نحو تفسير ثقافي لجرائم القتل العبثية التي تعم أميركا

ظاهرة وحشية معاصرة ضحاياها 14 ألف سنوياً و90 في المئة من السكان مسلحون

غريب أمر الإنسان الذي ينفرد عن غيره من الكائنات الحيوانية برغبة العنف العبثي الذي لا يستند إلى أي مسوغ قانوني، ما خلا الانحراف النفسي الذي يصيب بعض الناس حين تدفع بهم غرائزهم الوحشية إلى القتل الاعتباطي. في الأزمنة البدائية البرية، كان الناس، على قلتهم، يكتفون بما قسمه لهم الدهر من نصيب. فينعمون بالأرض الفسيحة التي يستوطنونها، ويتغذون من موارد الطبيعة وثمارها، ويقتلون من الحيوانات ما يكفي حاجاتهم الغذائية اليومية. لم يكن يخطر ببال هؤلاء البدائيين أن يقتلوا من أجل التوسع الجغرافي، أو من أجل المنفعة الاقتصادية المتفلتة من كل الضوابط، أو من أجل الإخضاع الأيديولوجي المستند إلى الخلفيات الثقافية والدينية المقترنة بهوية الأمة المتشنجة.

لا ريب في أن التسويغات التي أخذ الناس يسوقونها منذ نشأة الحضارات الإنسانية القديمة من أجل تسويغ القتل إنما تستند إلى خلفية ثقافية اجتماعية سياسية فرضها تطور أحوال التمدن الإنساني، وظهور المجتمعات المنفصلة، وبناء المدن والإمبراطوريات، وتوسع ميادين التجارة والاقتصاد والاستثمار المفتوح. أعتقد أن نشوء الهويات الجماعية أفضى بالناس إلى تسويغ العنف من أجل الحفاظ على المكتسبات العمرانية. إذا كان الإنسان صالحاً بالفطرة لا تفسد طبيعته إلا حين ينضوي إلى محضن الجماعة التي تفرض عليه سلوكاً عنيفاً، دفاعياً وهجومياً، على ما كان يذهب إليه الفيلسوف الأديب الفرنسي جان-جاك روسو (1712-1778)، فإن التبدلات الخطيرة التي أصابت بنية الاجتماع الإنساني أفضت به إلى الأعراض عن طيبته الأصلية، والائتمار بأحكام الجماعة الحريصة على مصالحها ومنافعها.

أما القتل من أجل متعة القتل أو القتل العبثي، فظاهرة معاصرة تجاوزت بحدتها ووحشيتها كل ما اختبرته البشرية في الأزمنة الغابرة. ترصد لنا الإحصاءات الأخيرة أن 90 في المئة من سكان الولايات المتحدة يحوزون سلاحاً فردياً تتباين أحجامه وفقاً للفئة العمرية. أما معدل الوفيات السنوية التي يتسبب فيها العنف العبثي في هذه الولايات، فيقارب 14 ألف ضحية. غير أن الأمر الصاعق يتعلق بمجموع الضحايا التي سقطت من جراء هذا العنف من عام 1968 حتى عام 2021، إذ يقدر علماء الاجتماع العدد بنحو المليون والنصف، فضلاً عن ذلك، ينتسب معظم الضحايا إلى فئة الأطفال والقاصرين.

يعلم الجميع أن المجتمع الأميركي منقسم انقساماً حاداً في شأن شرعية السلاح الفردي. ومع أن الإحصاءات تشير إلى توزع هوية مرتكبي الجرائم العبثية على مجموع سكان الولايات (54 في المئة من البيض، 17 في المئة من السود، 8 في المئة من الأميركيين اللاتينيين الجنوبيين)، إلا أن الأسباب التي تبعث على مثل هذا العنف تتعلق بأزمة الانتظام السليم في الاجتماع الأميركي الشديد الإرباك والإرهاق. من هذه الأسباب إخفاق الإدارة الأميركية في تحليل الخلفيات النفسية التي تؤثر في مسلك مرتكبي القتل الجماعي، وأعراضها عن ضبط قانون حيازة الأسلحة الفردية القاتلة. أما الأسباب الأخرى، فيرتبط بعضها برغبة التقليد أو المحاكاة التي تتملك عقول الشبان الذين يرغبون في الاحتذاء بمثال عنفي بليغ الأثر، ويصبون إلى الشهرة والمجد من غير أن يستعبروا الآخرين عواقب رغبتهم الجسيمة. وكذلك يرتبط بعضها الآخر بمشاعر الحرمان التي يعانيها المجرمون الذي يعاينون مقدار الانفصام بين طموحاتهم الشخصية الشرعية ومآلات واقعهم الاجتماعي البائسة، فيخضعون لغرائز التدمير والإهلاك، وفي ظنهم أنهم ينتقمون من المجتمع الذي يسلبهم حقوقهم الأساسية في النجاح والتألق. غير أن البارز في هذه التسويغات أن العنف العبثي لا يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأمراض النفسية، إذ إن معظم الباحثين لم يتحققوا من اعتلال الصحة النفسية إلا عند ارتكاب الفعل الإجرامي.

يبين لنا الطبيب النفسي الفرنسي موريس برجه، في كتابه الذي يحلل فيه مسلك المراهقين المعنفين “Sur la violence gratuite en France. Adolescents hyper-violents”، أن الكلام فقد قدرته التهذيبية التوجيهية، ليحل محله العنف الاعتباطي العبثي التعسفي. للتدليل على سقوط المجتمعات المعاصرة في محنة العنف العبثي، يلجأ إلى استخدام مصدر الفعل الفرنسي (ensauvager، ensauvagement)، فيعاين فيه ظاهرة اجتماعية خطيرة تنذرنا بأوخم العواقب، ذلك بأن هذا “التوحشن” يلغي هوية الآخر ويختزلها، فيرد الآخرين إلى مجرد غرض من أغراض الإسقاط النفسي الذي يمارسه الإنسان التعنيفي الراغب في الإفراج عن انفعالات الغضب الباطني. ليس الآخرون، من هذا المنظار، سوى الضحايا المحتملين الذين نصب عليهم جام غضبنا، فنحولهم إلى جثث هامدة ننكل بهم تنكيلاً.

أما الأسباب النفسية التي تولد الرغبة في العنف العبثي، فيتقصاها موريس برجه في أطوار مسار الطفولة، إذ يعاين اضطراب العلاقات التي تربط الأهل بأولادهم. يكفي أن يحرم الطفل بسمة الأم التي يعنفها زوجها، أو حنان الأب الذي يصارع من أجل الحفاظ على حياة أسرته من بعد أن فقد وظيفته، حتى ينشأ نشأة اكتئابية انعزالية تدفع به إلى افتعال الأحداث الجسيمة التي تعوض له عن الحرمان الذي أصابه من جراء تفاقم المشكلات الوجودية في أسرته. من أبلغ الأحداث العنفية التي يعاينها المحلل النفسي تلك التي يشعلها المراهقون أو حتى البالغون الذين يضرمون النار في مستودع الجلود لكي يبتهجوا بمشهد الجريمة المرعب، ويقتلوا السأم الذي يغشاهم من شدة الفراغ الكياني في وجدانهم. من الأرجح أن يقترن اختبار الفراغ الكياني بانعدام الصلة الحياتية بين الأهل والأولاد في زمن الطفولة. حين يحرم الطفل مجالسة الوالدين والتنعم بحضورهما العاطفي والاستمتاع بأوقات اللهو الجماعية، لا بد من أن يصاب بالتضجر الكياني في سن المراهقة والبلوغ، لذلك غالباً ما يعمد إلى العصيان والتمرد والإجرام العبثي، وفي ظنه أنه يملأ الفراغ الوجودي الذي يعتصر كيانه اعتصاراً خانقاً.

وعلاوة على ذلك، تظهر آثار الحرمان الطفولي في مسلك المراهقين والبالغين الذين فقدوا فن التخيل الإبداعي. من طرائف التحليل النفسي الذي يعالج أسباب العنف العبثي أن الشبان والشابات يسارعون إلى نفي كل إمكانات النجاح والفوز حين يبادرهم الطبيب النفسي بالسؤال عن خطتهم المستقبلية في صرف جائزة اليانصيب التي يمكن أن ينالوها. أما جوابهم القاطع، فيملي عليهم ألا يتخيلوا وضعيتهم المالية قبل التيقن من حصولهم على الجائزة. في أعماق الواقعية الانهزامية هذه ترتسم علامات اليأس من إمكانات اختبار الحياة في وجوه علائقية جديدة. ومن ثم، حين تسقط المخيلة الوجودية الإيجابية البناءة، ينهزم الإنسان المضطرب نفسياً، فينصرف إلى الأعمال العنفية التي لا تحتاج إلى عناء المخيلة، كالتخريب والتعطيل والهدم والقتل. لا شك في أن إضرام النار واستدعاء الإطفائيين ومهاجمتهم والتعدي عليهم أعمال عنفية تدل على الرغبة النفسية في الانعتاق المنحرف من مسؤولية الانتظام الخلاق في العقد الاجتماعي السائد.

قد ينشأ العنف العبثي أيضاً من اضطراب العلاقات الإنسانية، إذ إن الطفل الذي لا يختبر التواصل الحق في طفولته لا يستطيع أن يرتبط ارتباطاً سليماً بنظرائه في زمن البلوغ. تدلنا الدراسات النفسية على أن الطفل يتعلم فن التواصل حين يعاين علامات الفرح والابتهاج مرتسمة على وجه والديه، وحين يختبر أيضاً إشارات الالتزام والنضال والكدح متجلية في أقوالهما وأفعالهما وتصرفاتهما. إذا انعدمت التنشئة التفاعلية الطبيعية السليمة هذه، فقد الإنسان البالغ القدرة على فهم مواقف الآخرين، وتفسير حركات أجسادهم، واستجلاء أسارير وجوههم. في بنية الوجه تعتلن طاقات التواصل الحق بين الناس، بحسب ما كان يذهب إليه الفيلسوف الفرنسي إمانويل لڤيناس (1906-1995). كلما فقد الإنسان القدرة على فهم وجه الآخر، اضطرب كيانه الجواني، وتزعزعت مقاصده التواصلية، وانهارت يقينياته الأخلاقية. فإذا به يسارع إلى تعنيف الآخرين قبل أن يتيقن من حقيقة مقاصدهم ونياتهم. لا شك في أن “التوحشن” يأتي من الوحشة التي يعانيها الإنسان الذي فقد معنى الصلة بالآخرين، أي جوهر كيانه التواصلي المبني على الانفتاح التفسيري المستمر. فالإنسان كائن التفسير يترصد معاني الحياة في صميم الارتباطات التي تجعله مقترناً اقتراناً وجودياً مصيرياً بنظرائه. حين تبطل هذه الارتباطات، يضطرب وعي الإنسان وتنحرف تصرفاته عن مقاصدها العلائقية الأصلية، فيسقط في محنة التعنيف العبثي.

انهيار السلطة الوالدية

لا بد أيضاً من استيضاح مكانة الأب وسلطته في الأسرة الناشئة، إذ إن المجتمعات المعاصرة، لا سيما الغربية، تميل ميلاً شديداً إلى التقليل من مقام الأب، سواء بالطلاق الذي يفضي إلى هجرة الآباء، أو بالتخلي المفرط عن مقولة السلطة الأبوية التي تدعي هذه المجتمعات أنها أضحت مسألة عتيقة، بالية، عقيمة. ومن ثم، ينبغي التنديد بعجزها عن الاضطلاع بمسؤولية بناء الشخصية الإنسانية السوية. بمعزل عن جنس الشخص الذي يمارس السلطة في الأسرة، يجمع معظم علماء النفس على ضرورة رسم الحدود ووضع الضوابط وتسويغ الموانع الضرورية في تنشئة الطفل، ذلك بأن الإنسان الذي لم يتعود أن يختبر المنع البناء في مسلكه الطفولي لن يستطيع أن يدرك معنى القوانين التي يشرعها المجتمع من أجل تنظيم المعية التشاركية في المدينة الإنسانية. كل إهمال في تنشئة الطفل تنعكس آثاره في الانتظام الاجتماعي، إذ إن الطفل الذي لا ينشأ على احترام سلطة الوالدين لا يستطيع أن يصون قوانين مجتمعه، ويراعي أحكامه، ويتدبر توجيهاته.

من جراء انتشار الذهنية التساهلية، لا سيما في المجتمعات الغربية المعاصرة، أخذ بعض الناس يستبيحون المجال العمومي، والحريات الفردية، والقوانين السائدة، والأعراف المعتمدة. أظن أن الشعور بالحياء ضروري في تنشئة الطفل الذي ينبغي أن يتعلم كيف يراعي الآخرين، ويحترم بيئته، ويخجل من بعض التصرفات التي تلحق الأذى وتستولد المعثرة وتستثير الاضطراب. إذا أصر الأهل على إهمال الجانب التربوي الجوهري هذا في تنشئة أطفالهم، لا يجوز لهم، بعد ذلك، أن يرتبكوا ويتعثروا لدى معاينتهم آثار العنف الاجتماعي الذي يحرمهم صفاء العيش.

فقدان الإحساس التعاطفي

الأعجب في ذلك كله أن الإنسان العنفي لم يعد يكترث بمشاعر الآخرين وأحاسيسهم وعواطفهم. من جراء فقدان التواصل الوجداني الحي بين النظراء، أضحى الناس لا يبذلون الجهد الضروري من أجل التعاطف الصادق والآخرين، وهو الشرط الأساسي في التسالم والتضامن والتعاون. لا يستطيع الإنسان أن يتحرر من طاقات العنف المحتشدة في باطنه إلا على قدر ما يضع ذاته في موضع الآخرين، مجتهداً في اختبار ما يختبرونه، ولو على سبيل المحاكاة الافتراضية. قد يكون أيضاً من أسباب انعدام التعاطف أن الإنسان أصبح عاجزاً عن الرفق بذاته، ومحبة كيانه، والابتهاج بفرادته، والتنعم بخصائص شخصيته. من لا يحب ذاته، لا يستطيع أن يحب الآخرين. من يعنف ذاته تعنيفاً يومياً، سواء بالإهمال المسلكي أو بالتلوث السمعي أو بالتغذية السامة أو بالتفكر الذاتي التحقيري، لا يستطيع أن يرأف بالآخرين، إذ إنه لا يعرف كيف يعطف عليهم، ويصبر على اضطراباتهم، ويواسيهم في إخفاقاتهم وإرباكاتهم

قد ينشأ العنف العبثي أيضاً من روح العصبية التي تغلق على الناس في انتماءاتهم العرقية، وتقوقعاتهم الأيديولوجية، ومعازلهم السكنية، وانتساباتهم الشارعية، ومحافلهم التآمرية. عوضاً عن التخاطب السلمي العقلاني الراقي، يعمد الناس العنفيون إلى استثارة العصبيات الجماعية، فيهيجون طوائفهم لنصرتهم، ويتكلون على مصاحبات الشر يجندونها من أجل الاقتصاص المريع من الذين يخالفونهم الرأي أو الذين يتهيأ لهم أنهم لا يؤيدونهم تأييداً صريحاً.

عزلة الإنسان المعاصر الوجودية

يبدو لي أن العنف العبثي الذي يدفع ببعض الناس إلى قتل بعضهم الآخر، إنما ينجم عن العزلة الوجودية التي يُرمى بها الإنسان في المجتمعات المعاصرة التي أوشكت أن تخنق الإنسان، من بعد أن فرضت عليه معايير ظالمة في الفاعلية والإنتاجية والمنفعية. لا عجب، والحال هذه، من أن يشعر الإنسان المعاصر بأن مجتمعه بات يضغط على وجدانه ضغطاً ثقيلاً، إذ يكبله بتصورات مسرفة تجعله يصبو إلى جمال جسدي بعيد المنال، ونجاح مادي عسير الإنجاز، وتألق اجتماعي إعلامي وهمي، وتفرد شخصي غريب لا يتحقق إلا زيفاً على منصات التواصل الافتراضي التي تشوه حقائق الواقع الإنساني وتتجاوز حدوده الطبيعية الشرعية.

أعلم أن بعض الناس المصابين بالانحراف النفسي يهوون القتل من أجل التعبير العنفي عن اعوجاج تصوراتهم الوجودية، ولكن الاجتماع الإنساني أنشأ لهؤلاء مؤسسات صحية وأطراً علاجية تساعدهم في التغلب على انحرافات نفسيتهم المريضة. يبقى السؤال الأخطر الذي يستفسر عن الأسباب العميقة التي تدفع ببعض الناس السليمي البنية النفسية إلى ارتكاب مثل الجرائم العبثية الجماعية هذه. لا شك في أن الإنسان القادر على التخلق بأخلاق الملاك، قادر أيضاً على التصرف تصرف الحيوان المتوحش، وفق ما كان يذهب إليه الفيلسوف الفرنسي باسكال (1623-1662)، ذلك بأن الطبيعة الإنسانية قاع مرعب  من التناقضات التي تهلك حتى الأشداء الذين يستخفون بها، ولا يعمدون إلى النظر فيها وتدبرها ومعالجتها المعالجة القويمة. الانعتاق من العنف مسألة جليلة تتطلب التقويم النفسي المستمر، والتهذيب الأخلاقي الملتزم، والاستنارة المعرفية الهادية، والرقي الروحي المنفتح السميح.

فتاة صغيرة توقع على الارض التي سقط فيها رفاقها (رويترز)
من الصور المؤلمة في الولايات المتحدة (أ ف ب
ضحايا أطفال

اترك رد إلغاء الرد