أربع مستحيلات غول وعنقاء وخلُّ وفي ومجلس بلدي موحد “يمق” يذكِّر الطرابلسيين ب”المفوض السامي”…فهل يتفكَّرُون؟!

/رائد الخطيب- رئيس تحرير الرائد نيوز/

لا شيءَ مغرٍ، يحثُّ كاتباً أو محللاً، للتعمُّق أكثر فأكثر في وُحولِ بلدية طرابلس، التي تعصفُ عليها رياح من جهاتٍ ثلاث: سراي طرابلس يتزعمها “مفوض سامٍ” محافظ الشمال القاضي السابق رمزي نهرا، أعضاء المجلس البلدي الذين يستفيقونَ على أمرٍ ثم تأتيهم الأوامر فيبيتونَ عليه، وثالثة الأثافي العاصفة، هي المرجعيات السياسية التي لم تتدخل وكأنّ الأمر لا يعنيها.
طرابلس المدينة، باتت تشبهُ كل شيء إلا المدن بمعناها الحقيقي.

الفقر والفوضى والتعتير غالباً، يكونُ حزاماً حول المدن، لكن في حالة طرابلس، لم يعد للحزام حولها معنى، فالفقر والفوضى والتعتير، يحاصر جهات المدينة الأربع، حتى دخل في ثناياها ووسطها، ولم تسلم شوارعها التي كانت تمثلُ رقي الطبقات أو تعثرها، ١٢ سنة تعيش طرابلس تحت وطأة الخلافات الداخلية والصراعات السياسية في المدينة، التي كانت تريد تحقيق نفوذ أكثر من تحقيق نمو، لو تمت برامج تقدم الأعمال في طرابلس، لرأينا مستوى سيبيرياً على الصعد كافة، أي أدنى من صفر، يمكن تفكيك التركيبة الاقتصادية التي قادت المدينة أو ما يصطلح على تعريفها بالعاصمة الثانية، لنرى مستويات التراجع والفشل النوعي، على الرغم من تضخيم الشمال وعاصمته طرابلس، كمنطقة تستطيع النهوض بكل لبنان، المؤتمرات كانت عبارة عن فائض قوة كلامية، ولكن الواقع كان مضحكاً: طرابلس أفقر مدينة متوسطية، ليتَ الصراع السياسي توقف عند أهل السياسة، الصراع بات وجهَ البلدية القبيح، وبات ملمحاً من شللها، ومقياساً يشبه الSymmetry الرياضية، التناظر السياسي والبلدي.

المفوض السامي لطرابلس

في آخر مؤتمر صحافي له، صفعَ رئيس البلدية الدكتور يمق، الذي تمّت تصفيتهُ عن سابق تصورٍ وتصميم عبر الإعلام أولاً، لأسباب سياسية ومصلحية في آن، فقد اتهم يمق خصمه اللدود المحافظ نهرا بأنه مفوضٌ سامٍ للشمال ولطرابلس تحديداً، التّوغل والتغول في المعنى ضروري، لفهم هذه الصفعة النوعية التي لم يجرؤ أحد من السياسيين عليها، فتجرأ يمق، فالحياة وقفة عز، وسلاح الموقف أمضى سلاح، وإن كانت عروسة الثورة قد أطلقت الكثير من النعوت على المحافظ، لكنها بقيت دون آثار مباشرة أو جانبية.


يمق لا ينسى أنّ طرابلس قاومت الانتداب الفرنسي، ومفوضيها الساميينَ في لبنان وسوريا، أليست طرابلس هي طرابلس الشام؟.
كان المفوض السامي الفرنسي يقيم في بيروت وله صلاحيات مطلقة في التشريع والتعيين، وكذلك عيّن موظفين فرنسيين في الوزارات والدوائر الحكومية بوصفهم مستشارين، وأما المحاكم فكانت مختلطة من قضاة سوريين وفرنسيين، وبعد إقرار الدستور تقلصت صلاحيات المفوض الفرنسي، غير أنه لم يعتمد الدستور وينشره إلا بعد أن أضاف مادة تنصّ على “تقييد العمل بأي مادة تخالف صك الانتداب”.

الدستور اللبناني الذي وضع عام 1926، والذي استوحي من الدستور الفرنسي، كان يخضع لسلطة المندوب السامي، كذلك فإن إعلان الجمهورية اللبنانية في العام نفسه، وتعيين رئيس للجمهورية بقي أسير إرادة الحاكم الفرنسي الذي مارس سلطته في هذه البلاد “المعتبرة مستقلة”، كما يمارس أي حاكم سلطته في اي مستعمرة فرنسية أخرى، وكان كل خروج على هذه الإرادة يعرض صاحبها لأقسى العقوبات واستعمال الوسائل المتاحة لإبعاده عن المنصب الذي عيّن فيه.

تميزت فترة الانتداب الفرنسي للبنان بالاستعمال المفرط للسلطة الفرنسية في تعيين أعضاء المجالس النيابية وحلّها، وتعيين الوزراء وإقالتهم وتعيين رؤساء الجمهورية وإقالتهم بمراسيم يتخذها المفوض السامي وفق رغبته ومصالحه، وبقي الإستقلال بمعناه الحقيقي وهماً يراود السياسيين اللبنانيين والشعب اللبناني؛ هل كان كلام الدكتور يمق انفعالياً رداً على جلسة نزع الثقة في سراي طرابلس، أم أنها كانت مقصودة عن تفكير وعن سابق تصور وتصميم؟، لا لم تكن انفعالية صفة “المفوض السامي” بل جاءت لتضع النقاط على الحروف، وأن سلطة الانتداب الجديدة للمفوض السامي على طرابلس الرافضة لكل ما يريده العهد، هي سلطة انتداب قوية يمثلها المحافظ، ولا تبدي سياسته تجاه المدينة أي انعكاس لمشاعر الود، بقدر ما هو ازدراء وتحطيم معنوي ونفسي يشعر بها سكان المدينة.

جلسة متوقع أن تكون “مشلوطة”
اذاً، كانت العرب قد قالت إنّ المستحيلات ثلاثاً: الغول، العنقاء والخل الوفي، فإنَّ رابع المستحيلات هو الإتيان بمجلس بلدي في طرابلس، موحّد الرأس والهدف والرؤية، ولن تكون الجلسة المحددة ب٨ آب الجاري، جلسة مباركة، بقدرِ ما ستكون جلسة “مشلوطة”، وتسليم مقاليد السلطة المحلية إلى المفوض السامي والتعبير للدكتور يمق ، إلا في حال نجاح الطعن المقدم من يمق، باعتبارهِ جلسة نزع الثقة غير شرعية وغير قانونية ومخالفة لقرار مجلس شورى الدولة، الذي صدر قبل أقل من ٤٨ ساعة على قرار إعدام المتمرد يمق “بلدياً”.


وما الدليل على رابع المستحيلات، إلا هذا العقد الأخير ونيفٍ منهُ، ١٢ سنة مجلسان بلديان، ب٤رؤوس، وربما رأس خامس في حال انعقدت الجلسة المزمعة في ٨ آب الجاري، واذا كان الصراعُ سياسياً بين أفرقاء يريدون المجلس البلدي مقطورة وملحقاً سياسياً تابعاً، فإنّ ال١٢ سنة وسندخل معها السنة ١٣ لا توحي بوجود أية ملامح لصراع اقتصادي انمائي، ولو بالحد الأدنى، ١٢ سنة هي من السنوات العجاف للعاصمة الثانية، تريّفت فيه المدينة أكثر مما مدَّنت الداخلين إلى حاراتها وأزقتها وأحزمتها سواء من الشرق أو الغرب أو الجنوب، ولولا البحر لكان غرب المدينة قد أكمل دائرة حزام البؤس، بعد أن دخل إلى كل مفاصلها، لتحوز على لقب “الأفقر” على الشاطئ المتوسطي.


مجلس بلدي يبدلُ رئيسه كما يغيّر الشخص ملابسه، كيف لهُ مثلاً أن يقبل برئيس لا يحوز على ٩ أصوات، خصوصاً أن المتواجدين هم ١٤ عضواً فيما الطامحين إلى كرسي الرئاسة هم ٣، هذا الكرسي سيكون عمره الافتراضي ٩ أشهر، أمّا الفعلي فلن يكون أكثر من ٥ أو ٦ أشهر، ٥ أو ٦ أشهر لا تعني ولادة طبيعية، بل ولادة من الخاصرة، ولادة مشوّهة، لا يمكن لمجلس بلدي خلال الأشهر المقبلة أن يبدأ بأي مشروع، سيما أنّ الدولة منهارة مالياً واقتصادياً، فكيف يمكن لبلدية تريد تغيير ملابسها أن تأتي بمشروع، أين خارطة الطريق للمرشحين المحتملين، لا أحد يحمل مشروعاً، وسائل الإعلام في طرابلس كثيرة لم نسمع أي طامح للرئاسة يطرح مشروعاً، أكثر الطامحين يسعونَ إلى استرضاء المحافظ، الذي يحل ويربط في الموضوع البلدي، ربما يكون ثمة قرار سياسي للمرجعيات في المدينة، لكن على الشاشة لا يظهر سوى نهرا.

٨ آب سجّل إننا لن نفعل شيئًا

العينُ الطرابلسية اليوم مصوَّبة تجاهَ اللاشيء، الانتخابات النيابية التي حصلت في أيار، كانت مجرد فاصل اعلاني، لفيلم سياسي طويل، عاشته المدينة ١٢ سنة، كيفَ للولايات الرئاسية البلدية المقطعة الأنفاس والأوصال، أن تنجز مشروعاً واحداً أو تضبط الايقاع، رؤية المخالفات باتت جزءاً من هوية المدينة، المتسولون، عربات الخضر، المخالفات المرورية، العشوائيات، خلال ما تبقى من مجلس بلدي ممدد له، نفس الأعضاء نفس الافكار، ما الذي سيتبدل؟!، الرئيس، الرئيس لا يختصر الفشل، بل قفوهم إنهم مسؤولون.

أي مشروع في ٩ أشهر اسمية؟!
لا يغض مسؤول سياسي في المدينة، الطرفَ، حول السؤال الميتافيزيقي: بعد هذه الدوامة، نحن إلى أين؟!
المسؤول السياسي الذي يتابع أمور المدينة بدقة متناهية، يقول: اليوم نحن ننظر إلى الثامن من آب؛ لنرى من سيُنتخبُ رئيسًا للفترة المتبقّية والتي لا تتعدى تسعة أشهرٍ، بعد تأجيل الانتخابات البلدية مع العلم أن الأعضاء لم يتغيّروا ونتمنى أن تتلاشى خلافاتهم المعلنة وغير المعلنة ويتعاونوا فيما بينهم لمصلحة المدينة، ولكن خلال هذه الأشهر هناك محطات كبيرة في البلد، أعتقد الانتخابات الرئاسية وتشكيل الحكومة، أحداثٌ ستخطف الأضواء والأبصار: مين فاضيلنا؟!

يضيف المسؤول السياسي، وهو يتحدث عبر الهاتف، أنه بالانتقال إلى المرحلة المقبلة، فإنَّ التحديات والحاجات أكبر وأهم:
التحدي الأول: الذي ينتظر الرئيس الجديد ومجلسه هو تنظيم اشتراكات الكهرباء، ومراقبة الفواتير والتسعيرات وتركيب العدادت أُسوةً ببقية المناطق، التي تنعَمُ بالكهرباء بأسعارٍ معقولة، فاتورة الاشتراك بطرابلس هي الأغلى لأنهاأُمُّ الفقير“!!.

التحدّي الثاني: هو التسرُّب المدرسي وهو خطير جدًا كقنبلةٍ موقوتةٍ وفقاً لتقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي، فإنَّ هذه النسب التي باتت فوق ٥٠ في المئة؛ تهدد المجتمع الطرابلسي، فالجهل يهدم كل ما يُبنَى.


التحدي الثالث: هو إزالة المخالفات التي شوَّهت وجه المدينة فباتَ كُلُّ شيءٍ مباحُ كالرصيف والأملاك الخاصة.

التحدي الرابع هو ضبط الأجهزة الإدارية والفنية بالإضافة للشرطة لإعطاء الطرابلسيين جرعة أمل إضافية، فبعد الاعتداء على القصر البلدي وحرقه باتت هيكلاً أسود مطموس المعالم.


_التحدي الخامس: هو مشروع سوق الخضر، هذا المشروع انتهى العمل به منذ عام ٢٠١٨، وهو مشروع مُكْتَمِلٌ ومسؤولية البلدية فقط استلام وتأجير تُجَّار سوق الخضار حسب المراسيم التي على أساسها أُنشِئَ هذا السوق.
وللأسف خلال الأعوام الأربعة الماضية، تمت سرقة كابلات الكهرباء منه والمولدات، ولا ندري حجم الأضرار التي لحقت به، وإعادته إلى ماكان عليه يحتاج إلى أموالٍ تفوقُ قُدرة البلدية على دفعها ولا نعتقد أن مجلس الإنماء والإعمار لديه قدرة الآن لتمويل هذا المشروع.
إنّ أهمية سوق الخضر، كونُها من أهمّ الأسواق التي تُسعِّرُ الخضر على صعيد لبنان ككل، ولكن العشوائيات والازدحام الموجود، قلل من ارتياد الناس للسوق، فانتقلت المرجعية لجبيل.
يختم المسؤول السياسي: نحن نريد استعادة دورنا واستعادة دور طرابلس في بيع الخضر بالجملة، وهنالك عدة شركات عرضتْ المساعدة على البلدية بإدارة هذا المرفق بمبالغ بسيطة جدًا لتنظيم العمل فيه والمحافظة على استدامة العمل في هذهِ السوق.

سوق الخضر
يقولون، إنَّ سوق الخضر لبُّ المشكلة وتلك الشعرة التي قصمت ظهر البعير، الدكتور يمق مختصراً: “لا محل لمن ليس له سند ملكية أو عقد ايجار سابق”.
يقول يمق الذي كان يمشي برفقة أصحابه في شارع عزمي، وسألته حول قصة السوق:
لقد أنهينا كل الامور اللوجستية والقانونية بالنسبة لسوق الخضر، وذلك خلال ولايتي التي بدأناها مع الوزيرة ريا الحسن وذلك بتوجيه من الرئيس سعد الحريري، وتابعنا مع الرئيس حسان دياب، وفي عهده أصبحت السوق تحت تصرف البلدية ومن ممتلكاتها، وفي العهد الحالي تابعنا وضع النظام الداخلي وأخذنا قراراً بلدياً رغم غياب الأعضاء المعارضين، ووزعت المحلات على التجار، وكذلك اجتمعنا في وزارة الداخلية واتفقنا على تسعيرة معينة مئة دولار شهرياً للمحل الواحد.


وهنا طُلِبَ مني خفض التسعيرة تلفونياً، خطئي الكبير أنني طلبت ذلك خطياً، وتمّ تحويلي إلى النييابة العامة المالية على الاعلام، وبعدها كنا بحاجة لجلسة واحدة لانهاء موضوع سوق الخضر، فعمل المفسدون الذين أخرجتهم من اللجنة على تخريب الوضع ، وهم ممن لهم مخالفات على السوق وعلى تنظيم العقود وتنازلوا لبعض الأعضاء الذين كانوا على عداوة معي، شرط اقصاء رياض اليمق من الرئاسة، لأنني أعلنت أن لا محل لمن ليس له سند ملكية أو عقد ايجار سابق.
يؤكد يمق أن المخالفات حول سوق الخضر، قام بها عضو البلدية،….، وهو سبب البلاء لانني أقصيته من اللجنة، هذا العضو تشابكت مصالحه مع أحد المتنفذين المحسوب سياسياً على مرجعية كبيرة.

لا صراعَ تركي
ولا فرنسي ولا دولي حول بلدية طرابلس، طرابلس الآن دون مؤسسات قطاعية او إنتاجية لذلك الدول غير مهتمة، طرابلس تصارع حروب الاكتئاب السياسي والإحباط البلدي، تصارع طرابلس رحلة المسير المجهول، الصراع يختصره الطرابلسيون: أخرجونا من الفقر، صراعكم لكم ومدينتنا لنا.

اترك رد إلغاء الرد