“لقد نجونا في الأمس فما الذي ينجينا اذا عدنا غداً”
نازحون سوريون في شمال لبنان: لانّي رايحة ولا جايّة

/زائدة محمد الكنج الدندشي- الرائد نيوز/

استأجر “علوش” دكاناً صغيرًا وأحضر مواداً غذائية إليها، بمساعدة صديق لبناني له؛ علوش أب لخمسة أطفال قُتلت زوجته قنصاً في سوريا، ففرّ مع أولاده الخمسة بطريقة غير شرعية إلى لبنان، وهو مسجل عند الأمم ويتقاضى مبلغ ٥٠٠ ألف عن كل فرد من أفراد عائلته. “كل شيء بات سعره باهظًا وما كان يؤمنه لأولاده، فالآن لا يستطيع تأمين نصفه”.

لا يريد العودة إلى سوريا خوفًا عليهم .. فعلوش يتابع تعليمهم في أصعب الظروف في مدرسة افتتحتها الأمم للاجئين علّ العلم يحملهم لحياة أفضل وأمانٍ فقدوه منذ سنوات.

ترحيل ترفضه الأمم المتحدة

في الشهر السابع من العام الجاري، كشف وزير المهجّرين في حكومة تصريف الأعمال عصام شرف الدين، عن خطة لبنانية تقوم على إعادة 15 ألف نازح سوري شهرياً إلى بلادهم، مؤكدًا أن بلاده تقدمت بالمقترحات للمدير الإقليمي لمفوضية اللاجئين للأمم المتحدة أياكي إيتو بهذا الشأن.

وأثارت تصريحات مشابهة لرئيس حكومة تصريف الأعمال اللبناني نجيب ميقاتي، ضجة عارمة، إذ تتهم منظمات حقوقية دولية لبنان بالسعي لإعادة النازحين السوريين قسراً وتعريض حياتهم للخطر.

وطرح البعض تساؤلات بشأن خطة لبنان لإعادة النازحين السوريين، ومدى فاعليتها واستجابة المجتمع الدولي لها، لا سيما في ظل ترحيب رسمي سوري باستقبال السوريين.

لكن مفوضية شؤون اللاجئين، رفضت خطة لبنان، ورفضها يرتكز بالدرجة الأولى على غياب الضمانات لعدم تعرض العائدين إلى انتهاكات من اعتقال وتعذيب،

وتشمل خطة لبنان كذلك تشكيل لجنة ثلاثية مع النظام السوري ومفوضية شؤون اللاجئين، وأخرى رباعية مع كل من تركيا والأردن والعراق لتوحيد مطلب عودة اللاجئين.

واقع النازحين مؤلمٌ عليهم وعلى لبنان

ملف النازحين السوريين في لبنان، بعد القرار اللبناني يقف على رجلٍ واحدة، بسبب غياب الدعم الأممي لهذه الخطوة، إلا أنهُ يشهد تصعيداً غير مسبوقاً، مع توالي التصريحات الرسمية المشددة على ضرورة عودتهم إلى بلدهم، والتي وصلت إلى حد تهديد الرئيس ميقاتي “باتخاذ موقف غير مستحب تجاه دول الغرب، وذلك بإخراج النازحين بالطرق القانونية في حال لم يتعاون المجتمع الدولي مع لبنان”.

ولكن القرار اللبناني، سيكون مفهوماً اذا نظرنا للواقع المرير الذي يمر به لبنان، خصوصاً في السنوات الثلاث الأخيرة، فلبنان، الذي يبلغ عدد سكانه الإجمالي نحو ٧ ملايين نسمة، هو البلد الذي يستضيف أكبر عدد من اللاجئين لكل فرد ولكل كيلومتر مربع، وفقا لـ” المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين”.

فعدد النازحين السوريين في لبنان متضارب ومتغير، ولكنهم باتوا يشكلون أكثر بقليل من ٢٦ في المئة من مجموع السكان في لبنان، ووفقاً لآخر الإحصاءات يُقَدّر عددهم بمليون ونصف مليون، منهم 880 ألف مسجلين في مفوضية شؤون اللاجئين و400 ألف عامل، إضافة إلى الذين يدخلون بطرق غير شرعية، ما يعني أن خطة لبنان تحتاج إلى 8 سنوات للانتهاء من تنفيذها، إذا ما افترضنا أن كل سنة سيغادر 180 ألف لاجئ.

يحتاج النازحون إلى 500 ألف ربطة خبز و5 ملايين غالون ماء، وبنى تحتية من ناحية الصرف الصحي واستهلاك الكهرباء وغيرها، إلى الآن النزوح السوري كلف لبنان 30 مليار دولار على مدى 11 سنة.

يعاني لبنان احتقاناً اجتماعياً ناتجاً من أزمة النازحين، لعدم وجود دعم مالي كاف، ويتضاءل أمل العودة إلى الوطن مع استمرار الأزمة في سوريا. عقدٌ ونيف من الزمن للنازحين السوريين في لبنان، حيث أصبحوا أكثر فقراً، وباتوا يلجؤون على نحو متزايد إلى ممارسات التكيف السلبية كعمالة الأطفال والتسول وزواج الأطفال. وقد تخوفت الدراسات من تزايد المعاناة الانسانية التي يتعرضون لها من جراء الظروف الحياتية الصعبة، الناتجة عن تدني حجم المساعدات التي توفرها بعض الجهات الدولية، ومن ازدياد ظاهرة التسول وازدياد نسبة العاطلين عن العمل، في صفوف يد العاملة اللبنانية، والأخطر ما يعيشه الأطفال النازحون، حيث سجل ارتفاع مخيف في عدد الاطفال المتسولين. أمّا الأخطر فهو وجود أكثر من 8 آلاف طفل مصابين باعاقات جسدية، في ظل غياب الرعاية الصحية المناسبة لأوضاعهم، وظهور أمراض في صفوفهم، من جراء الظروف البيئية والصحية السيئة.

مخيمات النزوح في شمال لبنان

نحو ٢٥ في المئة من النازحين السوررين، هم في مخيمات في شمال لبنان، ولكن جزءاً منهم يسكن مدن وقرى الشمال، بطبيعة الحال، نعم هناك نحو ٣٧٥ ألف سوري نازح في الشمال، وهذا أمرٌ طبيعي عندما تُقرعُ طبول الحرب، لا حلّ إلا الهرب بعائلتك إلى مكان يقيك ويقيهم فواجعها. من بلدٍ ماتَ مئاتُ الآلافِ من أهله ميِتاتٍ سريعةً ما بين رصاص قنّاص أو براميل متفجّرةٍ ومواد كيماوية ناهيك عن التعذيب وفنونه، إلى بلد يموت أفراده ميتةً بطيئة سواءً معيشيًا أو اقتصاديًا أو حتى بانتظار ربطة خبزٍ، نزحَ ما يقارب مليون ونصف مليون سوري إلى لبنان ومعهم نزح ٨٠ ألف فلسطيني من مخيم اليرموك في سوريا.

في الماضي أدت كارثة فلسطين وتفجر الصراع العربي الاسرائيلي إلى نزوح نحو 400 ألف لاجئ فلسطيني الى لبنان، شكلوا منذ ذلك الوقت عبئًا كبيرًا على لبنان، هذا البلد الضعيف بمساحته والضعيف بإمكاناته المادية، وما زال هؤلاء اللاجئون محرومون من حق العودة إلى وطنهم فلسطين رغم مرور عقود طويلة من الزمن.

مشاهد من مخيمات النزوح في الشمال

أم فرحان: سنعود يوماً

رغم ابتسامتها، إلا أنها تُخفي دموعًا عمرها ١٢ سنة مذ غادرت بلدها سوريا، واستقرت مع عائلتها المكونة من من زوجها ووحيدها وثلاث بنات صغار.

أم فرحان مع قرار العودة إلى سوريا إن تم تطبيقه، وعلى حدّ قولها :” لن يجد الشخص أجمل من بلده”.

صحيح أنها تأقلمت مع العيش هنا في لبنان، حيث تقطن هي وأسرتها في غرفة واحدة قرب مخيّم للنازحين في حلبا- عكار وتعتبر نفسها مثل البقية عليهم التأقلم مع الوضع لحين الفرج، حيث تقول أن التواجد في سوريا أفضل لوجود منزلها وأقاربها.

تواجهُ أم فرحان الوضع الاقتصادي المتردي في لبنان وصعوبة تأمين لقمة العيش، من خلال عملها وعائلتها بالزراعة وتحضير الألبان والأجبان كونها تمتلك بقرة تقيهم شرَّ العَوَزْ.

لا أهل لأم فرحان في الخارج لتتلقى أيّة حوالةٍ مالية، هي مسجَّلةٌ في منظمة الأمم المتحدة في طرابلس، والتي تمنح لكل عائلة وثيقة بأنهم جميعًا ينتمون للعائلة نفسها، إضافة إلى رقم شيفرة ليتمّ حفظ ملف العائلة، تقول أم فرحان أن الأمم تخصص مبلغ ٥٠٠ ألف ليرة لبنانية شهريًا لكل فرد من أفراد العائلة أي ما مجموعه ٣ ملايين ليرة أي ما يعادل مئة دولار، وفقاً لأسعار الصرف حين التقينا (اليوم أسعار الصرف تقف على أبواب ٣١ ألف ليرة لكل دولار)، وفي الشتاء تُمنحُ هي وعائلتها مبلغًا لشراء مادة المازوت للتدفئة.

أم فرحان تصنع اللبن والجبن وتعبر الحدود تهريبًا عن طريق وادي خالد لبيعه في سوريا والعودة سرًّا كون كل مسجلٍ في الأمم، إن غادر إلى سوريا يُلغى ملفه ويُحرم من المساعدة ويمنع من دخول لبنان مرة أخرى.

أم فرحان تمتلك وثائق تسجيل لأولادها ليكونوا نظاميين في سوريا “إن عادوا يومًا ما”.

فرحان: أنا خائف مكرُهُم باقِ

يحب فرحان، الابن البكر لأم فرحان، “العيشة في لبنان”، ولا يريد العودة إلى سوريا فهو تربّى في لبنان حين كان عمره ست سنوات ودخل المدرسة فأنهى الصف الخامس، وتوقف عن الدراسة ليعمل مع والديه وشأنه في ذلك شأن إخوته الصغار.

“يخاف الحرب وهنا أقله يأمن أن لا أحد سيهاجمهم أو يعتدي عليهم ويؤذيهم” يقول فرحان، الشاب الوحيد بين ثلاث بنات، والوحيد في سوريا لا يتقدم للخدمة العسكرية ولكن من يأمن مكرهم؟

أم عزيز: النفوس تبدّلت

تعيش في منزل في حلبا “إذا كان الوضع آمنًا فأنا مع العودة إلى سوريا، ولكن طالما هو متوتر فأنا وأسرتي نخاف الرجوع، وأولادي يتعلمون هنا ولسنا بوضعٍ سيءٍ بل ولدي يعمل خارجًا ويقوم بإعالتنا، ولكن إذا عدنا فلا الأرض أرضنا فهم قد استولوا عليها وبنوا فوقها، ولا الناس هم الناس التي كنا نعرفها”، تتنهّد “النفوسُ تبدلت”.

أمينة: نجونا في الأمس فهل ننجوا غداً؟

شابة في مقتبل العمر جاءت إلى لبنان مع عمتها بعد فقدها لوالديها في الحرب تربت في مخيم للاجئين وكان عمرها ٦ سنوات الآن عمرها ١٧ ومتزوجة من شاب سوري يقطن في المخيم، ولا تريد العودة إلى سوريا فهي تروي كمية الرعب التي شهدتها وهي طفلة لم تكن تعلم إن نَجَتِ اليوم هل تنجو غدًا.

تشكو أمينة من الأزمة الاقتصادية في لبنان وتقول أن البركة في النقود اختفت وهي تعمل في تنظيف البيوت و التطريز، “لازم الرجال والمرا يشتغلو ليعيشوا ويربوا ولادن” هذه هي جملتها التي تؤمن بها.

تشكو أمينة بعض المضايقات التي تتعرض لها كونها سورية الجنسية، سواء عند من تعمل عندهم أو في أي مكان تذهب إليه، وتقول أنها تحب لبنان وتشعر بالأمان فيه وفي الوقت نفسه تشتاق لبلدها سوريا لكن العيش غير آمن هناك وهي لا تريد أن تخسر زوجها ولا المولود الذي تنتظر.

وسيم حارس المخيّم: أريد دولة أجنبية

شابُّ كبُرَ قبل أوانه يغزو الشيب رأسه، مسؤول عن حاجات المخيم وتأمين طلبات أهله؛ وسيم فقد يده اليسرى في الحرب لكنه لا يزال محبًّا للحياة يؤمن الماء للمخيم ويشتري الأدوية للعجائز.

“عندما كان الدولار ب ١٥٠٠ ليرة، الوضع كان أرحم وكان للنقود بركة، أما الآن فالوضع صعب على اللاجئين وعلى أهل البلد”.

لا يريد وسيم العودة إلى سوريا، فهو يعتقد أن البلد لن يعود إلى ماكان عليه حيث يروي له من بقي من أصدقائه في سوريا أن كل شيء تبدَّل وهو يطمح بالسفر إلى دولة أجنبية لكن الأمم المتحدة، التي ترعى شؤون اللاجئين أوقفت طلبات السفر وهو ينتظر فسحة أمل ليخرج من المخيم

رحاب: ليس لي سوى الله

عجوز تجاوزت عمرها ثمانين، مررت بها صدفة في المخيم لم أرها بدايةً لكنني سمعت صوتًا عذبًا يغنّي التفت إلى مصدر الصوت، فوجدت عجوزًا تغسل ملابسها في وعاء يسرّب الماء أكثر مما يحتفظ به.

أهل الخيم يعينونها كونها أكبرهم، وقد فقدت شبابها الستة وزوجها في الحرب.

لا تعرف ما هي الأزمة الاقتصادية، لكنها تقول بأنها تسمع الشباب وأهل المخيم يشكون من قلة الخبز وغلاء الأسعار وتقول “كل الحكام العرب بدهم حرق ودعوسة”، تمسح دمعةً حاولت أن تهرب من عينها.

وعن العودة إلى سوريا إن حصلت لا تعرف الحاجة رحاب إلى أين تلتجئُ فلا منزل ولا أولاد ولا عُمرٌ يُسعِفُها.

وختاماً،

أن تسمع كلمة عنصرية من أحد الإخوة اللبنانيين أو ألا يتقبّلك مَنْ حولك، سهلٌ بأن تتحمله مقابل لحظة أمان تعيشها وأنت مطمئنٌّ بأنه ليس هنالك من سيدخل منزلك فجأة ليقبض عليك ولا تدري أين تذهب وهل تعود!!!

غدٌ مجهولٌ

اترك رد إلغاء الرد