رباعية ريفية” من نجيب سرور

تؤرخ لظلم عاش منذ ألوف السنين
بؤس الفلاح المصري من زمن الفراعنة إلى عصور “حسن ونعيمة” و”بهية وياسين”

/إبراهيم العريس/عربية اندبندنت/

كان نجيب سرور حالة شديدة الخصوصية في الحياة الثقافية المصرية في سنوات الستين، كان شاعراً وكاتباً مسرحياً، وكان في الحياة العامة مناضلاً سليط اللسان، ولكن غالباً عن حق، لكن ما بقي منه أكثر من أي شيء آخر إنما كان تلك “الرباعية” المسرحية التي يمكن أن نسميها “الرباعية الريفية” باعتبارها تتألف من أربع مسرحيات كانت بدورها شديدة الخصوصية، وإن كانت تهتم أول ما تهتم بما كان يتطلع إليه كثر من كتاب المسرح في مصر في ذلك الحين، أي العثور على صيغ أصيلة لمسرح شعبي. وبالنسبة إلى سرور كان ذلك يعني العثور على دور نضالي شعبي للمسرح. ولقد واصل العمل على تلك الرباعية أكثر من دزينة من السنين بدأها حين كان يدرس في بعثة مسرحية في بودابست وكتب “ياسين وبهية” عامي 1963 -1964، ليختمها في عام 1975 بالمسرحية الرابعة والأخيرة “منين أجيب ناس” مروراً بـ”آه يا ليل يا قمر” (1968) و”قولوا لعين الشمس” (1970). ومن الواضح أن المسرحيات الأربع تنطلق في الأساس من أساطير وحكايات مصرية يعود بعضها إلى الزمن الفرعوني، من خلال عصرنة ما لأسطورة إيزيس وأوزوريس في ارتباط مع حكاية “حسن ونعيمة”، فيما ينهل الباقي من حكايات قهر وبطولة وغضب تدور من حول معاناة الفلاحين المصريين في وجه الإقطاع حيناً وضراوة المجتمع المكبل حيناً وأحياناً من حول الاحتلال علماً أن جذور “مسرحيات” نجيب سرور كانت تغوص عميقاً في التاريخ بحيث لا يبقى منها لشؤون القرن العشرين سوى دروسها النضالية وقدرتها على التحريض الغاضب ضد كل ما يمس كرامة الفلاح وحتى قبل ما يمس رزقه.

مواويل القهر المتوارثة

في الحقيقة لم يكن ثمة جديد في مواضيع مسرحيات تلك الرباعية، فهي مبنية على مواويل شعبية موروثة يتداولها الفلاحون والناس البسطاء ليس دائماً من طريق ما سيحاول زملاء لسرور، وعلى رأسهم يوسف إدريس، أن يبعثوه في زمن راح فيه المسرح المصري، والعربي بصورة عامة، يبحث عن هوية له تبعده قدر المستطاع عن التقاليد المسرحية الغربية، وصولاً إلى إعادة فن الفرجة الأصيل ومسرح السامر. بالنسبة إلى نجيب سرور لا بأس أن تكون الأمور أبسط من ذلك وأعمق من ذلك: لا بد أن تلتفت صوب المغني الشعبي بمواويله وعزفه على الربابة. فهذا فن جوال معروف منذ أقدم الأزمنة عبره يتداول المغنون “القوالون” وهم يعزفون على الربابة ألحاناً شجية، تلك الحكايات المتداولة حول الحب وظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ونضال الفرد ضد المجتمع الظالم إلى ما هنالك. وغالباً هي مواضيع ترافق الفلاح المصري من طفولته حتى رحيله كما رافقت التاريخ المصري منذ الحكايات الفرعونية. وهكذا راح نجيب سرور وهو الشاعر الملهم، ينسج أشعاراً بالفصحى إلى حد كبير في “ياسين وبهية” أول الأمر، ثم غالباً بالمحكية المصرية بعد ذلك، ليخلق مسرحاً شاعرياً موسيقياً يحتفل بالإنسان ويحييه كما يؤبنه ويرافقه في أفراحه ونضالاته، مسرحاً أتى من عمق الروح الشعبية ولكن بعد أن مر على مرشح ذلك الشاعر الذي عرف المخرج كرم مطاوع كيف يحول قصائده الجمعية والفردية بما في ذلك أداء الكورس، إلى لغة فنية بصرية رائعة، ولكن مليئة بالشجن والغضب والحب والموت في الآن عينه.

بساطة اللغة وعمق الموضوع

ببساطة لغته وعمق مواضيعه ينتمي نجيب سرور، الذي رحل عن عالمنا في عام 1978، إلى جيل الستينيات في الكتابة المسرحية والشعرية، في مصر، لكنه حتى ضمن إطار ذلك الجيل الذي انطلق من هامش الحياة الأدبية والفنية المصرية ليحتل المواقع الرئيسة فيها بفضل الظروف السياسية والفكرية المهيئة لذلك، كان نجيب سرور هامشياً، وظل هامشياً حتى في أيامه الأخيرة. ولئن كانت هذه الهامشية قد أعطت كتاباته، المسرحية والشعرية، نكهة خاصة تحمل كماً إضافياً من الصدق والشفافية، وكمية كبيرة من المشاكسة، فإنها في أحيان كثيرة كانت تشعره بمرارة وكآبة ربما كانتا ما قضى عليه في نهاية الأمر.

فالذين يعرفون نجيب سرور يعرفون أنه هو، بصرف النظر عن إبداعاته، شخصية درامية، خاضت معترك الحياة والسياسة والمجتمع من موقع الضد الدائم. في المرات القليلة التي كان فيها قلق نجيب سرور يخفت لتحل محله مظاهر دعة ورزانة، كانت الأمور سرعان ما تتبدل. من هنا لم يكن من قبل الصدفة أن يتعامل معه المجتمع الصارم تعامله مع مصاب بانفصام، ووصل به الأمر في هذا السياق إلى أن يوضع في المصح العقلي، ليصاب بعد ذلك بداء السل، الذي تواكب عنده مع إدمان على الشراب لم يكن في حقيقة أمره سوى محاولة منه للهروب من الخيبة الكبيرة التي عصفت به. فما الذي كان عليه مصدر هذه الخيبة؟

من الثورة إلى الخيبة
بكل بساطة- وهو جواب يمكننا أن نستقرؤه في ثنايا ومواضيع معظم أعمال نجيب سرور المسرحية- كان المصدر الثورة نفسها التي آمن بها نجيب سرور منذ اندلاعها في عام 1952، وكان في الـ20 من عمره، لكنه ما إن مرت سنوات الثورة الأولى حتى “لاحظ سرور، كما يقول دارسو أعماله، ما طرأ على مجتمع الثورة من تحولات مذهلة، واكتشف ميلاد باشاوات العهد الثوري الجديد أو الإقطاعيين الجدد”. في البداية حاول نجيب سرور أن يكذب على نفسه وألا يصدق ما يراه، لكن مقاومته هذه لم تطل، إذ أتت هزيمة يونيو (حزيران) 1967 لتكشف “عن تلك المفارقة الهائلة بين الزيف الإعلامي… والحقيقة الأليمة التي آلت إليها مصر”. ومنذ تلك اللحظة ازدادت مشاكسة نجيب سرور الذي راح يعبر عن ذلك في مسرحياته وأشعاره وكتاباته، وظل ذلك حاله حتى أيامه الأخيرة.
ولد نجيب سرور عام 1932 في قرية أظعاب ابناً لعائلة فقيرة، كما يقول هو نفسه في واحدة من قصائده: “أنا ابن الشقاء. ربيب الزريبة والمصطبة”. وهو انتقل إلى القاهرة باكراً ثم حدث بعد الثورة أن أرسل في بعثة للدراسة في الاتحاد السوفياتي كان من أفرادها كرم مطاوع وسعد أردش وجلال الشرقاوي، وهناك تزوج من سيدة روسية، وقرر أن يتابع إقامته في ذلك البلد، ثم انتقل إلى بودابست في المجر، حيث كتب واحداً من أفضل أعماله “ياسين وبهية” كجزء من تلك الرباعية التي تحدثنا عنها أعلاه، وهو حين رجع إلى مصر بعد ذلك، لم يتوان رفاقه عن تقديم مسرحياته تباعاً، على الخشبة، على الرغم من تحفظ السلطات والرقابة، ومن قسوة تلك المسرحيات. وهكذا، خلال أعوام قليلة قدمت “ياسين وبهية” و”آه يا ليل يا قمر” و”يا بهية وخبريني” ثم “الكلمات المتقاطعة”. وفي بعض أحيان تلك المرحلة ترجم نجيب سرور أعمالاً لتشيكوف وناظم حكمت، كما مثل دور “آغا ممنون” في مسرحية أسخيلوس.

ظاهرة استثنائية

في ذلك الحين كان في إمكان نجيب سرور، وقد أضحى جزءاً من المشهد الفني والثقافي في مصر، أن يستفيد من ذلك الوضع، وأن يكتب النقد الهادئ البسيط، لكنه آثر أن يترك المجال لمواقفه النقدية العنيفة، وهكذا كانت أعمال مثل “الحكم قبل المداولة” (1967 – 1969) التي راح فيها يخوض البحث عن أسباب هزيمة يونيو (حزيران) و”الذباب الأزرق” وهي مسرحية عن فلسطين، منعتها الرقابة في حينه (1971)، و”ملك الشحاتين” التي أعدها عن “أوبرا القروش الثلاثة” لبريخت، وكان من المفروض أن يمثلها ثلاثي أضواء المسرح، لكن جلال الشرقاوي خص بها مسرح البالون، وخلال سنواته الأخيرة كتب نجيب سرور المسرحية البديعة “منين أجيب ناس” كخاتمة للرباعية التي يعتبرها النقاد من أفضل أعماله وأقساها، وهو كتبها في عام 1975 “خلال أسبوعين فقط وهو راقد في مستشفى للأمراض النفسية والعقلية” في الإسكندرية.
كان نجيب سرور، بعد عقود طويلة من رحيله، ظاهرة استثنائية في الحياة الثقافية العربية، والمؤسف أن هذه الحياة تميل إلى نسيانه وإلى تجاهل أعماله في أيامنا هذه على الرغم من كونها أعمالاً كشفت الجرح باكراً، وتعاملت معه بما يستحق من عنف. تماماً كما فعلت أشعار نجيب سرور الذي لم تجمع معظم قصائده حتى اليوم، مع التنويه إلى أن دراسته المميزة التي كانت شبه مجهولة عن “ثلاثية نجيب محفوظ”، نشرت قبل سنوات في بيروت، بمبادرة من الأديب محمود دكروب

غلاف كتاب “ياسين وبهية”

اترك رد إلغاء الرد