أطفال سوريا يموتون تحت النفايات

/كارمن كريم- درج/

6 أشخاص اختنقوا تحت القمامة حتى فارقوا الحياة. ثلاثة أطفال بدأوا حياتهم في مكبات النفايات وانتهوا فيها… ألا تبدو هذه المأساة أبشع صورة تراجيدية عن مكان يدعى سوريا؟

وسط حاوية كبيرة يقف طفل لا يكاد يبان رأسه، ينزل لثوانٍ ثم يخرج بقنينة، يضعها في كيسه ليعود مرة أخرى إلى قلب الحاوية، بينما تمضي الحياة من حوله، ناس مسرعون إلى العمل، وأطفال يمسكون بأيدي أمهاتهم، وشباب على الدراجات، أمّا هو فكأنه في عالم آخر، لا يكترث سوى لمحاولة إيجاد شيء مفيد داخل المكبات العشوائية… إنه مشهد يملأ شوارع سوريا، كأصدق تعبير عن مخلفات الحرب والقهر والفقر المزمن.

وتحت أطنانٍ من النفايات لقي 6 سوريين مصرعهم، بينهم ثلاثة أطفال، إنه خبرٌ قد يهزّ حكومات دول العالم ويدفع مسؤولين إلى الاستقالة ووسائل الإعلام إلى كشف الحقائق واتخاذ موقف إنساني، لكن في سوريا يمرّ الخبر دون أدنى اهتمام إعلامي أو حتى تعاطف.

 6 أشخاص اختنقوا تحت القمامة حتى فارقوا الحياة. ثلاثة أطفال بدأوا حياتهم في مكبات النفايات وانتهوا فيها…

ألا تبدو هذه المأساة أبشع صورة تراجيدية عن مكان يدعى سوريا؟

شتيمة “واطي” بوجه الموت تحت النفايات

قضى المواطنون الستة بعد سقوطهم في مكب للنفايات بمنطقة الغزلانية في ريف دمشق، بداية شهر تموز/ يوليو الفائت ولم يُكشف عن الموضوع حتى يوم الأربعاء الماضي 24 آب/ أغسطس، حين نقلته صحيفة البعث المحلية، وقالت الصحيفة إن النفايات انهارت من تحت الأشخاص الستة ما أدى إلى وقوعهم في حفرة كبيرة داخل المكب، ثم غمرتهم أطنان من النفايات المتخمرة، ومن بين الضحايا ثلاثة أطفال أعمارهم 12 و15 و16 عاماً.

لم تتحدث أي وسيلة إعلامية سوريّة أو مسؤول عن الكارثة، وكأن خبراً كهذا لا يعني أحداً في البلاد بطولها وعرضها، وحياة الأطفال رخيصة لهذا الحد! لا يثير الموت المجاني حفيظة حكومة النظام حتى لو كان تحت القمامة، فهل هناك فرق بين الاختناق برائحة القمامة أو بالسلاح الكيماوي؟ الموت تحت أنقاض القصف أو أطنان القمامة؟ قمامة كثيرة يرميها الأغنياء وقليلة جداً يتركها الفقراء، ما عاد يملك الفقراء ما يرمونه في قمامتهم لكنهم يموتون تحتها، في مقابل هذه الكارثة، يتحدث المسؤولون عن منع المغنية ريم السواس من الغناء في سوريا لأن كلام أغانيها هابط، ولأنها تقول كلمة “واطي” في إحدى أغنياتها، يحاولون حماية الإرث الموسيقي للبلاد من كلمة “واطي” و”تعال نتزوج بالسر”، لكنهم غير معنيين بحماية الإنسان من الفقر والظلم والموت، لأن مكبات النفايات هي بلد آخر خارج الحدود الوهمية التي يرسمها نظام الأسد للبلاد وإرثها ويتغنى فيها برائحة الياسمين، لذلك لا يتحدثون عنها، ولا عن عمالة آلاف الأطفال الذين يموتون قبيل العودة إلى المدارس، تحت رائحة الفساد والديكتاتورية والخسارات المتلاحقة للسوريين، أطفالٌ، للمفارقة، يبدو موتهم هامشياً أمام كلمة “واطي”.

روائح نفايات تفوح من الجثث

“بحالة مأساوية وروائح نفايات فاحت من الجثث الستة”، يصف طبيبٌ في مستشفى المواساة لحظة وصول الجثث، حرم النظام الناس حتى من كرامة اللحظات الأخيرة. فالموت بالقصف والكيماوي لم يكن أسوأ ما قد يحدث، ففي بلد كسوريا يتم ابتكار أساليب جديدة كل يوم للقتل والقهر، كأن يموت طفل تحت القمامة. 

أطفالُ سوريا ليسوا بخير، فلم يمضِ شهر على اغتصاب وقتل الطفلة جوى اسطنبولي، يتحمل الأطفال ثقل نهاية الحرب والانهيار الاقتصادي والفلتان الأمني، وبرغم غياب الإحصاءات الدقيقة، إلا أن تصريحات بعض الجهات الرسمية تعكس الوضع المزري، إذ إنه وبحسب قاضي محكمة بداية الجزاء في دمشق، طارق الكردي، تصل كل شهر من 7 إلى 8 دعاوى اعتداء جنسي على الأطفال. ويشير إلى أن النسبة ما زالت ثابتة نسبياً، ويشكل الأطفال في سوريا نسبة 75 من مجمل قضايا الاعتداء الجنسي، وفق الكردي، وأقل الأعمار كانت لطفل بعمر 4 سنوات تم الاعتداء عليه في دمشق، كما أن غالبية حالات الاعتداء على أطفال دون العاشرة، تنتهي بالوفاة، أما في شمال سوريا، فأطفال السجون التي تحوي عائلات “داعش”، وتديرها “قوات سوريا الديموقراطية” بتمويل أميركي، لم يروا الشمس منذ نحو ثلاث سنوات ويبلغ عددهم حوالى 750 بحسب صحيفة “التلغراف” البريطانية، ليتبعهم أطفال يلفظون أنفاسهم الأخيرة في مكبات القمامة.

معارك طفولية على النفايات

بين النفايات يمضي أطفال سوريون سنواتهم، ينبشون ويبحثون عمّا يستطيعون بيعه، يفرزون أنواع القمامة، كلٌّ على حدة، الكرتون والبلاستيك والحديد والنايلون، يحملون أكياساً أكبر منهم على الظهور المنحنية، يستيقظون باكراً حتى يتمكنوا من الحصول على “كنوز النفايات” قبل غيرهم، تدور معارك طفولية على أحقية النبش في حاوية، بدل المعارك الصغيرة على هدف يُحتسب بالخطأ أو النزاع على الدور في سداد الكرة، وللسذاجة تنتشر من وقت إلى آخر شائعات تتهم نباشي القمامة بأنهم أثرياء بسبب هذا العمل، لا أحد يختار نبش القمامة ولفّ كوفية أو وشاح على كل وجهه، ليحمي نفسه من الرائحة والتقيؤ أو لإخفاء وجهه، لولا أنه جائع وخائف من شبح الفقر والحرمان، لا أحد يختار نبش النفايات عملاً لولا أن نظام بلاده لا يكترث لأطفاله وشعبه وفقرائه.

تجاهل خبر بحجم موت 6 مواطنين تحت النفايات، ليس سوى طريقة يستخدمها النظام للتستر على الكوارث التي يضطلع بها عبر الفساد والإهمال المتعمدين، وبينما يمنع مغنية من الغناء للحفاظ على التراث الموسيقي، فهو لا يفعل شيئاً للحفاظ على إنسانية الأطفال، إنها مفارقة محزنة وغريبة، وتتكرر في سوريا الأسد.

اترك رد إلغاء الرد