عن السَّوْدَاوِيَّة والإحبَاط فى الأدب الغربيّ المُعَاصِر

محمّد محمّد خطّابي

غير قليل من الكتاب والشعراء والروائيين الغربيين على وجه الخصوص صادفهم سوءُ الحظ في حياتهم، ضربوا عرضَ الحائط القاتل نعمةَ الحياة وارتمى بعضُهم في أحضان التّهلُكة، وزجّ بنفسه في هوّات التّيه، ومتاهات الجنون والضلال مُعجِّلاً بخَلاصه المحتوم. مصير هؤلاء الشّعراء يبعث على الشّفقة والأسى والأسف. للأديب الإسباني “خوسّيه لويس غاييّرو” كتاب مشهور يعالج فيه هذا الموضوعالشائك الذي تصطكّ له الاسنان وترتعش الفرائص والكتاب تحت عنوان “أنطولوجيا المُنتحرين” أو المُحبَطين ترجم فيه للعديد من هؤلاء الكتّاب والشّعراء الذين ناف عددُهم على الخمسين شاعراً وكاتباً وأديباً. هؤلاء (المبدعون) المارقون الذين يضمّهم هذا الكتاب بين دفّتيه ينتمون برمّتهم لاصقاع ومناطق نائية عن رقعتنا الجغرافية .

يسلط هذا الكتاب الأضواء على ان طريق الأدب والخَلْق والإبداع لم يكن دائماً طريقاً مفروشاً بالورود والأزهار، بل إنّ غيرَ قليلٍ من المُبدعين الكبار من أدباء وشعراء وكتّاب ورسّامين وموسيقييّن، وسواهم عاشوا حياة الشظف والفقر والخصاصة، وتجرّعوا كؤوس المرارة، وحاق بهم الفشلُ في حياتهم في مختلف جوانبها، في الحبّ والزواج والعمل، والصحّة النفسيّة والبدنيّة، وفي مجالات إبداعاتهم نفسها كذلك.

الشّاعرة اللبنانية جمانة حدّاد صاحبة أنطولوجيا كبرى تضاهي كتاب”خوسيه لويس غايّيرو”، تقول عن هذا الكاتب : “هذه الأنطولوجيا هي الوحيدة التي تعالج ثيمة الانتحار، على حدّ علمي، لكنّها تعاني ثغرات كثيرة، منها أن غاييّرو أحصى فقط 53 شاعراً منتحراً، وقد انطلق في إحصائه من سنة 1770، وهو لم يركّز على حقبةٍ زمنية محدّدة في القصائد، ما ضعضع الاختيارات، وجعل بينها تنافراً مزعجاً؛ وأن نصف أسمائه من شعراء اللغة الاسبانية (إسبانيا والقارة اللاتينية)؛ وأنه تغاضى عن أسماء شعرية مهمّة ومعروفة، ما كان ليكون من الصّعب حصدها وضمّها، من أمثال تور أولفن، وتوفا ديلفسون وأميليا روسيللي وآنا كريستينا سيزار…الخ؛ وهو لم يكلّف نفسه عناءَ البحث عن أيّ شاعر عربي منتحر“.

الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، يقول في قصيدة له تحت عنوان “الانتحار”: ” لن يبقى هناك أيّ نجم في الليل… لن يبقى هناك ليل… سأموت ومعي مجموع… هذا الكون الذي لا يطاق… سأمحو الأهرامات.. الأوسمة… القارات والوجوه…سأمحو تراكم الماضي… سأحيل التاريخَ غباراً، والغبارَ غباراً…سأرى آخر شمس شارقة… سأسمع العصفور الأخير… سأوصي العدم إلى لا أحد“.


ومعروف أنّ بورخيس لم ينتحر، ولكنّ الفكرة المشؤومة لابدّ راودته، ودغدغت شياطينَ شعره وأدبه، لقد واصل الحياة بإمعان وعناد، متحديّاً ومتحمّلاً عاهةَ العمىَ التي أصابته خلال رحلة عمره المعنّى إلى أن جاوز الثمانين بسنين، وسئم معها تكاليف الحياة، التي لابدّ أنّها أحوجتْ سمعَه إلى تُرجمان! على حد قول الشاعر العربي القديم : إنّ الثمانين وقد بُلّغتها.. قد أحوجت سمعي الى ترجمان !

في كتاب خوسّيه لويس غاييّرو نجد قصصاً وحكاياتٍ ونبذاً او نتفاً عن حياة كلّ واحدٍ من هؤلاء المنكودي الطالع، صفحات هذا الكتاب ترتجفُ لقراءتها القلوب، وتقشعرّ لها الأبدان. يشير الناقد الاسباني “كارلوس أثانجو” في هذا القبيل إلى أنه بالفعل: “ليس في مقدورنا إيجاد أيّ تفسير أو تبرير لهذا المروق الفكري، والجنوح العقلي لهؤلاء، والطامة الكبرى أنّ بعض هؤلاء الشّعراء انساقوا نحو الانتحار بواسطة الإلهام الإبداعي ذاته عندهم”.

وقد اقتصر بحث المؤلّف في هذا الكتاب على إدراج الشّعراء الغربييّن من أوروبييّن وأمريكييّن كما اشارت الى ذلك من قبل الكاتبة اللبنانية جمانة حداد . وهذه نماذج من هؤلاء، مع إطلالات عن حياتهم، وإبداعاتهم، وعذاباتهم:

أبوالسُّوريالييّن .. نِيرْفالْ

من المعروف ان “جيرار لابروني دي نيرفال» (1808 ـ 1855) كان من اكبرالشّعراء الرومانسيّين الفرنسيّين، : زار سورية، ولبنان، ومصر، وشمالَ أفريقيا، ويؤكّد أندريه بريتون في بيانه السّوريالي الشهير الذي نشره عام 1924 أنّ نيرفال كان أوّلَ من استعمل مصطلح السّوريالية في مقدّمة كتابه «بنات النار» (1854). كان قد شرع في ترجمة «فاوست» ل”جوهان فون غوته”، الذي تحمّس لهذا العمل لدرجة أنه سلّمه المخطوط الأصلي باللغة الألمانية لهذا الكتاب. وعندما بلغ 26 سنة من عمره ورث ثلاثين ألف فرنك فرنسيّ ذهبيّ. وكان يكتب باسمٍ مستعار وهو نيرفال. أقنعه بلديُّه ومعاصرُه الكاتب الفرنسي الكبير” أونوري دي بلزاك” بإنشاء مجلة بهذا المبلغ، إلاّ أنه بعد مرور سنة واحدة، كان قد أفلس. وعندما بلغ الواحدة والثلاثين من عمره، لم يعد لديه مسكن يأوي إليه، وفي عام 1855 اكتشف سكّير متشرّد في أزقّة باريس جسدَه مُسجى على الأرض، مُغطّى بالثلوج. من أعماله «رحلة إلى الشّرق»(1854)، «بنات النار»(1854)، «أوريليا» أو حلم الحياة (1855).

النّوم الأبديّ…معناه الخلود

ألفونسينا ستورني (1892 ـ 1938) عادت ألفونسينا ستورني من سويسرا إلى بلدها الأرجنتين بعد أن كانت أسرتها قد هاجرت من هذا البلد الأمريكي اللاتيني إلى سويسرا. وبعد وفاة والدها، اشتغلت في مصنع للنسيج، كما اشتغلت نادلة، ثم ممثّلة، ثم أصبحت بعد ذلك أستاذة في مدرسة اللغات الحيّة عام 1935 في بوينس أيريس، كان هَوَسُها البحث عن المساواة بين الرّجل والمرأة، ومنذ 1916 نشرت أوّل دواوينها الشعرية، وأصبحت امرأة مشهورة تقرأ الشعر في الأحياء الفقيرة في بلدها الأرجنتين، كان شِعْرُها حزيناً مؤثّراً يعانق الآلام والخوف، ويطفح بالمشاعر الفيّاّضة. وبعد عودتها من رحلتها الثانية لأوروبّا اكتشف الأطباء أنها كانت مريضة بالسرطان، وذات مساء من شهر أكتوبر من عام 1938 خرجت من منزلها وضاعت في غياهب المحيط الهادر ببحر الفضّة في الأرجنتين. بعد أن تركت قصيدة مكتوبة بلون أحمر على ورق أزرق تحت عنوان «سأخلد للنوم الأبدي». من أعمالها «قلق غصن الورد» (1916)، «السّنة الحلوة» (1918) «الكسل» (1920).

معاناة لا تنتهي

يعتقد النقاد أن الشّاعرة الرّوسية مارينا تسفيتيفا (1892- 1941) كانت ضحيّة عصرها، كانت حياتها سلسلة من المعاناة الدائمة، والعذاب المتواصل وقد صادفها سوء الحظ، حيث قادها كل ذلك إلى الانتحار، بعد أن جاوزت سنّ الأربعين بقليل، كانت تنتمي لأسرة ميسورة بورجوازية راقية، ولقد ألحقت الثورة الروسية أضراراً جسيمة بها وبعائلتها، بعد أن صادرت السلطات الرّوسية ثروات زوجها الذي كان يعمل في الجيش الرّوسي، ثم اختفى فجأة بشكل مؤقت، وماتت ابنتها أمامها تتضوّر جوعاً لأنه لم تعد لديها أطعمة تقدّمها لها. وفي عام 1922، تلتقي من جديد مع زوجها ثم تتّجه نحو براغ ثم إلى باريس، حيث تقيم لمدّة أربعة عشر عاماً. وبعد قراءتها نصّا لبلادمير ماياكوفسكي اقتنعت أنّ مكانها الحقيقي هو روسيا، حيث انتقلت عائلتها قبلها إلى هناك عام 1937 في انتظار أن تلتحق بها، وبعد سنتين من وصولها إلى بلدها، اكتشفت مارينا تسفيتيفا أنّ ابنتها تمّ إدخالها إلى أحد معاقل التعذيب، وأنّ زوجها تمّ إعدامه. فاتّجهت 1941 نحو قرية إتبورجا حيث ماتت شنقاً.

تعب كلُّها الحياة..!

كتب الشاعر الإيطالي سيزاري بافيزي (1908 ـ 1950) ذات يوم يقول: «سيأتي الموت وسوف ينتزع عينيك»، إلا أنّ الموت لم يسعَ إليه، بل هو الذي سعى إلى الحِمَام سعياً حثيثاً بتاريخ 26 أغسطس عام 1950، حيث ابتلع 16 علبة كاملة من الحبوب المنوّمة. أصبح بافيزي يتيماً في سنّ مبكرة وهو لمَّا يتجاوز بَعْدُ الستّ سنوات من عمره، وعندما بلغ التاسعة عشرة كان قد طفق يعبّر عن ملله وسأمه من الحياة وتعبه منها على طريقة أبطال ألبرتو مورافيا، وفى مفهوم شاعرنا العربي الكبير أبو العلاء المعري في قصيدته الدالية الشهيرة حيث كان يسمّي نفسه «أستاذ في فنّ عدم الاستمتاع بالحياة»! وبعد أن حصل على دكتوراه من تورين عمل في دار النشر إيناودي، وفي عام 1935 حكم عليه بثلاث سنوات سجناً نافذة لتدخله في حياة خليلته السّابقة «تين» وخطيبها الذي كان من مسيّري الحزب الشيوعي الإيطالي، وبعد خروجه من السّجن اكتشف أنّ حبيبته «ذات الصّوت الملائكي الحُلو» هجرته وتزوّجت غيرَه. وبعد عام 1941 بدأ في نشر الرّوايات الواحدة تلو الأخرى. وعلى الرّغم من النجاح الواسع الذي حققه، فإنّ ذلك لم يكن سبباً كافياً لاستعادة توازنه النفسي، وبعد بضع سنوات وضع حدّاً لحياته.

الحُبُّ تعاسة وخِذلان

الشاعرالاسباني غابرييل فرّاتير (1922 -1972) : ينتمي لجيل الخمسينات، وهو يُعتبر من أكبر الشّعراء الاسبان الكتلانيين المعاصرين. وصفه نقادُه بأنه كان شديدَ الذكاء والفطنة، إلاّ أنه كان عاثر الحظ، سيّئ الطّالع، قليل المال، كان في غرفة أحد الفنادق، وقد ترك رسالة يقول فيها «الواحد منّا لا يجعل حداً لحياته بسبب حبّ امرأة، بل إنّه يموت وحسب، لأنّ أيّ حبّ يؤرقنا، ويفضح بؤسَنا، ويعرّي تعاستَنا وخذلانَنا، ويجعلنا نغوص في العدم». كان باحثاً مجيداً، وناقداً فذاً، ومترجماً حاذقاً لهمنغواي، وسيزاري بافيزي، كان غابرييل فرّاتير قد حدّد نهاية لحياته في الخمسين من عمره، وقبل استيفاء الأجل، ربط كيساً من البلاستيك حول رأسه وانتهى كل شيء .

/لكم/

اترك رد إلغاء الرد