على الشعب، فقال: “يجب أن يكون لدى الناس فوبيا من إسقاط الدولة، وعلى الإعلاميين والمثقفين والمفكرين الاهتمام بهذا الموضوع”(8).

وبعد أن سيطر الرعب في نفوس الشعب من هذه الفوبيا، جاء دور المرحلة الثانية: الاعتراض على الرئيس سيهدم الدولة، ومجرّد خروج مظاهرة تعترض على سياسات الرئيس، ستؤدي بالضرورة إلى انهيار الدولة بأكملها، وبالتالي فليعلم الشعب أن أعداء الوطن المخربين هم هؤلاء الشباب المتظاهرين!

فقال: “مظاهرتان يهدّان البلد”(9).

وحين سُئل: “هل التظاهر يسقط الدولة؟ فأجاب: نعم”(10)!والآن يأتي دور المرحلة الثالثة: أنا أو سقوط الدولة؛ فكثيرًا ما علَّق السيسي استقرار الدولة وأمنها على وجوده هو بالذات.فقال: “أنا أعرف مصر ومشكلاتها كما أراكم الآن، فلا تسمعوا لأحد غيري، ولن أسمح بتقطيع مصر وسقوطها، ومن يقترب من مصر سأمحوه من فوق الأرض، ومن يريد حفظ مصر معي فأهلًا به، وإلا فلتصمتوا”(11).وقال: “قسمًا بالله من يرد تضييع مصر، فليتخلص مني أولًا، وأمن واستقرار مصر ثمنه حياتي وحياة الجيش”(12).

/المحطة/

اترك رد إلغاء الرد