وايزمان اليهودي الحكيم يعود إلى البندقية في الـ92

همه كشف تعقيد العالم ولا دروس في السينما والموضوعية كذبة

/هوفيك حبشيان /عربية اندبندنت/

سينمائياً وسينمائية يشاركون هذا العام في مسابقة مهرجان البندقية في دورته الراهنة، واحد منهم يمتاز بفرادة لا مثيل لها. إنه الأميركي اليهودي فريدريك وايزمان الذي يعتبره كثيرون “أكبر صانع وثائقي حي”، وهو يشارك هذه المرة بفيلم روائي عنوانه “زوجان”. ومعروف أن في مسيرته التي بدأت في ستينيات القرن الماضي لا يوجد إلا فيلم روائي واحد، وهو “الرسالة الأخيرة” (2002)، نوع من مونولوغ مسرحي مقتبس من رواية لفاسيلي غروسمان. فالرجل كرس حياته كلها لالتقاط الواقع الخام على طريقته الخاصة جداً، التي وضع لها أسساً وقواعد صارمة لا يحيد عنها، مما جعله أحد أسياد الفيلم الوثائقي في العالم. أما الأعمال المتخيلة فتركها لغيره من المفبركين والمتلاعبين بالواقع، ولم يعد إليها إلا عندما شعر بالحاجة، أو بالأحرى متى وجد أن الحكاية التي يريد سردها تحتاج إلى المرور عبر حكبة وقصة ودراما، وإلى إخراج ينتمي إلى عالم السينما الروائية. وفرادة وايزمان لا تقتصر على ما سبق وحسب، بل تأتي في الأساس من كونه أكبر المخرجين سناً في هذه الدورة.

في الواحد من (كانون الثاني) من هذا العام، بلغ الرجل الثانية والتسعين من العمر. ومع ذلك، عندما تجلس إليه، يمدك بالطاقة الإيجابية والحيوية مما لا يملكه الشباب. التقيته مراراً، ودائماً في مهرجان البندقية الذي كان وفياً له ولأفلامه، ولا يترك المجال لغيره كي يسرقها منه. وكانت لقاءات دائماً غنية ومتشعبة وهادئة، فوايزمان كبير من بين الكبار، حكيم صاحب فكر ورؤية، يعرف ماذا يقول، ولو أن الحديث معه لا يتحول البتة إلى ثرثرة بلا طائل. جمله قصيرة، دالة، يقول فيها زبدة الكلام، ولو أنها تقول أيضاً عجزه عن التعبير عمّا في باله من أفكار. فهو في النهاية، رجل صورة لا رجل كلام. لكنّ فضولنا كان يحملنا دائماً إلى الرغبة في معرفة المزيد عن الأشياء التي يصورها، فضلاً عن رغبتنا المستمرة في معرفة أسرار صناعة الفيلم الوثائقي الذي أصبح ولا يزال، أهم مرجع فيه على المستوى الدولي. لا يمكن الحديث عن السينما التسجيلية من دون المرور به وبأفلامه التي عرى فيها المؤسسات الأميركية وآلية عملها وظل هذا شغله الشاغل طوال أكثر من نصف قرن.

شاي وأناناس

في آخر لقاء لي معه، وجهاً لوجه، في فندق “إكسلسيور” الفينيسي، كان يشرب الشاي وعصير الأناناس معاً. عن سبب نشاطه الدائم الذي لم يخف مع العمر بل راح يزداد، قال لي: “أمارس الرياضة كل يوم ساعة ونصف الساعة، لأبقى على نشاطي الدائم. مَن سيقوم بكل هذا العمل؟”. ثم أخبرني أنه يعمل 11 شهراً في السنة، وفي الشهر الثاني عشر يقصد سويسرا لعطلة التزلج التي لا يمكن أن يفوتها.

يعمل وايزمان بأسلوب خاص به. لديه قواعد لكن أكثر ما يتميز فيه أنه يباشر التصوير من دون أي اطلاع مسبق على الموضوع الذي يريد تصويره. عندما تسلّم جائزة “أوسكار” في عام 2015 عن مجمل أعماله، مازح قائلاً إنه حتى بعد اتمامه الفيلم “هناك مَن يعتقد أنه لا يزال لا يعرف شيئاً عن الموضوع”. عظمته أنه لا يبدأ عملية التقاط المشاهد بفكرة جاهزة أو نظرية يريد تأكيدها. وهذا نمط من العمل تكرهه شركات الإنتاج وصناديق الدعم التي تطلب تقديم فكرة شاملة ودقيقة عن مخطط الفيلم وأهدافه. بعد التصوير، يمضي وايزمان نحو سنة داخل غرفة المونتاج “ليجد فيها فيلمه”، على حد تعبيره. عندما تسأله ماذا يريد، يقول دائماً إنه يريد إظهار “تعقيد هذا العالم”. هكذا يعمل الرجل باختصار شديد، أما مَن يرغب في المزيد من التعمّق في أسلوبه والنتيجة التي يخرج بها، فعليه بمشاهدة أفلامه.

ولعل أبلغ درس أعطانا إياه وايزمان في سينماه هو عدم اللجوء إلى التدليس السياسي، فهو يكره مثلاً الأفلام التي أنجزها مايكل مور ويعتبرها دعائية ومبتذلة. ولكونه يوافق على بعض طروحات مور السياسية، فهذا لا يعني أنه تعجبه السينما التي يصنعها. فيكفي أن تجلس مرة إلى وايزمان لتفهم أنه لا يستلطف الأفلام التعليمية. إعطاء الدروس في السينما ليس من هواياته. لذلك، يمنع نفسه في أن يضع تعليقاً صوتياً في أفلامه، بل يدع المُشاهد يكتشف ما يريد إيصاله من أفكار. هذا لا يعني أنه بسيط الطرح، فوجهة النظر التي يتبناها غاية في التعقيد. يعلق قائلاً: “على الأقل، أتمنى أن تكون كذلك. أعمل بجهد لبلوغ تلك البساطة. لكن الحياة معقدة وذات عمق، وأنا لا أريد تسطيحها. لا أؤمن بصراع الحضارات، بل أؤمن بعدم فهم حضارة أو ثقافة لأخرى. أعتقد أن الغرب ليس مفهوماً لدى الشرق، والشرق ليس مفهوماً لدى الغرب. لستُ الأول في الإعلان أن عالمنا الحالي يعاني مشكلات مستعصية قد لا يكون حلها في القريب. لا أستطيع أن أصرّح إذا كنت متفائلاً أو متشائماً، فهذا يتوقف على الموضوع الذي نتكلّم فيه”.

الموضوعية كذبة

هناك مسألة يحاجج فيها وايزمان دائماً: الموضوعية. في نظره، الموضوعية كذبة. ذلك أن كلّ شيء ذاتي. يؤكد ويكرر أنه ليست لديه أدنى فكرة عما تعنيه تلك الكلمة. يقول بشيء من المزاح بأن الموضوعية هي أن تلتقط صورة من 360 زاوية وبـ360 كاميرا. ثم يسأل: “لكم من الوقت تستطيع أن تفعل ذلك قبل أن ترمي الكاميرا؟ وهل إذا استمر التصوير على هذا النحو، فسيُعتبر موضوعياً؟”. ثم يضيف قائلاً: “بدلاً من كلمة موضوعية استعمل كلمة عدل. لأنك حتى عندما تعطي الكلمة لطرفين متخاصمين، وتنقل وجهتي النظر المتضاربتين في شأن واحد، فهذا تقويم ذاتي للمسألة. في الفنّ والسينما كلّ شيء ينبع من خيار. شخصياً، أبحث عن الحقيقة، الحقيقة وفق اقتناعاتي أنا. لذلك، أجد عبارة “سينما الحقيقة” في منتهى الادعاء. لا يمكن الفيلم أن يقول الحقيقة المطلقة. قد ينقل حقائق، أو حقيقة واحدة. مهما قلنا، في النهاية هناك معطيات تقول لنا إن الفيلم السينمائي هو تعبير عن فكر المخرج الذي يقف خلف الكاميرا”.

ترى ماذا سيقول فنان كبير في التسعينيات من عمره عن العلاقة بين ليو تولستوي وزوجته وصوفيا؟ ذلك أن جديده، “زوجان”، الذي يقع في نحو ساعة من الزمن بخلاف أفلامه الوثائقية الطويلة جداً. يروي هذه العلاقة الزوجية التي استمرت 36 سنة وأسفرت عن 13 ولداً، وكان فيها خلافات كبيرة وأيضاً لحظات مصالحة مليئة بالشغف. يقول ملخّص الفيلم: “في الطبيعة المعبّرة لجزيرة برية، تعترف صوفيا تولستوي عن إعجابها الشديد بمؤلف “حرب وسلم” وخوفها منه، وكذلك عن سعادة العيش المشترك وآلامه”. هل لدى وايزمان ما يقوله عن الحب والشغف من وجهة نظر سينمائي لطالما كبح مشاعره في أفلامه. أو ربما فهم من خلال تلك الأفلام سراً من أسرار الحياة. الجواب في عرض الغد، لننتظر ونرَ.

المخرج الأميركي اليهودي وايزمان في البندقية

اترك رد إلغاء الرد