إصغاء فرنسيّ للشعر العربي القديم

“أبياتٌ مُختارة” لـ جوزيف ديشي

بِمَ يُغْري الشّعر العربيّ القديم قُرّاءَ فرنسا، وكيف يَشُدّهم إليه؟ لا أحدَ يُدرك الأسباب الثاوية وراء تعلّق الجمهور الفرنسيّ بنصوص الأدب العربي الكلاسيكي، رغم “تنائي الديار”، والتي تُترجَم بانتظامٍ إلى لغة فولتير لإطْلاع هذا الجمهور على خصوصيّات “الشعرية العربية”، كما سمّاها أدونيس، التي تجسّدت في قصائدَ كانت تُنشَد في الصّحاري وحواضر الإسلام الأولى.

وآخر هذه الأعمال صدورًا كتاب: “أبياتٌ مُختارة من الشّعر العربيّ القديم”، من انتقاء الباحث الفرنسي جوزيف ديشي وترجمته. وقد صدر الكتاب مؤخّرًا عن دار نشر “أراديك – العالم العربي”. تُهدي هذه المُختارات جولةً في أرجاء الشعر العربي القديم تمتدّ من الجاهلية إلى القرن الحادي عشر، عبر أبياتٍ مُنتخَبةٍ صاغها أكابر الشعراء، مثل المهلهل بن ربيعة، وتأبّط شرًّا، وامرئ القيس، والسّموءل ــ وكلّهم من العصر الجاهليّ ــ، وأُخرى من بدائع مجنون ليلى، وجميل بثينة، وعمر بن أبي ربيعة، وكُثيّر عزّة، وصولًا إلى بشّار بن بُرد، وأبي نواس، وابن الرومي، وهم ممّن عاشوا في العصرَيْن الأموي والعبّاسي.

يخضع هذا الكتاب إلى بِنية ثلاثيّة صارمة: فنجدُ، أوّلًا، الأبيات المنتقاة مشكولةً، تَرِدُ تحت اسم الشاعر قائِلِها، وتُقابلها الترجمة الفرنسية التي ذهبت ــ ثانياً ــ إلى القطع مع النقل الحرفيّ للمعاني، سعيًا وراء إعادة بناء المعنى وتشكيل النغم الموسيقيّ الذي يلائم الحساسيّة الغربيّة الحديثة ويهزّ أعطافها. ونجد، ثالثًا، التعليق أو الشّرح، وهو بمثابة تفسيرٍ لأهمّ المعاني الواردة في المقطع المختار، تنضاف إليه معلوماتٌ عن الشّاعر وعن السّياق التاريخيّ الذي قيلت فيه تلك الأبيات، وهي معلوماتٌ تُساعد على فهم الغرض الشعريّ، كما كان يُسمّيه النقّاد القدامى.

ترجمات من امرئ القيس والسموءل إلى بشار وأبي نواس
وقد انتقى ديشي الأبياتِ الشعريّةَ ممّا سار على الألسن في العالم العربي وحفظته الأجيال عن ظهر قلبٍ وردّدتها في غير مناسبةٍ. وقد خُتمت هذه المختارات بذكْر سيَر موجزة للشّعراء الواردة أسماؤهُم في الكتاب، حتّى يأخذ القارئ فكرةً عن دوافعهم والمميّزات الأسلوبيّة العامّة لأقاويلهم.

وقد صُدّر الكتاب بمقدّمة موجزة تناولت الغرضَ من ترجمة الشعر العربيّ القديم ومُعضلة المعنى فيه، حيث أبان جوزيف ديشي أنّ هذا الشّعر ينطوي على “أسرار” لا يمكن اختزالُها في خطابٍ تأويليّ، مذكّرًا بمقولة الأديب الفرنسي أندري جيد (1880 ــ 1952) حول استحالة هذا الاختزال التي عبّر عنها بِتمثيلٍ: “حَبَّة الرمّان التي يَجهد الدّيكُ إلى نَقرها”، كالقارئ يراودُ الدلالة ولا يُدركها.

ذلك أنّ نقل الشّعر من ثقافة إلى أخرى لا يمكن أن يتمّ دون إضاعة جوهره: الإيقاع والوزن والنّغم.
كما ذكّر المترجِم في مقدّمته بأهمّ موضوعات هذا الشِّعر الذي أنشده رجالٌ تعوّدوا امتدادَ الصّحراء ولانهائيّتها، فتساءلوا عن معنى الوجود وهدف الحياة وهم يتأمّلون النجوم في ليل لا ينجلي. وركّز ديشي على ثيمة الحبّ، ومن عيونها انتقى أبياتَ الهائمين من شعراء العشق، الذين تغزّلوا بمحبوباتهم حدَّ الموت أحياناً. وقد أُدمجت في الكتاب بعض رُسومٍ جادت بها ريشة الفنّانة اللبنانيّة زينة أبي راشد (1981)، فأضفت عليه جماليّة إضافيّة لاقت فيها روعة النغم ولطافة الكلمة.

وأمّا ما يميّز هذه الترجمة عن سابقاتها، كتلك التي أنجزها بيار لارشي للمُعلّقات (2014)، وقبله أندري ميكيل في ترجمته لقصائد مجنون ليلى (2016)، أنّ هذه الترجمة الجديدة تراهن على أن يتذوّق القارئ ــ أكانَ مزدوجَ اللغة أم لا ــ النّفسَ الشّعريّ الأصليّ الذي ينبثق من كلّ بيتٍ، ويُحسّ بفرادَة بنائه الموسيقيّ والتركيبي. فالقصائد المُترجمة تتبع الإيقاع ولا تتبع القوافي، حيث ضحّى بالقافية في النصّ الفرنسيّ من أجل الحفاظ على النّغم بما هو جوهر الشّعر ومُقوّمه الرئيس، الذي يضفي على القصيد قيمتَه الجماليّة.

ولذلك، لم تكن الترجمة تفسيريّة، همُّها نَقل المعنى بوفاءٍ، بل سعت إلى أن تكون صياغةً لِلحنٍ، يَستعيده القارئ في ذاكرته، أو لأبيات يُدندن بها في داخله بعد أن حفظها عن ظهر قلبٍ لفرط طلاوتها. ومن طرائف هذه الترجمة أنّ جوزيف ديشي احتار أمام ترجمة البيت الشهير لجرير (ت. 733)، القائل: “إنّ العيونَ التي في طَرفها حَوَرٌ”؛ حيثُ لم يَجِد في اللسان الفرنسيّ، رغم ثرائه ودقّة معانيه، أيَّ مقابلٍ دلاليّ مَقبول لمفردة “حَوَر”، التي تعني: شدّة سواد العيْن في شدّة بياضها، ومن مادّته اشتقت تسمية الحور العِيْن، بما هو جمع للمرأة الحوراء ذات العيون التي تكون حدقاتها سوداء فاحمة في بياضٍ ساطعٍ. ولحُسن الحظّ، عَثَر المُترجم على صيغة أخرى للبيت أوردها ابن قتيبة الدينوري (828 ــ 889) في “كتاب الشّعر والشّعراء”: “إنّ العيون التي في طَرْفها مَرضٌ”؛ حيث كان إيجاد مقابل فرنسيّ لكلمة “مرض” أيْسر، وهي دالّة على النظرة الكسيرة التي تنعقد بين العيون، فيكون ما يشبه الحوار الصّامت بين العاشقين.

ويؤكّد هذا المثال عُسْرَ التّرجمة حين تتّصل بنقل تمثلات ثقافيّة لا مقابل لها بين الحضارات، إلّا على سبيل التقريب. وهو ما يضعنا أمام التحدّيات الجوهريّة لترجمة الشّعر القديم وصُوره العتيقة العاكسة لأجواء الصّحراء وامتداد الكثبان، إلى جانب تأثير عناصرَ من الحضارة الإسلاميّة. وعلى كلّ حالٍ، لا يَسعى قارئ الشعر والمُصيخُ لحَسيس القوافي إلى أن يمسك بنواصي الدلالة المتفلّتة منه، ولا أن يستفيد منه معنًى معقولًا، بل أن يَعيش لحظة الإنشاد كلحظةٍ تيهٍ في الفَضاء الذي يفتح عليه البيتُ الشعريّ، بل ويلقي فيه تاليه وسامِعَه.

فالشعر العربيّ القديم أشبه بلحظه سحرٍ تفتِن الوجدانَ، حتى أنّ الباحث ألبير آرازي (1938) أكّد، في مقال “شعر” الذي تضمّنته “الموسوعة الإسلاميّة” أنّ الجذرَيْن السامِيين “س. ح. ر” و”ش. ع. ر” متقاربان بلا شكٍّ. وهذا السّحر بالذّات هو ما يشدّ القارئَ الفرنسيَّ الذي تعوّدَ وعيُهُ الجماليّ على أجواء الرّواية البلزاكية ورومانسيّة فيكتور هوغو، حين يواجه عواطف العشق ورعب الموت وعظمة المكان التي قارعها الشّاعر العربي بخلود الكلمة وقوّة الإيقاع.

يبتعد النصّ الفرنسي عن التفسير والحرفية ويهتمّ باللحن
ولا يخفي جوزيف ديشي الهدف التعليميّ لهذا الكتاب، الذي يوجّهه إلى غير النّاطقين بالعربيّة، ولذلكَ، أضافَ تسجيلًا صوتيًّا يُنشد هذه الأبياتَ المختارة ويردّ إليها شيئًا من موسيقاها الشادية بين القوافي والأوزان، كلّ ذلك حتى يتذوّق هذا القارئ شيئًا من روعة التصاوير وبلاغة العبارات. وقد يَستمع إلى هذا التسجيل أفراد العائلة الواحدة حين يَجتمعون من أجل تذوّق القيم الجماليّة للأدب العربيّ القديم.

إنّ تذوق الشعر القديم والاستمتاع بإيقاعاته وأنغامه رهانٌ كبير لا بد فيه من معارف لغوية وتاريخيّة ولا مندوحةَ من اكتسابها لتوجيه القراءة وحمايتها من خاطئ التأويلات وحتى لا يصير هذا التذوّق مجرّد تجربة ذاتيّة تتشابه مع أية لحظة ذوبانٍ فني آخر، فبعد مرحلة التذوق الوجداني أو قبلها لا بد من الانفتاح العقلي على تحليل مكوّنات الصياغة القولية والاهتمام بآليات النظم ولعلّها أيضا مما يشدّ القارئ الفرنسي ويغريه. وما أصعبَ إغراءه.

جزء من “طُغْرَاءات ابن زهير”، للفنان الليبي علي عمر الرميص، 1993

/العربي الجديد/

اترك رد إلغاء الرد