“كتابة الإنترنت” كيف انتهى عصر صرير الأقلام؟

تثير الكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي ردود فعل متعارضة، فكما نجد من يعتبر هذه الوسائل من بين أخطر الاختراعات على المجتمعات الإنسانية، وعلى رأس هؤلاء المدير التنفيذي السابق لشركة “غوغل” إريك شميدت الذي يعتبرها أخطر من الأسلحة النووية  إذا ما أضيف إليها الذكاء الإصطناعي ، كذلك يمكننا أن نقرأ مئات الأبحاث التي تعتبر أن وسائل التواصل الاجتماعي شبيهة بالخطوة البشرية الأولى على القمر من حيث الأهمية، بل والنموذج الذي استطاع التقريب بين البشر على اختلاف ثقافاتهم وأعراقهم وانتماءاتهم وألوانهم وعقائدهم.

هذه الوتيرة نفسها من الخلاف تتناول الكتابة في عوالم الإنترنت الواسعة، فهناك من يقول إن الشبكة العنكبوتية منعت التفكير العميق والكتابة المستفيضة التي توصل المعنى والمضمون المقصودين، وعلى رأس هؤلاء هنري كيسنجر الذي لا يعتقد فقط بأن شبكة الإنترنت لا تصنع قادة عظماء، بل ولا مفكرين عظماء أيضاً، لأن على القائد المفكر برأيه أن يجد الحلول المناسبة للمشكلات عبر التفكير العميق والنضال والتجارب المضنية، بينما تقدم لهم شبكة الإنترنت حلولاً سهلة وسريعة ومفيدة على المدى القصير، لكنها مدمرة على المدى الأبعد.

هناك آراء مضادة تماماً لهذا الرأي تعتبر أن وسائل التواصل الاجتماعي أفادت الكتابة وأجبرت الكُتاب على إيصال أفكارهم بأقصر الجمل الممكنة وبتكثيف كاف للكلمات والمعاني للاستفادة من المساحة الممنوحة لهم، هذا من جهة، ومن جهة ثانية ساعدت وسائل التواصل كل المستخدمين سواء أكانوا يكتبون خواطرهم أم لا يتقنون أي نوع من أنواع الكتابة ويعبرون بالصورة والفيديو، في التعبير عن أفكارهم، وبالتالي تكون شبكة الإنترنت قد أسهمت إضافة إلى تقديمها كماً هائلاً من المعلومات لمستخدميها بأن جعلت منهم كتاباً وقراء في الآن عينه.

من المحق ومن المخطئ؟

في بحث بسيط حول موضوع الكتابة عبر شبكة الإنترنت يمكننا أن نجد أن الرأيين السلبي والإيجابي على حق في ما يتعلق بجودة الكتابة، فالرأي السلبي يرفعه عادة صناع شبكة الإنترنت الذين وجدوا أن النتائج التي تحققت في زمن العالم الافتراضي لم تكن بالمستوى الإيجابي المتوقع، لذا نجد أن كثيرين منهم قد تركوا المؤسسات التي شاركوا في تأسيسها سواء “غوغل” أو “تويتر” أو “فيسبوك” و”إنستغرام”، ليعملوا في التبشير ضد استخدام شبكة الإنترنت بشكل مفرط وتحديداً للأطفال، وقد أعلن عدد كبير من هؤلاء الخارجين من العالم الذي اخترعوه أنهم لا يسمحون لأولادهم باستخدام الـ “لابتوب” أو الـ “آيباد” أو الهاتف المحمول إلا لوقت قصير في اليوم وبتوجيهات محددة منهم.

ويشاركهم الرأي الأدباء والباحثون والمفكرون الذين اعتادوا الكتابة في الصحف الورقية أو إصدار أبحاثهم في كتب ضخمة أو بيع رواياتهم على صعيد عالمي، فهؤلاء المخضرمون، أي الذين عايشوا زمن ما قبل شبكة الإنترنت وما بعدها، لم يعتادوا بعد على نوعية القراء الجدد ولا على النشر عبر شبكة الإنترنت ومواقعها وتطبيقاتها، وعدد كبير منهم انصاع للأمر بعد إجبارهم من قبل دور النشر الإلكترونية،

أو بسبب اضمحلال الصحف الورقية لمصلحة الصحف الإلكترونية، أو بسبب انسداد أفق النشر الورقي، فمن أصر على الكتب الورقية من الأدباء العالميين سرعان ما بات خارج السرب الأدبي والكتابي والعالمي، مما اضطره إلى العودة عن قراره بعد أن أمضى سنوات في محاربة الأدب الإلكتروني الجديد

ومن هؤلاء الكاتب البرتغالي ألبرتو مانغويل صاحب الروايات التي تتناول علاقته بالكتب والمكتبات، ومنها “تاريخ القراءة”، والروائي العالمي ميلان كونديرا صاحب “خفة الكائن التي لا تحتمل” و”البطء” “وفن الكتابة”، والروائي الأميركي بول أوستر صاحب “ثلاثية نيويورك” الشهيرة، والروائي الألماني بيتر هاندكه صاحب “خوف حراس المرمى من ضربة الجزاء”، وعدد كبير من الأدباء الأوروبيين وعلى رأسهم الفرنسيين الذين لا يزالون على قدر كبير من المحافظة في ما يتعلق بالنشر الإلكتروني.

لكن هذا النقاش الذي يدور بين الأدباء المخضرمين لا يسمعه جيل الإنترنت الذي يبلغ أكبرهم اليوم العقد الثالث أو الرابع من العمر، فهؤلاء لا يدور النقاش بينهم حول أفضلية الورق أو وسائل التواصل وشبكة الإنترنت، ولا يعتقدون أنه يجب العودة بالزمن للوراء، فهذا في الأساس أمر مستحيل لأنه مثل الوقوف في وجه قاطرة التطور المسرعة،

وهم يصفون الجيل السابق بأنه كجيل الرومانسيين في القرن الـ 19 الذين أرادوا الوقوف في وجه التطور الصناعي وحاولوا في جميع الدول الأوروبية أن يخلقوا أدباً وفنوناً وأفكاراً سياسية واجتماعية تطالب بالعودة للطبيعة، بالضد من مأساة المصانع التي تلوث البيئة وتحول الإنسان إلى عبد للآلة من دون أي إبداع فردي خلاق، لكن الثورة الرومانسية المضادة انتهت لأنه لا يمكن إيقاف قطار التطور، فكيف الحال بإعادته للوراء.

مدارس افتراضية للكتابة

وبعد أن أصبحت معظم الأعمال والوظائف تتم عبر شبكة الإنترنت ظهرت أنواع من الوظائف التي تتطلب إتقان نوع من الكتابة مرتبط بالشبكة العنكبوتية، ويتوجه إلى مستخدميها سواء من أجل جذبهم إلى منتج معين أو لإقناعهم بقضايا وأفكار حول مواضيع تهم شرائح متنوعة من المتلقين، فتأسست مدارس إلكترونية تقدم الدروس في كيفية التعبير عن الذات عبر وسائل التواصل، أو في كتابة الإعلانات أو النصوص الأدبية التي تتوافق مع نمط الكتابة عبر هذه الوسائل.

على موقع (Redacteur.com) الذي يقدم نفسه كمستشار شخصي لتسويق المحتوى الخاص بطالب الاستشارة، مجموعة من المقالات والدروس التي تدعم توجه الكتابة عبر وسائل التواصل، وأحد هذه المقالات بعنوان “وسائل التواصل الاجتماعي: كيف تحسن أسلوبك في الكتابة؟”، أما النصائح فهي “تجنب الجمل الطويلة واستخدم القصيرة والأسلوب المباشر، والابتعاد من المواضيع المثيرة للجدل مثل السياسة أو الدين، فعلى وسائل التواصل الاجتماعي يجب أن تكتب كما لو كنت تتحدث،

وبالتالي سيكون لدى الأشخاص الذين يتابعونك انطباع بأنك تخاطبهم وستكون المشاركة أفضل وتتمكن من الاحتفاظ بمتابعيك، ولإغوائهم يجب أن تخاطبهم بوضوح بعد أن تحدد اهتماماتهم ودوافعهم لمتابعتك”.

وبحسب المقالة فإن هناك تحديداً لنمط الكتابة على كل نوع من أنواع وسائل التواصل، فمثلاً على “تويتر” يمكنك الاستغناء عن كلمات وعبارات كثيرة باستخدام الاختصارات، أما على “فيسبوك” فبإمكانك جذب انتباه القراء من خلال استخدام الأحرف الكبيرة وعلامات التعجب، وعليك استغلال الرموز التعبيرية على “إنستغرام” بالقدر نفسه الذي تستغل فيه الـ “وسم” (هاشتاغ)، وللإجابة عن أسئلة متابعيك لا تسرع واستخدام لهجة شخصية على أن تكون الجمل والكلمات المكتوبة صحيحة إملاء وإعراباً.

ووفقاً لدراسة أجرتها جامعة ويلز نشرت خلال مايو (أيار) الماضي، فإن الرموز التعبيرية ستكون أسرع اللغات نمواً على الإطلاق في العالم.

مرحلة الـ “ما بين”

ومن الواضح أن هذه المرحلة الانتقالية من عالم النشر الواقعي المتمثل في دور النشر الورقية والصحف والكتابات الشخصية على الدفاتر التي تمتلىء بالخواطر والأفكار إلى عالم النشر الإلكتروني بكل طرقة وأشكاله، تشهد ما تشهده كل المراحل المماثلة من نقاشات واسعة مضادة ومتعارضة، لكن غالباً ما تنتهي هذه النقاشات إلى حلول وسط بين الجميع ترسيها الحاجة إلى ركوب القطار الذي يسير بركّاب أو من دونهم،

وحتى ذلك الحين سيبقى النقاش حول نوعية الكتابة المختلفة دائراً إلى أن تستقر الأمور على شكل ما، وهذا الاستقرار سيوافق التوجه الإلكتروني الإنترنتي ما دامت الكتب كلها بات بالإمكان تحميلها وقراءتها من دون الحاجة إلى الذهاب إلى المكتبة، وحيث بات “البوست” القصير والصريح والمباشر الذي يكتبه الصحافي أو الأديب يلقى تفاعلاً أعلى بكثير من التفاعل التي تلقاها مقالته في الصحيفة الورقية، فهذا الاتجاه يبدو اليوم إيجابياً، فقد اكتشف عدد كبير من مستخدمي وسائل التواصل أنهم كتّاب من دون أن يكون لديهم أدنى إيمان بموهبتهم هذه.

وعلى ما يقال بات عدد المتابعين والمعجبين بما يكتبه أحدهم هو الذي يحدد جودة كتابته وأفكاره وطريقته في إيصالها إلى المتلقين، ولا تحددها جودة الكتابة بالمعنى الكلاسيكي من تركيب للجمل وتوصيل للمعنى بطريقة بليغة، فالكتابة الإنترنتية التي تصنع كُتاباً وقراء في الآن عينه هي الكتابة المستقبلية مهما حاول معارضوها محاربتها.

/ INDEPENDENT /

اترك رد إلغاء الرد