هل الدولرة هي الحل الأمثل لاقتصاد لبنان المنهار؟

/ترجمة زائدة محمد الكنج الدندشي- الرائد نيوز/

بعدما تعطلت سيارته لدى وصوله من بيروت إلى بلدته في البقاع شرق لبنان، اضطر رمزي قاسم، أب لثلاثة أولاد وموظف في القطاع العام، إلى دفع مبلغ 1500 دولار أميركي بدل محرك سيارته.
قال رمزي: “أدفع 100 دولار شهريا كرسوم مولدات خاصة. ففي الصيدلية يتم تحديد سعر الأدوية وفقا لسعر الصرف اليومي للدولار، تماما مثل أسعار السلع الأساسية في السوبر ماركت. كل شيء بالدولار.

دفعت حنان مصطفى، شابة لبنانية في العقد الثالث من عمرها، 12 دولارًا لقاء تحليل مخبري قامت به في مستشفى في صيدا جنوب لبنان.

تقول حنان: “كان لدي خيار الدفع بالليرة اللبنانية بسعر صرف السوق السوداء (33 ألف ليرة لبنانية مقابل الدولار في ذلك اليوم)، فحدث نفس الشيء. لقد دفعت بالدولار.

وقالت لمى، وهي سيدة تبلغ من العمر 26 عامًا، من الجنوب وتعمل في بيروت (لم تشأ الكشف عن اسمها الكامل)، ل”ذا مونيتور” إنها تدفع إيجارا قدره 170 دولارًا للغرفة في بيروت، وصاحب الأرض يقبل الدفع نقدًا فقط.
“يمكنني دفع الإيجار لأن راتبي بالدولار رغم أنني أكسب 700 دولار فقط. فقد انخفضت الرواتب وسط الانهيار الحالي للعملة المحلية. وتقول الشركات إن 700 دولار تساوي حوالي 21 مليون ليرة لبنانية في حديثنا هذا. وعلى الرغم من أن هذا الرقم قد يبدو ضخما، إلا أنه لا يشتري شيئًا.

وتباع السلع والخدمات مثل اللوازم المنزلية وقطع غيار السيارات والملابس والتأمين الصحي والمستشفيات والإيجارات والاشتراكات إما بالدولار أو بسعر الصرف اليومي في السوق.

ولا يوجد قرار رسمي يجبر الناس على تسعير بالدولارات. ولكن لا يمكن إنكار حقيقة أن العملة الوطنية قد انهارت أمام الدولار، فالاقتصاد اللبناني يتحول تدريجيًا وبشكل فوضوي إلى دولار، حيث يهيمن الدولار على التسعير والدفع والتجارة وحتى مدخرات الناس بسبب انهيار الجنيه اللبناني منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية في تشرين الأول 2019، ما جعل البلاد على حافة الانهيار المالي التام.

الاقتصاد القائم على الدولار هو اقتصاد تتبنى فيه البلاد رسميا الدولار بدلا من عملتها المحلية. هذا ويرى بعض المراقبين وخبراء الاقتصاد أن الحل سيكون للأزمة النقدية الحالية في لبنان، وسبيل لتأمين الاستقرار النقدي. إلا أن هناك آخرين يعارضون هذا الاقتصاد على أساس أن التمسك بالعملة الوطنية يعكس إستقلال لبنان وسيادته.

وقال باتريك مارديني، رئيس “المعهد اللبناني لدراسات السوق”، في حديث ل”ذا مونيتور”، إن دولته على الاقتصاد ستساعد اللبنانيين على تجاوز الأزمة الحالية والحد من الفقر.
“عندما تحصل المؤسسات على أجور سلعها وخدماتها بالدولار، فإنها تضمن هامش دولار يغطي أجور ورواتب موظفيها. وهذا يساعدهم أيضا على دفع الضرائب والرسوم للدولة اللبنانية بالدولار، مما يسمح للدولة بتحصيل الرواتب التي تدفعها لموظفي القطاع العام.
وأضاف مارديني أن العقود مع العاملين في القطاعين العام والخاص ستحول بالتالي إلى دولارات، مما سيخفف من إختلال التوازن بين دخول ومصاريف المؤسسات في القطاعين المذكورين.

وبحسب مارديني، فإن مصرف لبنان المركزي سيشتري في هذه الحالة الليرة اللبنانية المتداولة والنقود في الحسابات المصرفية ويدمرها لاحقا. وأوضح أن هذه العملية ستكلف ما بين ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار أميركي وستضع حدا للأزمة النقدية وانهيار العملة الوطنية.

وتبنت العديد من دول العالم عملة مختلفة عن العملة المحلية مثل فرنسا وايطاليا والمانيا. والفارق الوحيد هو أن هذه البلدان لم تعاني من أزمة اقتصادية ونقدية حادة مثل لبنان.

وكان وزير السياحة وليد نصار قد أصدر قرارا في الثاني من حزيران/يونيو يسمح للمنشآت السياحية بتحديد أسعارها بالدولار حتى نهاية أيلول 2022.
ووفقا لمارديني، أثبت القرار نجاحه، حيث أن “عائدات السياحة هذا العام تقدر بنحو 4 مليار دولار، وهو أفضل مقارنة بالعامين السابقين”.

واستطرد مارديني قائلا: “أعتقد أن أحد أهم أسباب نجاح قطاع السياحة هذا العام هو قرار تثمين الأسعار الذي يجب أن يمتد إلى فصل الشتاء وكافة القطاعات مثل الصناعة والزراعة”.

ويوافقه في الرأي الخبير الاقتصادي جان طويل. وقال ل”مونيتور”: “إن اعتماد الدولار في القطاعات التجارية والسياحية والطبية، وغيرها، والجنيه اللبناني في قطاعات أخرى كالقطاع العام، ستكون له انعكاسات دراماتيكية في لبنان، إذ سيعمق الانقسام بين الأغنياء والفقراء”.
“إن العملة تقوم على الثقة. ففي لبنان، فقد الناس الثقة بالعملة الوطنية التي يتم طبعها حاليا لتأمين رواتب القطاع العام.
“كم من الدولارات تبقى في البنك المركزي؟ إن أكثر من 80 في المئة من اقتصادنا يعاني من الركود، لذا فإن تحويل النسبة المتبقية من الاقتصاد إلى الدولار هو الخيار الأفضل.
“كنت واحدا من الناس الذين تشبثوا بالعملة المحلية، ولكن بعد ثلاث سنوات من الأزمة الاقتصادية والنقدية، وبعد إنفاق نحو 25 مليار دولار من أحتياطيات البنك المركزي، ورفض السلطة السياسية تنفيذ أي إصلاحات اقتصادية، يبدو أن التحول الشامل إلى التعامل بالدولار هو الخيار الوحيد لتحقيق إستقرار العملة. وسوف تجبر الدولنة الأحزاب السياسية على التوصل إلى قرار سياسي مشترك في هذا الصدد.

من جهته، لا يؤمن جاد طعمة، المحامي ومنسق اللجنة القانونية في المرصد الشعبي لمكافحة الفساد، بخيار الدولرة الشاملة في لبنان.
وقال لجريدة The Monitor أن “جوهر الأزمة يكمن في السياسات النقدية والمالية السيئة للهندسة التي أدت إلى التضخم وانهيار العملة الوطنية، مع العلم بأن المجلس المركزي للبنك المركزي هو المسؤول عن ذلك لأنه تولى تنفيذ قانون المال والائتمان”، الذي يغطي تنظيم المال.
وأضاف: “كان من المفترض أن تحظى العملة الوطنية بالحماية بدلا من السماح لها بالانهيار”.

وأشار طعمة إلى أنه ليس من الحكمة بالنسبة للبنان أن يتخلف عن سداد ديونه المستحقة على سندات اليورو في آذار/مارس 2020. ورغم أن هذه المستحقات كانت تعادل 1،3 مليار دولار، فإن أحتياطيات البنك المركزي كانت آنذاك نحو 37 مليار دولار. وأوضح أن التخلف عن سداد الديون زعزع إستقرار الوضع المالي للبلد وأدى إلى تدهور الأزمة الاقتصادية إلى الأسوأ.

كما قال: لكي نخرج من الأزمة الحالية فإن القوانين السارية، أو على وجه التحديد مدونة النقود والائتمان، لابد وأن يتم تنفيذها في ظل سياسة نقدية واضحة. فضلا عن ذلك، يتعين على البنك المركزي ووكلاء النيابة العامة أن يتحكموا في السوق السوداء، في حين يتعين توحيد سعر الصرف الرسمي. بالإضافة إلى ذلك، يجب وضع سياسة مالية شفافة وسياسة جديدة للهندسة المالية تأخذ في الاعتبار مصالح الناس في إستعادة ودائعهم. هذه هي العناوين الرئيسية التي ينبغي لخطة الإصلاح المتكاملة أن تستند إليها.

/Al Monitor/

اترك رد إلغاء الرد