” مقالة اليوم للكاتب د. عماد يونس فغالي

الربح، رهانٌ لا يفوَّت!!
بقلم : د. عماد يونس فغالي


عنونت المواقع الإلكترونيّة: “أستاذ الفلسفة يخسر الرهان…”. وفي التفاصيل، بعد تصحيحه امتحانات مادّة الفلسفة وتوزيع المسابقات على طلاّبه، وتبيُّن ورود ننائج عالية، أطلق المعلّم مبادرة خاصّة جدًّا وفريدة: دعوةٌ على العشاء في كازينو لبنان لمن ينال علامة ١٨/ ٢٠ وما فوق في الامتحانات الرسميّة.
قد تُصنّفُ الدعوةُ تحدّيًا أو رهانًا. في هذه الحال يصدقُ اعتبارُ النتيجة خسارةً للمعلّم. لكنّ المعلّم أطلق الدعوة بعد تيقّنه من ورود النتيجة التي يطلبها بين طلاّبه. فمنهم مَن حصل على ما فوق ال ١٨، وليس غريبًا على المعلّم أن يتوقّع نوالَ بعضهم العلامات القصوى في الامتحان الرسميّ. ومع ذلك لم يتردّد في فعلته. هذا معلّمٌ يهوى التفوّق ويصرّ عليه. لم يُثنِه عائقٌ عن المضيّ في تحفيز طلاّبه على السعي لتمكين تميّزهم…
طلاّب السنة النهائيّة في مدينة زحلة، تعني لهم الكثير زيارة كازينو لبنان والعشاء في مطاعمه. هم البعيدون جغرافيًّا عنه، خصوصًا في ظلّ الأزمات الحاليّة في المواصلات. لا نستغربنّ مطالَبةَ رابحي الدعوة بتحقيقها.
المعلّمُ مربٍّ يحملُ في أعماقه روحًا أبويّةً، يدركُ قدراتِ طلّابه، يعملُ على توظيفها، يحثّهم على الاستفادة منها بكلّ جهدٍ يأتونه.
وربح الرهان. نعم، يقول الخبر، فور تبلّغه استيفاء طالبتيه شرطَ الدعوة، اتّصل بالكازينو حاجزًا طاولةَ العشاء على ترّاس المطعم الصيفيّ مع جولةٍ خاصّة في أرجاء المعلَم الوطنيّ.
هي مبادرةٌ فرديّة من معلّمٍ يهوى رسالته، طلاّبُه فخرُه، يحافظُ على تفوّقهم بما أوتي من أفكارٍ خلّاقة مميّزة، مجتمعيّة وعلائقيّة، تخدم نهجَه التربويّ وتؤسّسُ لمسار ترببةٍ إيجابيّة. من ناحية أخرى، جعلتْ منه، ربّما من غير قصده، معلّمًا أنموذجًا، ليس في عيون تلميذتيه الفائزتين وحسب، لكن في الدوحة التعليميّة ككلّ، وأكثر، عبر انتشار خبره في الإعلام!

لم تنتهِ القصّةُ هنا. ليست المكافأة تطالُ التلميذتَين المتفوّقتين، الرابحتين دعوةَ المعلّم الفربدة فقط. المكافأةُ طاولت المعلّمَ نفسه. علمت إدارةُ الكازينو بالمجريات، وتحقيقها تلك الليلةَ في أروقةِ المكان. معلّمٌ يكافئ تفوّقَ طالبتَيه بعشاءٍ في الكازينو، لا يمرّ الحدثُ في الخفاء. قرأ المدير العامّ الواقعَ من زاويةِ المبادرة وصاحبها. رأى في المعلّم مراهنًا على الكفاءات ورابحًا فيها. تدخّلَ مباركًا ومكافئًا. “غيرةُ فكرِكَ أكلتني” أخاله ردّد متوجّهًا إلى المعلّم في ذاته. أنتَ دعوتَ يا سيّدُ وأنا أتبنّى الدعوة. كانت فاتورةُ العشاء، جوابَ مدير الكازينو العامّ: “”د. حرب، الرهان الوحيد الذي لا يخسر هو الرهان على الكفاءات، تسرّنا دعوتك وطالبتيك الليلة على حساب الكازينو، آملين منك المتابعة في رهاناتك، فكازينو لبنان يكبر بالمبدعين”

ألم يكمل مديرُ الكازينو العامّ النهجَ التربويّ ويسِرْ فيه حتى النهاية؟ ألم يسجّلْ رولان خوري لمؤسّسته مشاركةً في مكافأةِ المتفوّقين من طلاّب لبنان وفي دعم المعلّم الواضع ذاته وقدراته لأجل إيمانه بدوره التربويّ الكبير؟
هذه قصّةٌ لا تعبرُ إلاّ باصمةً في المنظومة التربويّة والاجتماعيّة والعلائقيّة، ختمَ المثال والخلود.
هي قصّةٌ في قامةِ ملء الإنسان، منذ الطلّاب المتفوّقين المتلقّفين حثَّ معلّمهم على ازدياد، إلى المعلّم الرسول الإنسانيّ المحبّ ملءَ قلبه، إلى مدير الكازينو الذي يشدّ على يد المعلّم السبّاق داعيَه إلى متابعةٍ في رهاناته الرابحة المستثمِرة في الإنسان!!
لنعتبرْ!!

/ميزان الزمان/

اترك رد إلغاء الرد