“الهرم”

“الهرم” رواية لإسماعيل كاداري تعري السياسات الشمولية لـ”ضخامة اللا جدوى”

سلطات تيرانا فهمت ما يختبئ خلف لعبة الكاتب الماكر وأعلمته أن الرسالة وصلت “لكن روايتك لن تصل إلى قرائها”

إبراهيم العريس باحث وكاتب 


تناول إسماعيل كاداري حكاية هرم خوفو متجاوزاً الوقائع التاريخية وإن كان لم يبتعد عنها كثيراً في تفسير دلالاتها (موقع غيتي)

من المؤكد أن الكاتب الألباني إسماعيل كاداري لم يكن يلهو حين بدأ خلال النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين كتابة روايته القصيرة “الهرم” وهو في وطنه وتحديداً في مدينة تيرانا ليستكملها بعد حين وهو مقيم “منفياً” في باريس. كذلك فإن السلطات الرقابية في بلده، وعلى الرغم من تسامحها المعتاد معه، لم تكن بلهاء حين رفضت نشر الرواية المكتوبة بالألبانية، ما جعله ينشرها مترجمة في الخارج في انتظار أن تسمح الظروف بذلك. والظروف سمحت سريعاً على أية حال، ذلك أن النظام الشيوعي المتشدد في تيرانا سرعان ما انهار في حمأة انهيار بلدان المنظومة الاشتراكية تباعاً. والحقيقة أن الذين سارعوا إلى قراءة الرواية كما كانوا قد اعتادوا أن يفعلوا بالنسبة إلى كل ما يكتبه كاداري، لم يحتاجوا إلى وقت طويل قبل أن يدركوا أن الرقابة الألبانية كانت “محقة” في منع رواية تزعم على سطحها فقط أنها تتحدث عن بناء الفرعون المصري خوفو للهرم الأكبر والصراعات التي دارت من حول ذلك الهرم.

الحاضر بلغة الماضي

فعلى الرغم من أن كاداري كان معروفاً باهتمامه بالحضارة الفرعونية إلى درجة أنه كتب منذ العام 1967 قصيدتين عن خوفو وهرمه كما عن الحضارة الفرعونية، وعلى الرغم من أن انفتاحه على العالم حين كان يكتب “الهرم” جعله يكتب رواية “إغريقية” عنوانها “الملف هاء” تدور حول تنقيبات تتعلق بالشاعر الإغريقي هوميروس، فإن ذلك كله لم يخدع أحداً. وكيف تنخدع السلطات الألبانية وزعيمها أنور خوجا -الذي كان صديقاً لكاداري على أية حال- بنص يتحدث ليس فقط عن لا جدوى إقامة النصب الكبيرة في الدول الشمولية، و”هرم خوفو” مثال عليها بالطبع، بينما كان خوجا قد أمر في الوقت نفسه بإقامة صرح لمجده لا تعرف أية مدينة أخرى ما يضاهيه! في الحقيقة فهمت سلطات تيرانا ما يختبئ خلف لعبة الكاتب الماكر وأعلمته أن الرسالة وصلت، “لكن روايتك لن تصل إلى قرائها”. وهي لئن كانت لن تلبث أن تصل، فإنما وصلت بعد فوات الأوان من دون أن يبقى منها سوى جمالها اللغوي وروعتها الفنية وكونها دليلاً على جرأة كاتب لا شك أن أدبه الفريد من نوعه إلى حد ما في ذلك البلد، أسهم في ذلك الانقلاب الجذري الذي عرفته ألبانيا.

ثورة خوفو المبكرة

إذاً، تناول كاداري حكاية هرم خوفو بلغته المبطنة، متجاوزاً على أية حال الوقائع التاريخية وإن كان لم يبتعد عنها كثيراً في تفسير دلالاتها. ويدور الموضوع هنا من حول ذلك الفرعون المصري الشاب خوفو الذي أراد منذ وصوله العرش، أن يمارس صلاحيته بفرض خرق للتقاليد يتمثل في رفضه القاطع لما يطالبه به كبار مساعديه من إصدار أوامره بالبدء في إنشاء ذلك الهرم/القبر الذي لا بد لكل فرعون من أن يشيده.

ومن الواضح أن خوفو كان قد أدرك باكراً أن الهرم لن يكون في حقيقته لا قبراً ولا يحزنون، حتى وإن كان سيستخدم لاحقاً كقبر، بالتالي يعلن الفرعون الشاب خوفو أمام بلاطه أنه لا ينوي بناء هرم لأنه يعرف حقاً ما الغاية من بنائه. طبعاً يذهل قرار خوفو كبار المملكة ولا سيما منهم رئيس الكهنة الذي يبدي على الفور حنقه وخوفه من ذلك الخرق للتقاليد في وقت لا يمكنه فيه الوقوف ضد إرادة الفرعون، لكن رئيس الكهنة يقف لحظة ويتساءل: ما الذي يزعج الفرعون في الحكاية كلها؟ وللوصول إلى جواب يستشير رئيس الكهنة ورجال الحاشية أوراق البردى وسجلات الدولة ليتوصلوا إلى ما كان مغلقاً عليهم، أي أنهم “يكتشفون” أصل بناء الأهرامات: بمعنى أن ليس ثمة من وظيفة مقابرية أو حتى دينية للأهرامات، بل إن علاقته بموت الفرعون ودفنه ليست أكثر من علاقة شكلية. علاقة تخفي الدافع الحقيقي لإقامة ذلك الصرح العملاق، وهو ليس سوى التصدي لأزمة حكم دائمة لم يجدوا بغير بناء الأهرامات حلاً لها، حتى ولو كان حلاً مؤقتاً. كيف؟ سيخبرنا إسماعيل كاداري.

اقرأ المزيد

فوز إسماعيل كاداري بجائزة نوشدات الأميركية هل يوصله إلى نوبل؟

فن البن في ألبانيا… وجوه مرسومة بلون القهوة

الشرق والغرب… معركة إيديولوجية بين الديمقراطية والشمولية

بالنسبة إلى روايته، يتعلق بناء الهرم بأزمة خاصة جداً، مرتبطة بالرفاهية والوفرة، ولها علاقة بمصادرة الحريات وسحق أي تفكير نقدي، وهذه كلها تشكل عادة تهديداً لاستبدادية الدولة. والحقيقة أن من يشرح ذلك كله إنما هو العراف المنجم الذي يرسم تشخيصه للأمور كما يلي: من الضروري القضاء على الرفاهية، بالتالي استهلاك طاقات البلاد وثرواتها بل حتى قدرات الأيدي العاملة في ذلك الشيء عديم الفائدة. وحين يصل هذا التفسير إلى خوفو يفهم اللعبة ويقرر بدوره، طبعاً، الانخراط فيها. يقرر، أن هرمه سيبنى وسيتفوق على كل الأهرامات الأخرى بحجمه وفضائه وكذلك طبعاً بالوسائل المادية والبشرية المساهمة في بنائه.

كومة حجارة وسط صحراء

وهكذا يبني خوفو هرمه ويصف كاداري بشكل رهيب التضحيات البشرية التي بذلت في سبيل ذلك النصب الهائل الذي لا يزال أمامنا حتى اليوم بوصفه “أكبر وأعلى كومة من الحجارة في العالم”، كومة هامدة ساكتة تمثل أعلى مستويات عدم الجدوى في التاريخ، لكن هل هو، بعد ذلك كله عديم الجدوى حقاً؟ في نهاية الأمر لا بد من الاعتراف مع الكاتب -الذي لا شك أنه هنا يطل على الحاضر من خلال الماضي كما سبق له أن فعل في روايات أخرى رائعة له مثال “فجوة العار” و”الوحش” و”قصر الأحلام” ولا سيما “الجسر ذو الرماة الثلاثة”- بأن الهرم يخفي على الرغم من ذلك كله لغزاً هائلاً، لكنه لغزاً لا يمكن توضيحه وفك طلاسمه إلا من خلال تجربة الحكم الشمولي الخاصة بزمننا. وهكذا يخبرنا كاداري أن في وسعنا اليوم أن نلقي أضواء ساطعة على ذلك اللغز القديم إنما من خلال التساؤل المشروع: إذا كان الهرم حقاً مقبرة. فهو مقبرة لمن؟ لفرعون أم لشعبه؟ ترى، يسائلنا كاداري في نصه عما إذا لم نكن هنا أمام “مرآة تستطيع فيها كل الأمم أن تقرأ انحلالها، وموتها البطيء؟” أمام “نوع من المخلوقات الأسطورية التي تتكاثر من زمن إلى زمن في أشكال مرئية أحياناً، وأحياناً غامضة؟”.

ضروري للدولة الشمولية

باختصار، هو شيء مرهق ومدمر للجسم والعقل وعديم الفائدة على الإطلاق. أو، بشكل أكثر دقة، “عمل لا فائدة منه للمواطنين كما سيكون لا غنى عنه للدولة” هذه هي الفرضية الأساسية لإسماعيل كاداري حول الأسباب العميقة التي دفعت فراعنة مصر إلى إطلاق هذه المشاريع المجنونة لبناء هرم: لامتصاص الطاقة المتزايدة للسكان. وبخاصة بالنسبة لخوفو، الذي لم يكن ليرغب أول الأمر في إطلاق مثل هذا العمل – لكنه بعد أن توضحت له الأمور ها هو يقرر بناء الهرم، بل أعلى وأضخم هرم تم بناؤه على الإطلاق، هرم تحكي لنا رواية كاداري تفاصيل بنائه ولكن طبعاً لتقول لنا شيئاً آخر تماماً. لكي تحدثنا عن منطق الدولة الشمولية تخبرنا الرواية عن بنائه، وكل ما يدور حوله ويتعلق به: جنون السلطة، القوة المطلقة، الجنون المطلق؟ سيكون من المثير للاهتمام أن نكون قادرين على المشاركة عبر قراءة “الهرم” في ما يمكن اعتباره مرتبطاً في الوقت الحاضر بهذه الأحداث، والتوغل بالتالي في سؤال يتعلق بما ولد في خيال كاداري.

ضخامة “اللاجدوى”

وما ولد في خيال الكاتب يرتبط مباشرة كما لا بد أن نستنتج، بالعصور الحديثة. من تلك المشاريع العملاقة التي تبدو في ظاهرها، كما بدت لخوفو حين كان لا يزال شاباً، غير ذات جدوى، لكن تزاحمها في ألبانيا أنور خوجا، كما قبل ذلك، في “برسبوليس” شاه إيران، وبعده في عشرات المشاريع التي راحت تركب في بلاد ما بين النهرين ومعظمها يرمي إلى تمجيد صدام حسين في ذروة حكمه، أيقظت لدى الكاتب تلك المشاريع الفرعونية، بالمعنى التاريخي كما بالمعنى المعنوي للكلمة، فكتب هذه الرواية القصيرة التي حتى وإن لم تكن من أهم رواياته، فإنها أتت أكثرها تعبيراً عن واقع بالغ الأهمية.



/عربيه اندبندنت/

اترك رد إلغاء الرد