مذكّرات صائب بيك (3): الشهابية فسدت.. وفرنجية معادٍ للعرب والمسلمين

/سامر زريق- أساس ميديا/

تزامن صدور مذكّرات الرئيس الراحل صائب سلام مع أدقّ وأخطر الأزمات التي يعيشها الكيان اللبناني، الذي كان الراحل الكبير واحداً من أبرز رجالاته وفارساً من فرسان استقلاله.

أيضاً تصدر المذكرات في زمن استباحة مقام رئاسة الحكومة. وهو الذي كان واحداً من أشدّ رؤساء الحكومات حرصاً عليه وعلى صلاحياته، وهو ما جعله يصطدم بكل رؤساء الجمهورية المتعاقبين ويدخل معهم في منازلات سياسية قاسية من الندّ للندّ.

نظراً إلى الكمّ الهائل من الوقائع الواردة في المذكّرات، نشر “أساس” حلقتين عن الجزء الأوّل، وينشر 4 حلقات عن الجزء الثاني. في الحلقة الأولى عرض لـ”الانتصار المدوّي على المكتب الثاني”، مروراً بملابسات عمليّة فردان التي نقّذها الإسرائيليون في قلب بيروت، وصولاً إلى استفزازات الجيش اللبناني للفلسطينيّين، واستفزازا سليمان فرنجيّة الجدّ للمسلمين..

قد يبدو للبعض أنّ مذكّرات الرئيس صائب سلام فيها الكثير من التناقضات، ولا سيّما في ما يتعلّق بآرائه في العديد من الشخصيّات المذكورة في متنها. لكنّها على النقيض من ذلك تماماً. فهي يوميّات كان يدوّنها بنفسه بشكل شبه يومي. وبما عرف عنه من براعة وبلاغة في اللغة والخطاب. وقد تضمّنت رأيه ومشاعره في اللحظة التي كان يكتب فيها. والمشاعر والآراء الشخصيّة تبقى عرضة للتغيّر الدائم، خاصة عندما تكون مقترنة بالسياسة التي لا يوجد فيها خصم دائم أو صديق دائم. لذا قد يمرّ موقف سلبي من شخص أو طرف، وإيجابي منه في مكان آخر. ففي النهاية هذه مذكّراته، وليست تأريخاً أكاديمياً.

معركة رئاسة الجمهورية

يبدأ الجزء الثاني بانتخابات رئاسة الجمهورية عام 1970، التي كانت إحدى المحطّات المهمّة في مسيرة الرئيس صائب سلام السياسية الحافلة. ولأنّه كان يسعى إلى التخلّص من الشهابية وحكم المكتب الثاني ورجالاته، كان يُجري الكثير من اللقاءات والاتّصالات للتوفيق بين وجهات نظر الحلف الثلاثي (كميل شمعون، بيار الجميّل، ريمون إدّه) وكمال جنبلاط. ويذكر سلام أنّ مرشّحه المفضّل كان ريمون إدّه: “لأنّني مقتنع أنّه الشخص الوحيد الذي يمكنه أنْ يبدّل الأوضاع، وأنْ يكون رجل دولة مسؤولاً، لكنّ عقد المؤيّدين بدأ ينفرط من حوله بسرعة مع اقتراب موعد الانتخابات”.

تمّ تحديد موعد جلسة الانتخاب في 17 آب عام 1970. يرسم سلام الصورة العامّة للمشهد الانتخابي في بداية شهر آب على الشكل التالي: “شدّ وجذب تأييداً أو مقارعة لعودة (فؤاد) شهاب إلى الحكم، وبدء ترسّخ فكرة أنْ يكون سليمان فرنجية مرشّح المعارضة. جاءني أحمد اسبر ليقول لي بأنّ غابي لحود أخبره بصورة قاطعة بأنّهم يعملون للإتيان بالياس سركيس رئيساً للجمهورية، لأنّ شهاب ليس وارداً، وهو نفسه لا يقبل. في 4 آب خرج شهاب عن صمته، وأصدر بياناً أعلن فيه عزوفه عن الترشّح. وفي 14 آب رشّح كميل شمعون نفسه رسمياً عبر بيان مسهب”.

وعن رأيه في فرنجيّة يقول سلام: “أنا شخصيّاً، ورغم حبّي وتأييدي لسليمان فرنجية، كنت أعلم على أيّة حال أنّ الذين كانوا ينادون به هم أنفسهم الذين يبدون خوفهم من ألّا يكون كفوءاً لرئاسة الجمهورية بسبب عدم ثقافته، ولأنّه لمْ يتجاوز حتّى حينها كونه نائباً عن ضيعته. وإضافة إلى هذا، كنت متحفّظاً جدّاً تُجاه تصرّفاته وعناده الذي يمكن أنْ يوصله إلى الشطط، إضافة إلى خشيتي من بوادر التعصّب الطائفي التي كانت قد بدأت تظهر لديه في الآونة الأخيرة، والتي يمكن أنْ تزداد حدّة بعد وصوله إلى الحكم، حيث إنّ نظرته إلى المسلمين والعرب باتت جافّة، إنْ لمْ أقُل عدائية”.

ويتابع سلام: “جاءت التطوّرات الأساسية يوم الأحد 16 آب (قبل يوم واحد من الجلسة)، فخلال اجتماع تكتّل الوسط اتّخذنا القرار النهائي بترشيح سليمان فرنجية بعدما حلّلنا الأوضاع ووضعنا كافّة الاحتمالات والحسابات وطرحنا جانباً كلّ تحفّظاتنا تُجاه فرنجية. ولجعل الترشيح رسميّاً، دوّنّا وثيقة بذلك ووقّعناها جميعاً، نحن الخمسة أوّلاً، ثمّ نسيب مجدلاني. بعد ذلك توجّه فرنجية إلى كميل شمعون الذي تنازل ووقّع الوثيقة، ثمّ وقّعها الأخوان عبد المجيد وعبد اللطيف الزين، وفعل ريمون إدّه الشيء نفسه. وضغطنا على جنبلاط بواسطة قادة المقاومة الفلسطينية وشوكت شقير”. ويختم سلام روايته لموقعة انتخابات رئاسة الجمهورية: “تمّ كلّ شيء كما نريد، وجرت الانتخابات يوم 17 آب، وكان الفوز من نصيب مرشّحنا سليمان فرنجية، وفي ذلك انتصار كبير لنا كلّل جهودنا وصراعنا الطويل مع المكتب الثاني”.

حكومة الشباب 

بعد تكليفه تشكيل الحكومة يقول سلام: “طرحت على الرئيس فرنجية أنْ نحدِث ثورة صغيرة، وهي حكومة شباب جدد من خارج الأوساط السياسية التقليدية. رميت الفكرة وأنا أشرح مدى ما سيكون لها من ردّ فعل لدى الرأي العامّ، وكنت أعتقد أنّ فرنجية سيرفض الفكرة من فوره لكنّني فوجئت بموافقته عليها. وهنا طرحت عليه أسماء على سبيل المثال لا الحصر: نديم دمشقية، هنري إدّه، غسان تويني وأسماء أخرى، بدت على الرئيس فرنجية الحماسة الشديدة.. وهكذا أعلنت التشكيلة، وكانت قنبلة إيجابية ضجّ لها الرأي العامّ، وتناقلت أخبارها صحف العالم كلّه، وبدا واضحاً أنّ الحكم الجديد يريد ضخّ دم جديد في الحياة السياسية اللبنانية”.

عقب انتصار فرنجية، ونيل حكومة الشباب الثقة، وفوز كامل الأسعد برئاسة المجلس النيابي، يقول سلام: “ها هو البلد يحكمه الرجال الذين ناضلوا طويلاً ضدّ الشهابية والفساد، ضدّ النهجيّين وغير النهجيّين، والفريقان سواء في نهاية الأمر”.

عمليّة فردان والاستقالة

استمرّت مفاعيل هذا الانتصار السياسي حتى العاشر من نيسان 1973، عندما قامت القوّات الإسرائيلية بالهجوم على صيدا، وبالتسلّل إلى بيروت حيث اغتالت ثلاثة من قادة العمل الفدائي الفلسطيني. هنا يقول سلام: “أدّت تلك الأحداث الدامية والخطيرة والإجرامية يومها إلى تأجيج الصراع بين الجيش اللبناني والفدائيّين الفلسطينيّين، وانتهى بيَ الأمر أمام ما لاحظته من تواطؤ ونوايا سيّئة في تلك الأحداث إلى تقديم استقالة حكومتي، في وقت انفجر الصراع السياسي مع سوريا التي أغلقت حدودها مع لبنان ردّاً على موقف الجيش اللبناني من الفلسطينيّين”.

يورد سلام بعدئذٍ مقتطفات من كلمة مطوّلة يصفها بـ”التاريخية” ألقاها أمام مجلس النواب (25 تموز 1973) في جلسة مناقشة البيان الوزاري للحكومة التي شُكّلت بعد أشهر، يُشير فيها إلى تقصير الجيش اللبناني الفاضح في القيام بواجباته في عمليّة فردان وهجوم صيدا، وتحميله مسؤولية التقصير إلى الحكومة التي قدّمت كلّ الدعم للجيش وصولاً إلى رصد مبلغ 200 مليون ليرة لتجهيزه.

من هذه المقتطفات: “يوم العدوان الأسود، أيقظوني من نومي على أصوات رصاص وتفجيرات عدوانية، وأنا بدوري أيقظت قائد الجيش (الجنرال إسكندر غانم)، هل كان واجب رئيس الحكومة أنْ يوقِظ قائد الجيش؟ منْ قال إنّ المسؤول السياسي هو الذي يوقَظ أوّلاً لتدارك الأمور؟

الجيش المتواطىء مع إسرائيل

عند الساعة الثالثة تماماً (فجراً)، كنت أكلّم قائد الجيش فسألته من جملة ما سألته: وماذا فعلتم بالعدوان على صيدا؟ فقال: وأيّ عدوان في صيدا؟ سألته: ألمْ يبلُغْك أنّ هناك عدواناً على صيدا؟ فقال: لا. وكان زميلنا الدكتور نزيه البزري قد أبلغني قبل ذلك أنّ العدوان على صيدا وقع في الساعة الثانية والدقيقة الخامسة تماماً!

إذنْ قائد الجيش وغرفة العمليات لم يكنْ عندهما علم بعدوان وقع على صيدا. وفي صباح اليوم التالي، بعدما قرأت بيان القيادة العسكرية الذي تحدّث عن اشتباكات بين الجيش والقوات الإسرائيلية، ممّا هو غير موجود في الحقيقة، توجّهت إلى مكان العدوان وأحببت أنْ أرى بعيني ما جرى، ثمّ توجّهت إلى جلسة مجلس الوزراء، ورأيت من واجبي أنْ أطلع المجلس على ما عندي من معلومات، وعلى ما رأيت وسمعت. وبالنتيجة طلبت أنْ نقرّر إقالة قائد الجيش فوراً، جرياً على ما كنت طالبت به سنة 1968 عقب العدوان على المطار، وعندما لمْ يقرّر مجلس الوزراء اقتراحي وطلبي، كان من الواجب أنْ أتحمّل أنا المسؤولية، وقد تحمّلتها بفخر واعتزاز، ورفعت رأس لبنان عالياً”.

يتابع سلام فيتحدّث عن استفزازات الجيش للفلسطينيين قائلاً: “فور تقديمي استقالتي، تأزّمت الأوضاع السياسية في البلد، في وقت راحت الأوضاع العسكرية والأمنية تزداد تدهوراً، والتضامن اللبناني – الفلسطيني الذي تجلّى يوم تشييع ضحايا العدوان، وكنت قد أسهمت في فرضه من خلال مئات الاتّصالات التي أجريتها، سرعان ما تبخّر أمام ممارسات قوّات الجيش التي راحت تستفزّ الفلسطينيين مراهنةً على أوضاعهم العصبية السيّئة بعد مقتل ثلاثة من قادتهم. ربحت القيادة العسكرية الرهان، وتطوّرت الصدامات والاعتقالات، وصولاً إلى استخدام الطائرات العسكرية”.

فرنجيّة يستفزّ المسلمين بالحافظ

إثر استقالة حكومة صائب سلام، شكّل أمين الحافظ حكومة قال عنها سلام: “كان من الواضح أنّ الحكومة التي ألّفها أمين الحافظ بعد استقالتي لن تدوم طويلاً، وأنّها مجرّد حكومة تحدٍّ مؤقّتة. وكانت تلك الحكومة قد استفزّت الشعور الإسلامي بما فيه الكفاية، ممّا جعل رشيد كرامي يقود حملة هدفها إسقاط أمين الحافظ لشعوره بأنّ ذلك سيكسبه سياسياً وطرابلسيّاً. وكان كرامي يجمع حوله في موقفه العنيف فئات إسلامية عديدة.

كان قراري انتزاع المبادرة من كرامي والمتحلّقين حوله، ومحاولة اكتساب الزعامات المسيحية إلى فكرة تبديل الحكومة. كانت خطتي تقتضي العمل سريعاً على ثلاثة محاور:

– إسقاط الحكومة الحالية ونزع المبادرة من رشيد كرامي وحلفائه.

– الإتيان بنزيه البزري المقبول به إسلامياً ومسيحياً (كان نائباً في كتلة سلام).

– الانطلاق من كلّ ذلك الى إقناع ياسر عرفات بمعاونتنا على إقناع السوريّين بضروره إعادة فتح الحدود.

ثمّ دعاني المفتي حسن خالد، كما دعا رشيد كرامي إلى لقاء عنده، وخلال ذلك اللقاء تمّ التفاهم مع المفتي على أنْ يتّصل بالحافظ صباح اليوم التالي ويبلّغه ضرورة تقديم استقالته، حيث سيكون ذلك أكرم له وللجميع. حضر أمين الحافظ عند المفتي في 9 حزيران، لكنّه تشبّث بالبقاء بتشجيع من فرنجية. والأدهى من ذلك، أنّه أدلى عند المساء بتصاريح عنتريّة عامرة بالتحدّي (الشخصيّ أيضاً)، ما لا يتّفق مع طبيعته وسلوكه، وخُيّل إليّ أنّه يبدو كما لو أنّ الحافظ شرب حليب السباع من لدن فرنجية”.

بيد أنّ الحافظ لم يصمد طويلاً فقدّم استقالته. ويروي سلام تفاصيل المفاوضات التي جرت لتشكيل حكومة أقطاب وافق أنْ يكون فيها وزير دولة، وأنْ تكون برئاسة رشيد كرامي، على أنْ يكون في المقابل كلّ من كميل شمعون وشارل الحلو وزراء دولة، فـ”صائب سلام يبقى صائب سلام، سواء كان رئيساً أم وزيراً أم حاجباً على باب وزير”، كما قال للنائب عبد الله المشنوق. لكنّ فرنجية عدل عن رأيه بعدما كان موافقاً، واقترح أسماء أخرى، وهو ما أدّى إلى تعطيل الفكرة. وأُعلِن في 22 حزيران 1973 أنّ الرئيس فرنجية كلّف تقيّ الدين الصلح بتشكيل حكومة. يقول سلام: “أنا شخصيّاً لم أكنْ مستاءً من مجيئه، فإنّ مستواه في رئاسة الحكومة مستوىً يليق بالمسلمين ولا يُقاس به كثيرون ممّن رُشّحوا أو رَشّحوا أنفسهم”.

اترك رد إلغاء الرد