“قوس النصر”

الذي حيّا به الفنان النهضوي دورر انتصارات إمبراطوره التنويري

أمضى سنواته الأخيرة بين هولندا ونورمبورغ وتوفي عام 1528 ثرياً إنما من دون ذرية

هي على أية حال علاقة مثمرة وربما من النوع الذي دائماً ما حلم المبدعون ومنذ أفلاطون على الأقل، بأن يقوم بينهم وبين الحكام، علاقة يبدع فيها الفنان واضعاً إبداعه في خدمة الحاكم، ولكن من دون أن يتدخل الحاكم أو حاشيته في التفاصيل، هي علاقة يجب أن تقوم على الثقة، أو هذا على الأقل ما كان يريده الفنان الألماني آلبريخت دورر من خلال تنامي تلك العلاقة بينه وبين الإمبراطور ماكسيميليان الأول، والحقيقة أن الفنان بذل جهوداً كبيرة لتلبية الحاكم في إنتاج أعمال فنية ترسمه أو تقيم أقواس النصر لمجده، لكنه ظل دائم الشكوى من أن الإمبراطور لم يجزل له المكافأة بل حتى لم يتمكن من الوفاء بوعود كان قد قطعها له، ما اضطره يوماً إلى أن يرجو من مبعوثين زاروه لتوصيته على أعمال فنية لجلالته، إبلاغ هذا الأخير بأن دورر يحتاج إلى 100 فلورين، “فهلا تتفضلون بها علي يا جلالة الإمبراطور وسأكون دائماً بها أو من دونها في خدمة جلالتكم!”. ولئن كانت هذه الحكاية غير قابلة للتصديق للوهلة الأولى فإنها حقيقية، وترد في معظم السير التي تناولت دورر (1471 – 1528)، إنما من دون أن يتمكن أحد من تفسيرها، فماكسيميليان لم يكن عاهلاً فقيراً، ودورر لم يكن من الثرثارين الذين قد يذنبون بكلام ما يقولونه في حق سيدهم، ومهما يكن من أمر، لا شكّ أن هذا كان في البداية فقط إذ بعد ذلك انتظمت العلاقة بين صاحب القصر وصاحب الريشة، وخلّف هذا الأخير لتاريخ الفن إبداعات مدهشة خصّ بها سيده، لكن أياً منها لم يتفوق، من ناحية البورتريهات، على تلك العديدة التي رسم فيها دورر نفسه، بيد أن تلك لم تكن حال قوس النصر العظيم الذي يصل ارتفاعه إلى أكثر من ثلاثة أمتار ونصف المتر، ويبقى على مدى التاريخ تحفة في مجاله.

من الإعجاب إلى الصداقة

ولئن كانت العلاقة التي قامت في ذلك الحين، ورغماً عن “المشكلات المالية”، بين الإمبراطور التنويري والفنان النهضوي اعتبرت نموذجية وربما تستجيب استجابة كبيرة لتلك المواصفات التي رسمها الفيلسوف الإغريقي أفلاطون، على الأقل في “الرسالة السابعة” لـ “الشروط الأخلاقية والسياسية التي ينبغي أن يتمتع بها الحاكم كي يعتبر متنوراً ويستحق أن يؤيده المثقف لما فيه الخير العام”، فإنها كانت في الوقت نفسه تتجاوز الاعتبارات العامة لتجد من قبل الإمبراطور تقرباً من الفنان ودعماً له يمهدان لعلاقات كثيرة قامت بين حكام ومبدعين في أزمنة لاحقة (علاقة هايدن بالأمير إسترهازي، أو علاقة فاغنر بالملك البافاري لودفيغ، على سبيل المثال).

وكانت العلاقة بين ماكسيميليان الأول والفنان النورمبورغي دورر، قد بدأت في العام 1512، حين طلب الإمبراطور من أعوانه أن يعرفوه على أكبر فنان في المقاطعة، وكان دورر حينها يسعى إلى العثور على راع حقيقي لفنه، وهكذا قام جاكوب فوجر، وهو مصرفي كان يعمل في خدمة الإمبراطور، بتقديم دورر إلى هذا الأخير. ومنذ ذلك الحين، تواصلت العلاقة بين الإمبراطور والفنان حتى رحيل ماكسيميليان في العام 1519. ونذكر هنا على أية حال، أن البورتريه الرائعة التي حققها دورر للإمبراطور، تعتبر قمة من قمم فن دورر.

القطعة الفنية الأضخم

لقد حقق دورر خلال السنوات القليلة التي ارتبط خلالها بالإمبراطور عدداً كبيراً من الأعمال له، سواء بفنه الشخصي أو بحرفية مساعديه في محترفه الكبير، ولكن العمل الأبرز الذي ارتبط باسم دورر بين كل الأعمال الفنية التي أسهمت في سمعة ماكسيميليان وفي مجده، يبقى كما أشرنا، “قوس النصر” الخشبي الضخم، الذي أنجز في العام 1515، ممجداً مآثر الإمبراطور وذكراه إلى الأبد، ويبلغ عرض هذا القوس الرمزي مترين و95 سنتيمتراً، أما ارتفاعه فيزيد على ثلاثة أمتار ونصف المتر كما أسلفنا، وهو يعتبر أضخم قطعة فنية من هذا النوع (المسمى “كسيلوغرافيا”) في تاريخ الفن، لقد كان دورر هو من صمم العمل، لكنه نفذه مع عدد كبير من المعاونين التابعين لمحترفه أو المتعاونين من الخارج، أما عمل الحفر الخشبي الرئيس فكان من إنجاز المعلم المشهور في ذلك الزمن هيرونيموس أندريا، أما آلبريخت ألتدورفر، الفنان الذي عاش بين 1480 و1538، ويعتبر المنافس الرئيس لدورر على لقب “أعظم فنان نهضوي ألماني” في ذلك العصر، فقد شارك في العمل بدوره منفذاً، وربما مشاركاً أيضاً في تصميم الأقسام الجانبية من قوس النصر هذا. فما الذي حققه دورر بنفسه، في هذا العمل، الى جانب التصميم والإشراف العام؟ لا شك في أنه كان هو، وانطلاقاً من أواخر العام 1512، من صمم ونفذ الجزء الرئيس في القوس، وهو البرج الذي تزينه، من ناحية، الشجرة العائلية لنسب الإمبراطور، ومن ناحية أخرى، ذلك الحيوان الخرافي الذي يحلق فوق صورة الإمبراطور كرمز لقوته وعظمته.

راتب لمدى الحياة

في شكل عام يمكن القول إن العمل كله يمت بصلة نسب قوية الى الفنون الإيطالية التي كانت على الموضة في ذلك الحين، ويقول باحثون كثر إن دورر، قبل أن يصل إلى التصميم وأسلوب التنفيذ النهائيين اللذين نالا رضا الإمبراطور ومستشاريه، درس الأساليب الإيطالية عن كثب، بل يبدو كذلك أنه قام برحلة خاطفة إلى إيطاليا بتمويل من الإمبراطور، الذي سيمنحه مكافأة له على إنجاز ذلك العمل الاستثنائي، وإن بشكل متأخر بعض الشيء، مرتباً شهرياً ظل الفنان يتقاضاه طوال حياته ما أسكت شكاويه إلى الأبد، ومن هناك عاد بجملة من المبتكرات الفنية التي يمكن للعين الدارسة أن تجدها منتشرة، ليس فقط في “قوس النصر”، بل في معظم تعبيرات دورر الفنية منذ ذلك الحين.

…وموكب آخر للنصر

“قوس النصر” هذا أنجز نهائياً في العام 1515، وقدم في احتفال خاص، إلى الإمبراطور الذي أبدى سروره الفائق به، طالباً من دورر أن يبقى في خدمته، والفنان لم يخيّب فأل الإمبراطور، إذ إنه كرس منذ ذلك الحين معظم فنه لهذا الحاكم المتنور، وإذا كان “قوس النصر” قد عبر عن ماكسيميليان الأول وخلّده، فإن دورر عاد وحقق له، بين أعمال أخرى، ليس أقلها “كتاب الصلوات”، عملاً ضخماً آخر هو “موكب النصر”، غير أن دورر، كعادته، لم يشتغل على ذلك الموكب (الذي يبلغ طوله 55 متراً ويتألف من 137 قطعة خشبية) وحده، بل إنه اكتفى بتصميم وتنفيذ العربة المظفرة الخاصة بالإمبراطور، وتشكل الجزء الرئيس في العمل ككل، وهنا مرة أخرى، نجد الفنان وقد استوحى الفنون الإيطالية جاعلاً الموكب كله، في تصميمه النهائي يتوجه ناحية “قوس النصر”.

بين الفن والسياسة

عاش آلبريخت دورر بين 1471 و1528، وهو ولد في نورمبورغ ابناً ثالثاً لجوهري هنغاري الأصل فضل أن يترك وطنه ليعيش ويعمل في مدينة نورمبورغ الحرة، في ذلك الحين، وآلبريخت الفتى، بعدما درس القراءة والحساب في مدرسة ابتدائية، التحق بعمل أبيه، لكنه سرعان ما كشف عن مواهب فنية حقيقية، وخصوصاً من خلال رسم حققه ملأه بالرموز، ويرى الدارسون أنه كان أشبه برسالة سرية وجهها إلى أبيه معلناً فيها رغبته في التحول إلى الرسم، وفهم الأب الرسالة، لتبدأ رحلة الابن مع الفن، رسماً وحفراً، وهو إذ قام برحلات فنية عدة أواخر القرن الـ 15، عاد ليستقر في نورمبورغ ويتزوج ويؤسس محترفه، غير أن الزواج الذي لم يثمر أطفالاً، لم يمنع الفنان من مواصلة التجوال لا سيما في إيطاليا، ولسوف تكون سنواته التالية سنوات عمل وجهد، وحتى سنوات تدخل في السياسة والصراعات الدينية، إذ سنجده بدءاً من العام 1520 متبعاً مذهب مارتن لوثر مدافعاً عنه بحماسة فائقة، وإذ أمضى الفنان سنواته الأخيرة بين هولندا ونورمبورغ، توفي في العام 1528، ثرياً إنما من دون ذرية، غير مخلّف سوى فنه الذي خلّده على مدار التاريخ تماماً كما خلّد هو ذكرى الإمبراطور الذي كان مناصره الأكبر.

الإمبراطور ماكسيميليان كما رسمه دورر (موقع غيتي)

/عربية اندبندنت/

اترك رد إلغاء الرد