ألبريخت دورر

فنان ألماني ألهب عصر النهضة بنبوغه

معرض فرنسي جديد يقدم إبداعه في ضوء انفتاحه على تجارب معاصريه

انطوان جوكي

على خلاف معظم الفنانين الكبار، لم يكن على الألماني ألبريخت دورر (1471 ــ 1528) انتظار وفاته كي ينتزع إقراراً إجماعياً بعبقريته النادرة. عبقرية تتجلى في مختلف أعماله، وخصوصاً في محفوراته التي لعبت دوراً رئيساً في بلورة جماليات عصر النهضة الأوروبية، وما زال سحرها فاعلاً بقوة إلى حد اليوم.

ولتفسير هذا الإنجاز، لا يكفي استحضار مواهب دورر الفنية المتعددة والفريدة، بل يتوجّب أيضاً التأمل في انفتاحه على تجارب معاصريه الفنانين، أينما كان مكان وجودهم، وفي تمكّنه بالتالي من وضع نفسه في قلب التبادلات الفنية التي شهدتها أوروبا في زمنه. وهو ما يقترحه معرضه الحالي في “قصر شانتييه” (ضاحية باريس)، الذي يسمح أيضاً، من خلال عشرات الرسوم والمحفورات الشهيرة أو المجهولة لدورر، وأخرى لمعاصريه، بتسليط ضوءٍ كاشف على إبداعه المذهل في مجالي الرسم والحفر، وبقراءة هذا الإبداع في ضوء عمله الفني ككل، من جهة، وأسفاره العديدة داخل أوروبا، من جهة أخرى.

ابن صائغ وحفيد صائغ، تعلّم دورر من دون شك العمل بالإزميل الرفيع ــ أداة الصائغ والحفّار المشتركة ــ في محترف والده، قبل أن يتعلّم الرسم والتلوين والحفر في محترف الرسام ميكاييل وولجيموت، حيث اكتشف أيضاً الثورة التصويرية التي أحدثها الرسامون البدائيون الفلمنكيون. وإذ يتعذر إنكار دينه لوولجيموت، لكن مقابلة أعماله بأعمال معلّمه، في الصالة الأولى من المعرض، تُظهِر أيضاً مدى تمكّنه من الابتعاد عن أسلوب وولجيموت الجامد عبر مدّ أعماله بحيوية لا سابق لها في تاريخ فن الحفر.

رحلات حفّار

في الصالة الثانية والثالثة، يتبيّن لنا تأثّر دورر بإنتاج الحفّارين الألمان والإيطاليين الكبار خلال القرن الخامس عشر. تأثُّر بدأ مع مغادرته مدينة نورمبرغ في ربيع 1490 بغية إنجاز رحلة تدريب داخل ألمانيا قادته إلى مدينة كولمار، حيث استفاد من تعليم الحفّار مارتين شونغاور، عن طريق شقيقي هذا الأخير، ثم إلى مدينتي بازل وستراسبورغ حيث اشتغل مع مطابع محلية. وخلال هذه الرحلة، أقام أيضاً في منطقة الرين الوسطى حيث افتُتِن بأعمال الحفّار مايستر ديس هاوسبوش. وبعد فترة قصيرة من عودته إلى نورمبرغ عام 1494، غادرها مجدداً إلى البندقية حيث تآلف مع الفن الإيطالي، قبل أن يقفل عائداً إلى مسقط رأسه عام 1495، وينطلق في إنجاز محفوراته الأولى التي يتجلى فيها توليفه الباهر لمختلف مصادر وحيه. توليف حدد بسرعة، مميزات أسلوبه الرسومي الخاص.

في الصالة الرابعة، نرى كيف تمكّنت علاقة دورر وجاكوبو دو برباري من مدّ جسر بين العالمين الجرماني والإيطالي. علاقة انطلقت إثر إقامة فنان البندقية الشهير في نورمبرغ عام 1503، ونتجت منها محاكاة مثيرة بين الفنانَين وتأثّر متبادل. وفي هذا السياق، افتُتِن دورر خصوصاً بحسّ التناسب في عمل دو برباري الذي كشف له يوماً عن رسمَين، واحد لشخصية ذكورية والآخر لشخصية نسائية، شيّدهما وفقاً لمنهج هندسي، مما حثّ دورر على الشروع في دراسة النِسَب، وعلى متابعة هذا الجهد حتى نهاية حياته. ومثل الرسامين القدامى ومعاصريه الإيطاليين، سعى أيضاً إلى فرض نفسه كمنظِّر مرجعي في موضوع تمثيل جسم الإنسان أو الحيوان، الحركة، وهندسة الفضاء، فأنجز محفورات نتلقّاها على شكل بيانات فنية مسيِّرة لأفكاره.

لكن علاقة دورر بإيطاليا وفنانيها لا تقتصر على صداقته بدو برباري، فالصالة الخامسة تكشف لنا عن إعجاب متبادل بينه وبين رافايلي، تشهد عليه الاقتراضات المتواترة في أعمالهما، وعن اطلاع دورر عن كثب على عمل ليوناردو دافينشي أيضاً، الأمر الذي يفسّر تماشي أبحاثه في علم تشريح الحصان مع تأمّلات فنان فلورنسا الأكبر.

مناظر الطبيعة

وتنقلنا الصالة السادسة إلى ألمانيا حيث نكتشف افتتان حفّارين كثر بعمل دورر، مثل هانز بالدونغ غرين الذي تعلّم الحفر في محترفه وتأثّر في بداياته بأمثولات معلمه، قبل أن يصقل أسلوباً خاصاً به، وفان ميكينيم الذي نسخ أعمالاً لشونغاور، قبل أن يتملّك أسلوب دورر ويمنحنا نسخاً جدّ وفية لبعض محفوراته، من دون أن ننسى بوركماير وكراناش اللذين استلهما موضوعاتهما من عمله، لكن بحرية أكبر

وفي الصالة السابعة، نرى كيف أن دورر اهتم طوال حياته بالعالم المحيط به، فبحث بشكل دؤوب عن أفضل طريقة لتمثيل مناظر الطبيعة وعجائبها، ولمقاربة موضوعات أكثر غرابة أو ذات طابع روحي وميتافيزيقي. بحثٌ بلغ ذروته في محفوراته النحاسية الثلاث الشهيرة: “الفارس، الموت والشيطان” (1513)، “القديس جيروم في صومعته” (1514)، و”كآبة 1″ (1514)، التي شكّلت موضوعاتها خصوصاً ذرائع له لتطبيق معرفته النظرية وإثبات إتقانه المذهل لفن الحفر.

وفعلاً، لم يتمكن أي حفّار إلى حد اليوم من مضاهاة هذا العملاق في إسقاط الظلال والأنوار داخل محفوراته، وفي تشييد فضاءاتها. ومع أن هذه الأعمال تُعَدّ من بين الأشهر في تاريخ الفن الغربي، وحظيت بدراسات لا تحصى، لكنها لم تكشف بعد عن كل أسرارها.

ولأن دورر لم يكن فقط حفّاراً أتقن جميع تقنيات الحفر المعروفة في زمنه، وارتقى بهذا الفن إلى مرتبة الفنون الأخرى، بل كان أيضاً رساماً بارعاً، لا يهمل معرضه الحالي الرسوم الغزيرة التي أنجزها خلال إقامته الطويلة في هولندا بين عاميّ 1520 و1521، والبورتريهات التي أنجزها رسماً أو حفراً، وتمكن فيها من ترجمة سيكولوجيا موديلاته ومكانتها الاجتماعية.

بورتريهات لأشخاص كانوا مقرّبين منه، لأمراء جرمانيين كانوا رعاته، لبعض أنصار الإصلاح البروتستانتي الذي كان محبذاً له، وخصوصاً لوجوه “جمهورية الآداب” التي تألفت من كتّاب إنسانويين أوروبيين كبار، وكان يعتبر نفسه أحد مواطنيها.

أما المقابلة المثيرة التي يجريها المعرض بين بعض أعمال دورر وأعمال حفّارين ألمان وإيطاليين وفلمنكيين أثّروا به أو تغذّوا من فنه، فتبرّز تلك المحاكاة الشديدة بينه وبين فنانين عصره، ودورها الكبير في إشعال حمّى الإبداع خلال عصر النهضة وتحديد وجهته.

/عربية اندبندنت/

اترك رد إلغاء الرد